الرئيسية / الورقية / علي البعزاوي: “أيّ خطر يمثّله المشروع التّكفيري؟”
علي البعزاوي: “أيّ خطر يمثّله المشروع التّكفيري؟”

علي البعزاوي: “أيّ خطر يمثّله المشروع التّكفيري؟”

ali-234x300إنّ تطوّر التّنظيمات الإرهابيّة التكفيرية التي تحتلّ رقعا جغرافية واسعة وفي أكثر من بلد وصمودها  أمام ضربات التحالف الدولي – رغم الشّكوك والمآخذ حول جدية هذا التحالف – واشتداد عودها وقدرتها على الاستقطاب والتجنيد والتعبئة تطرح أكثر من تساؤل حول سرّ هذا التّوسّع الذي لا ينقطع. فالتنظيم الإرهابي يخسر يوميا المئات سواء عبر القتل والاستهداف العسكري أو عبر الإيقافات من خلال ما يسمّى بالعمليّات الوقائيّة لكنّ صفوفه تتعزّز باستمرار بوافدين جدد من كلّ أنحاء العالم.

هي مفارقة عجيبة تجد تفسيرها في التربة الثقافية السائدة في البلدان العربية والإسلامية التي تتمعّش وتكبر من خلال مناهج وبرامج التعليم في كلّ المراحل. هذه البرامج توفّر الأرضيّة الفكريّة والايديولوجية الأساسية للجماعات المسلّحة الحالية. فالناشئة يتربّون تربية دينية تُحرّض على الجهاد ضدّ “الكفار” والتعاطي مع هذا الجهاد على أنه شرط الدفاع عن الهوية وحمايتها من الآخر المختلف. وهناك مناهج تعتبر الأديان السّماويّة وحتّى المذاهب المختلفة داخل نفس الدّيانة كفرا وإلحادا.

هذه الثقافة تتغذّى أيضا من فشل أنظمة الحكم العربية والإسلاميّة على اختلاف توجّهاتها في تحقيق أسباب العيش الكريم والحرّيّة والكرامة والعدالة الاجتماعيّة. فشل مشروع “دول الاستقلال” وتعمّق أزمات المجتمعات العربيّة والإسلاميّة وفّرت التّربة الخصبة لانتشار وتمدّد المشروع التّكفيري.

 الحالة التونسية:

إنّ المناهج  التعليمية في بلادنا ليست بريئة هي الأخرى فهي تربّي الناشئة على معاداة الاختلاف وعلى النضال ضدّ المختلف باعتباره يمثّل خطرا علينا وعلى ثقافتنا.

هذه التّربية لا تنسّب للأسف لدى الناشئة ولا تقدّم لهم على أنها جزء من الهويّة وليس كلّ الهويّة، وإنّ هذه الهوية ليست ثابتة بل تتشكّل وتتطوّر عبر التاريخ البشري وتتلاقح مع باقي الثقافات والحضارات في العالم .كما يقع استغلالها من طرف جهات  ايديولوجية انغلاقية تستغلها لإعداد جيل رافض للتعدّد والتّطوّر والانفتاح على الآخر المختلف. والتونسيّون يذكرون جيّدا الدّور الذي لعبه طلبة الاتّجاه الإسلامي في الجامعة التونسية في تقسيم الطلبة وتكفير القوى اليساريّة المناضلة التي عاشت اضطهادا مزدوجا من طرف بوليس النظام وميليشياته من جهة والطّلبة الإسلاميّين من جهة أخرى.

هذه الجهات تلقى الدّعم المادّي واللّوجستي من القوى الرّجعية الإقليميّة التي توفّر لها  كلّ مستلزمات النّجاح والتّطوّر السريع خاصة بعد  فشل ما يسمّى “بمشروع الدولة الوطنية” أو “المشروع الحداثي” التّابع في تلبية انتظارات الشعب بالقضاء على الفقر والتهميش وتوفير الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

فشل المشروع الحداثي خلّف جيلا من الشباب الحائر الذي يبحث لنفسه عن بديل لتجاوز أزمته الشاملة فكان الارتماء في أحضان التيارات السلفية التكفيرية التي كانت تغدق الأموال الطائلة القادمة من السعودية وقطر وتوفّر إمكانية التّدرب على السّلاح وتفتح آفاقا للتغيير عبر الجهاد في سوريا.

الجهاد في سوريا مثّل محطّة مهمّة في إعداد الشباب التونسي ايديولوجيا وعسكريا وذهنيا للمرحلة القادمة مرحلة الحرب على الكفر في تونس وإسقاط الدولة. وقد وجد الدعم من الترويكا التي انخرطت سياسيا في الحملة ضد النظام السوري فقطعت العلاقات الدبلوماسية مع دمشق واحتضنت مؤتمر أصدقاء سوريا بتنسيق مع الرجعية الخليجية المتواطئة.

الجهاديون لا يجدون صعوبات تُذكر في استيعاب المشروع الجديد فهم السّلف الصالح والإسلام الصحيح وكلّ من خالفهم الرّأي فهو كافر وجبت محاربته. لقد عاشوا في السّابق التّهميش والحقرة والاستثناء وهم اليوم قادة وحملة مشروع. لقد أعيدت لهم “كرامتهم المسلوبة” أو هكذا تصوّروا وأحيطوا بالعناية الضرورية بما جعلهم واثقين تمام الوثوق بخيارهم باعتبارهم خلفاء الله في أرض تونس.

ما لم يدركه هؤلاء أنهم مجرّد أرقام وقنابل موقوتة في خدمة أجندات إقليمية ودولية داعمة للصهيونية ومكرّسة لمخطّطات استعماريّة غربيّة لم تعد تَخفى على كلّ ذي عقل.

كيف التّصدّي لهذا المشروع؟

المشروع التكفيري في تونس بات محاصَرا بفعل التّطوّر والنّضج الذي عليه الشعب التونسي الذي أصبح أكثر وعيا وقناعة بحقيقة هذا المشروع وخطره على البلاد والعباد.هذا الحصار يؤطّره المجتمع المدني والقوى الديمقراطية والتقدمية والشباب والنساء الذين لعبوا دورا في إسقاط الخطر الأكبر الذي أفرزته الثورة التونسية كمولود مشوّه ونعني الترويكا.

لكن هذا الوعي على أهميته غير كاف لإسقاط المشروع التكفيري الذي يتغذّى من فشل وعجز الائتلاف الحاكم ويستفيد من الأزمة في الشقيقة ليبيا التي  قد توفّر مناخات مواتية لإدخال الفوضى في تونس والتي قد يستغلها الجهاديون الذين تدرّبوا في سوريا وليبيا وهم ينتظرون اللّحظة المناسبة للانقضاض على الحكم.

إنّ أفضل طريق لسحب البساط من تحت أقدام هؤلاء الفاشست وعزلهم عن المجتمع يتمثّل في قدرة القوى الديمقراطية والثورية والمدنية والشبابية والنسائية على التّوحّد حول مشروع وطني ديمقراطي اجتماعي يوفّر حلولا جذرية للأغلبية المهمّشة التي فقّرتها الخيارات الليبرالية التّابعة ويكون قادرا على هزم الائتلاف الحاكم.

المعركة في تونس اليوم هي معركة مشاريع وبرامج وعلى الجبهة الشعبية تحمّل مسؤوليّاتها في تشكيل أغلبيّة شعبيّة حول بديلها ورسم طريق الخلاص.

“صوت الشّعب”:

(علي البعزاوي: ع. ل. مركزية لحزب العمّال)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×