الرئيسية / صوت الوطن / العفو الوطني العام قنبلة موقوتة// بقلم علي البعزاوي
العفو الوطني العام قنبلة موقوتة// بقلم علي البعزاوي

العفو الوطني العام قنبلة موقوتة// بقلم علي البعزاوي

تعرّضنا في مقال سابق من صوت الشعب تحت عنوان “مبادرة الغنوشي جزء لا يتجزأ من الثورة المضادة” إلى إعلان راشد الغنوشي، في لقاء جمعه برئيس الدولة، عن مبادرة للعفو الوطني العام، مؤكّدين على تعارضها مع أهداف الثورة. ونعود اليوم إلى الموضوع نفسه من زوايا أخرى لما تشكّله هذه المبادرة من مخاطر حقيقية على مستقبل المشهد السياسي في تونس وعلى المسار الثوري.

 مبادرة الشيخ راشد الغنوشي حول “العفو الوطني العام” أسالت الكثير من الحبر بين مصفّق وداعم لها، وبين مشكّك في مصداقيتها وإمكانية تمريرها، خاصة وأنها ستلاقي رفضا شديدا من أغلب أطياف المعارضة ومن منظمات المجتمع المدني الديمقراطية، إضافة إلى كونها تتعارض مع قانون العدالة الانتقالية الذي يؤكد على كشف الحقيقة والمحاسبة أوّلا قبل المرور إلى المصالحة.

ما طرحه الشيخ الغنوشي يختلف عمّا طرحه السبسي في إطار مشروع “المصالحة الاقتصادية والمالية”. فهو مشروع سياسي متكامل وواسع الأبعاد وليس مجرد مشروع جزئي وتقني يغلب عليه الجانب الاقتصادي والمالي ويهمّ شريحة معيّنة من الإداريّين ورجال الأعمال مثلما عبّر عن ذلك رئيس الدولة عندما قدّمه إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة عليه. فعلى حد تعبير الغنوشي نفسه، الغاية من المشروع تكمن في:”اتجاه تونس نحو المستقبل متخففة من أثقال الماضي متضامنة متغافرة ومتعافية من كل الأحقاد والثارات”…

 مشروع استفزازي بامتياز

الأكيد أنّ المستفيد المباشر من هذا المشروع هو النهضة وأزلام النظام السابق، بعد أن ربط الغنوشي    -في شكل مقايضة- العفو الوطني العام بإحداث صندوق لجبر ضحايا النّظام النّوفمبري. لكنه يحمل في طيّاته عديد المخاطر السياسية بما في ذلك على الائتلاف الحاكم ذاته.

 فطرح هذا المشروع على مجلس نواب الشعب قد يثير انقسامات جديدة وتصدعات صلب الائتلاف الحاكم على غرار ما حصل عند طرح قانون البنك المركزي للمصادقة عليه من طرف  نواب الشعب. فالتّوافق بين النّداء والنهضة لا يكفي. وقد لا يجد التّأييد من حزبي آفاق والوطني الحر، اللذين لم يعبّرا بعد عن موقف واضح من هذا المشروع إلى حد الآن. إضافة إلى أنّ هذين الحزبين ما فتئا يعبّران عن قلقهما من انفراد النهضة والنداء بالسلطة وفرض وجهات نظرهما على الحكومة. وحتى المساعي التوافقية الأخيرة داخل رباعي الحكم لتجاوز أزمته، فقد تمّت تحت الضغط والتهديد ولم تتمّ على أساس تقييمات موضوعية جدّيّة.

كما أنّ طرح المشروع المذكور من شأنه استفزاز طيف واسع من المجتمع المدني والمعارضة التي سبق وأن جنّدت الشارع لإسقاطه متحدّية قانون الطوارئ وطعنت في بعض الفصول التي مرّرها نوّاب الأغلبيّة، عبر قانون المالية وأسقطتها هيئة مراقبة دستورية القوانين.

إنّ تقديم هكذا مشروع على أنظار مجلس نوّاب الشعب معناه سعي أصحابه إلى الالتفاف نهائيا على أهداف الثورة والتّطبيع مع النظام النوفمبري وإعادة الاعتبار للسّراق والفاسدين الذين نهبوا مؤسسات البلاد ومقدّرات الشعب التونسي بمباركة من الطرابلسية، وربما إعادتهم إلى الحكم سواء كـ”كفاءات” و”خبرات” يمكن الاستفادة منهم في مؤسسات الدولة أو كممثلين للشعب من خلال الانتخابات على غرار ما حصل في الانتخابات التشريعية السابقة، حيث فازت ضمن قائمات حزب نداء تونس أغلبية تجمّعيّة (52 في المائة من مجموع الفائزين). مثلما يعبّر عن إصرارا أصحاب المشروع على فرض أمر واقع جديد على التونسيات والتونسيين وتكريس الانقسام وتوتير الأجواء في البلاد، رغم أنّ الظّروف الموضوعيّة المتّسمة بالتأزّم واشتداد التهديدات الإرهابية  تتطلب حدّا أدنى من الوحدة حول جملة من الاستحقاقات والمهمّات التي من شأنها المساعدة على تخطّي  المخاطر الكبرى.

  مشروع ملغوم وخطير

لقد سبق لراشد الغنوشي أن طرح إمكانية العفو عن كلّ إرهابي عائد من سوريا يتخلى عن الأفكار الهدّامة ويقبل بالتّوبة ويثبت عدم تورّطه في القتل مقابل السّماح له بالعمل السياسي المدني في إطار القانون. وأكّد على أن الحلّ الأمثل هو في الحوار مع التيّار السلفي الجهادي لإقناعه بذلك. هذا الموقف أيّده آنذاك محسن مرزوق، الذي أكّد على مبدئيّة وأهميّة عقد صلح بين الدولة وبين “المغرّر بهم”، وهو ينسجم أيضا مع ما طرحه الرئيس السابق المرزوقي في 2014 (مشروع قانون التّوبة) على حكومة المهدي جمعة مطالبا بإدراجه ضمن مشروع قانون الإرهاب.

لا شيء يمنع اليوم راشد الغنوشي من تضمين مشروع قانون العفو الوطني العام بندا يتعلق بالعفو عن العائدين من بؤر التوتّر وتبرير ذلك بالبحث عن التعايش بين الجميع في كنف الوحدة الوطنية والاستقرار والانصراف إلى العمل. إنّ العبارات الواردة في تصريحه للصّحافة، بعد مغادرته قصر قرطاج، تتضمّن عديد العبارات:”اتّجاه تونس نحو المستقبل… متضامنة متغافرة ومتعافية من كل الأحقاد والثارات…” التي تجعل هذا الأمر واردا من لدن زعيم سياسي لم يتردّد في التّعبير عن احتضانه وتأييده لهؤلاء الشباب الذين فتحت لهم الترويكا أبواب النشاط والدعاية والتحريض وممارسة العنف والحرق ونصب الخيمات الدّعوية والسّفر للجهاد في سوريا.

 المشروع يؤشّر لقيام “جبهة إسلاميّة”

 الغنوشي يعدّ العدّة إلى مرحلة ما بعد الائتلاف الرباعي الحالي، ويراكم لمرحلة استراتيجية تكون فيها الجبهة الإسلامية على رأس السلطة من أجل تمرير مشروعها القروسطي. ولن يدّخر أيّ جهد في سبيل ذلك ولو على مراحل، آخذا في الاعتبار بالتأكيد حالة موازين القوى ومدى قابلية المشروع للمرور في مثل الأوضاع الوطنية والإقليمية والدولية الحالية وما يتطلّبه ذلك من تعديلات ومراجعات قد تكون مغالطة للرأي العام ولبعض النّخب وفي مقدمتها الطّيف الليبرالي.

الأولوية في حسابات الغنوشي اليوم هي إيجاد حالة من القبول الواسع لحركة النهضة، داخليا وخارجيا، باعتبارها حزبا “مدنيا ديمقراطيا” قادرا على التّعايش مع كلّ الطّيف السياسي المحلّي ومع مختلف دول العالم وفي مقدّمتها الدول الاستعمارية الباحثة عن طرف قويّ قادر على حماية مصالحها الاستراتيجية في تونس والعمل، في نفس الوقت، على تغيير موازين القوى وانتظار اللّحظة المناسبة للسّطو على الحكم وفرض المشروع الإخواني. ومن هذه الزّاوية، تصبح المصالحة مع التكفيريين ضرورية. فهي من زاوية التّسويق السياسي تندرج ضمن العفو الوطني العام، ومن الزّاوية الاستراتيجية إعداد لتشكيل الجبهة الإسلامية العريضة بقيادة حركة النهضة.

 مبادرة الغنوشي خطيرة جدا وتستدعي حشد الجهود لإسقاطها في المهد قبل أن تصبح أمرا واقعا.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

ثلاثة + ستة عشر =

إلى الأعلى