أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت الوطن / الّنائب بمجلس الشّعب جيلاني الهمّامي: زرت الجزائر .. دون أن أجتاز الحدود
الّنائب بمجلس الشّعب جيلاني الهمّامي:  زرت الجزائر .. دون أن أجتاز الحدود

الّنائب بمجلس الشّعب جيلاني الهمّامي: زرت الجزائر .. دون أن أجتاز الحدود

زرت اليوم الأربعاء 8 مارس 2017 منطقة وشتاتة التابعة لمعتمدية غارالدماء بولاية جندوبة ووقفت على حقائق مفزعة وتدعو للحزن والنقمة والكفر.10930122_10205102966046896_7949062783546416857_n

منطقة وشتاتة هي مجموعة تجمعات سكنية ودواوير ومشت (جمع مشتة) متناثرة على سفاح الجبال المتتدة بين تونس والجزائر من سلسلة جبال خمير. القرى القريبة من مدينة غارالدماء تعتبر ” مترفهة ” وأقربها منها قرية الزرايبية حيث الإعدادية التي ومنطقة عين سلطان حيث المعهد الثانوي الذي سنتحدث عنه لاحقا.

كلما ابتعدت عن غارالدماء باتجاه وشتاتة كلما توغلنا في الجبال والوعر وبات لازما الحذر من تعرجات الطريق المفاجئة في المنحدرات والارتفاعات الخطيرة. من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن توفق بين مسك مقود السيارة والانتباه لمفاجآت الطريق وفي نفس الوقت تدقيق النظر في المناظر الطبيعية الخلابة وخاصة المنازل المرشوقة على سفح الجبل. لا تتمالك أبدا أن تتساءل كيف يستطيع سكانها وصولها وكيف وأي مسلك يسلكون.

التقيت بمجموعة شبان في عرقوب الصابون. توقفت ومكثنا بعض الوقت نتحادث.

ثم واصلت السير إلى قرية الصرية ومن هناك إلى قرية الموخر حيث كان الأهالي قد تجمعوا ينتظرون اللقاء الموعود.

على فكرة أهالي هذه المنطقة يعود آخر لقاء لهم مع مسؤول من الدولة لـ 15 سنة مضت.

قطعت ما يزيد عن 30 كلم لم أر أبدا لا عون أمن ولا عون حرس. هذه الجهة خالية تماما ممن يحرسن الأمن وعلى الرغم من ذلك هي منطقة آمنة تماما. لم أسمع أن إثنان من أهلها تشاجرا أو تبادلا العنف. ولم يشتك أحد منهم من سرقة حيواناته او من عملية سطو على منزله.

منطقة تحرسها الملائكة والصدفة.

وعلى فكرة أيضا أهل هذه المنطقة يزرعون القمح الفول والخضراوات على سفح الجبل ويرعون شياههم في الغابة. وكثيرا ما لمحت امرأة تتبع شياهها.

سطوح المنازل على الغالب مغطاة بالقرميد الأحمر وتراها من بعيد في كل مكان من الجبل بما في ذلك القمم العالية.

مأساة الشباب

ما بين المدرسة والمدرسة ما يزيد عن 10 كلم. في منطقة الرحيم اعترضني فتى صغير قد غادر لتوه المدرسة باتجاه المنزل. وأين يقع هذا المنزل؟ في “هفهوف” لا يكاد يرى بين الأشجار يبعد على المدرسة ما لا يقل عن 8 كلم كان على ذلك الفتى الصغير قطعها في تلك التضاريس الوعرة وسط الغابة الموحشة. وهو حال الغالبية العظمى من تلاميذ المنطقة.

المأساة لا تقف عند هذا الحد لأن من أسعفه الحظ ونجح عليه أن ينتقل إلى إعدادية الزرايبية أو المعهد الثانوي بعين سلطان أو المعهد الثانوي بغارالدماء. أقرب هذه الأماكن إلى قرية الموخر في وشتاتة حوالي 30 كلم. وسائل النقل هي النقل الريفي أو الشاحنات الصغيرة إيسوزو. من يلتحق بأحدى هذه المؤسسات التعليمية الثانوية مجبر على أن يكون بياتا. وفي غياب وسائل نقل عمومية يضطر عدد كبير منهم يوم السبت من العودة إلى منازلهم بوشتاتة على القدمين أي أن يقطعوا مسافة حوالي 30 كلم ونفس المسافة للعودة إلى المبيت يوم الاثنين في بداية الأسبوع الموالي.

هذه المعاناة حكمت على ثلاثة أرباع التلاميذ بالانقطاع مبكرا عن الدراسة. منطقة وشتاتة يمكن أن تكون في صدارة الجهات التي تشهد ظاهرة الانقطاع عن الدراسة للأسباب المذكورة.

في عرقوب الصابون توقفت للحديث مع مجموعة من الشباب. غالبيتهم في العشرين من العمر. ومن بينهم طفل عمره 13 سنة انقطع عن الدراسة. لما سألته عن الأسباب احمر وجهه خجلا وتهرب من الإجابة. فأجاب نيابة عنهم البقية الذين يكبرونه سنا ليقصوا علي تفاصيل هذه المأساة.

شباب منطقة عرقوب الصابون يتصيدون مرور شاحنة أيسوزو على ملك أحد المعارف للتنقل إما إلى الصرية أو الموخر ليقضوا بقية النهار في المقهى الوحيد في كل من القريتين. الأطفال يتعلمون مبكرا التدخين. ونسبة البطالة في أوساط الشباب تكاد تكون 100 %. فما من تلميذ انقطع عن دراسته إلا والتحق بصف البطالين وبالمقهى والرعي أو بالنشاط الفلاحي البدائي.

بعضهم يلتحق بنشاط ” الكنترا ” التي تبدو أكثر الأنشطة مردودية. ولكن هذا النشاط نفسه يشهد في السنوات الأخيرة كسادا كبيرا. لذلك لا يخفي الشباب تبرمه من ” الكنترا”.

أحدهم، بلقاسم، كهل في الثلاثينات من عمره يشتغل بـ” الكنترا ” ولا يخفي ذلك ويعتبر نفسه ضحية الوضع. قال : “التجأت للكنترا لأنني لم أجد شغلا آخر وأنا مجبر على إعالة ثلاثة أطفال وأمهم”. بلقاسم لا يستطيع أن يدخل مدينة غارالدماء لأنه على لائحة المفتّش عنهم ولم تفعل يده ولا ساقه شيئا. كل ما في الأمر أن وشاية ما ذهبت في شأنه وأصبحت اللوحة المنجمية لسيارته “مرشومة” عند أعوان الحرس. وكلما “نزل” إلى غارالدماء تم إيقافه لذلك يواري وجهه عنها ويتجنّب الذهاب إليها خشية أن يقع إيقافه.

مجموعة أخرى من الشباب هم محل تفتيش لأنهم متهمون بالمشاركة في احتجاجات تعود لسنة 2013 ولا زالوا إلى اليوم محل تفتيش ولا يعلمون ما إذا كان ذلك بقرار قضائي أمن بقرار امني فقط.

بعد الزيارة لهذه المنطقة عقدت جلسة مع الوالي ووع بالنظر في وضعيتهم والإذن لمصالح الأمن بالاستماع إليهم وإصدار كف تفتيش لصالحهم. سنرى ما إذا سيكون لهذا الوعد نتيجة.

الفقر عدو الحياة في وشتاتة والماء قصة أخرى

عندما وصلت إلى الموخر أكبر قرى جهة وشتاتة، هذه القرية التي تبعد عن الحدود مع الجزائر حوالي 3 كلم فقط، كان الأهالي تجمعوا في انتظار ” مسؤول ” قدم إليهم بعد أكثر من 15 سنة لم تطأ قدم مسؤول آخر أرض هذه المنطقة

من أعلى هذه القرية حيث يوجد المقهى الوحيد ترى قبالتك قرية جزائرية في الجهة المقابلة من الجبل.

كان علي أن أوضح بعض المسائل لرفع كل لبس أو سوء فهم.

أنا أولا لست مسؤولا في الدولة. أنا نائب عن جهة سليانة أولا، ولكنني نائب عن عموم الشعب ولم آت إليكم في حملة انتخابية ولا أطلب منكم أصواتا ولن أقدّم لكم وعودا.

علمت منذ أسبوع من رفيقي محمد الصالح المناعي منسق حزب العمال في جندوبة بتشكّياتكم فلم أتوان عن برمجة زيارة لجهتكم. أنا من عائلة فقيرة مثلكم وعندما كنت تلميذا في الابتدائي كنت أقطع 8 كلمترات صباحا ومثلها مساء إلى المدرسة ومنها تماما كما هو حال أبنائكم اليوم. سأستمع إليكم وكل ما أعدكم به أنني سانقل بأمانة معاناتكم إلى كل دوائر السلطة وسأعرف بمشاكلم ومطالبكم كلما توفرت لي فرصة في الاعلام. وسأصحب أحدكم، الشاب الهادي، إلى الوالي هذا المساء ليعرض بنفسه كل ما ستعبّرون عنه. أطلب منكم فقط أن تتكلموا بالتّوالي ولا تقاطعوا بعضكم فالمجال مفتوح لكم جميعا دون استثناء حتّى لو تطلب الأمر 4 ساعات من الحديث.

سيل من التشكيات والمشاكل

من لا يملك منزل ومن منزله متداعي للسقوط ومن قدم مطلبا في الحصول على دفتر معالجة وينتظر منذ 4 سنوات ومن مازال ينتظر جوابا على مطلبه للحصول على منحة الشيخوخة ومن ينتظر جوابا على مطلب في الحصول على رخصة نقل ريفي رغم أنه يحوز على جميع الشروط المطلوبة ومن يشتكي من غياب نقطة بيع علف ومن يشكو من البطالة علما وأن القليل منهم ممن يشتغل في الحضائر الغابية لا يتحصل إلا على أجرة 10 فقط في الشهر ومن يطلب توفير حافلة للنقل المدرسي على الأقل يومي الاثنين والسبت من كل أسبوع ومن يطلب حل معظلة العطش. ومنهم من يطلب تميكن الجهة من مجمع إداري: بريد وكنام وبلدية لاستخراج مضمون أو التعريف بالإمضاء على وثيقة. علما وأن هذه الخدمات كلها غير متوفرة ويلزم الذهاب إلى غارالدماء للحصول عليها. وفي حالة ما طلب من أي من مواطني وشتاتة “أرجع غدوة” فعليه أن يتكبّد خسارة 10 دنانير إضافية للعودة من الغد. ومنهم من يطلب تخصيص بيطري على الأقل مرة في الشهر وروى الأهالي معطيات مؤلمة عن وفيات في القطيع من الغنام والأبقار في غياب هذه المصلحة. ويبدو أن آخر مرّة زار فيها البيطري منطقة وشتاتة تعود لأكثر من سنة. ومنهم من يشتكي من مضايقات أعوان الأمن الذين يشتبهون في كل واحد اشترى دابة من جهة أخرى إلا وقيل له أنه ينوي تهريبها إلى الجزائر حتى وإن استظهر بفاتورة شرائها.

الماء قصة أخرى

في الموخر توجد حنفية عمومية (قبالة منزل عائلة الرفيق شريف الخرايفي أصيل هذه الجهة) توجد في منحدر يتجمّع حولها صباحا عشرات من النساء والرجال والأطفال كل يريد ملأ “برميل” أو 2 من الماء. الملقى حولها عبارة عن سوق يحدث خلاله كل شيء. تبادل الأخبار والشجار والمجاملات وكل ما يمكن أن يقتضيه الانتظار لساعات حتى يحين الدّور كل واحد منهم.

ما بين هذه الحنفية وأخرى في عرقوب الصابون على ملك أولاد بشير بن مصباح مسافة طويلة. في فصل العطش، في الصيف، تبكر العائلات لتلافي صفوف الانتظار التي تبدأ من الساعة الأولى بعد منتصف الليل. ويحدث أن يطول الانتظار لعشر ساعات كاملة.

سبق أن جرت اجتماعات واجتماعات في الولاية وفي غارالدماء لحل مشكلة التزود بالماء الصالح للشراب وأنجزت دراسة لمد المحاور الكبرى لنقل الماء. ولكن إنجاز المشروع تعطل بسبب رفض بعض مواطني الزرايبية السماح بمد القنوات على أراضيهم فظل المشروع معلقا واستمرت تراجيديا العطش إلى اليوم ولا يزال الأمل في التخلص منها قريبا امرا مستبعدا ونحن مقدمون على صائفة جديدة.

ألووو الجزائر

وأنا أسير باتجاه الموخر تلقيت إرسالية على الهاتف جاء فيها بالفرنسية “

Mobilis a le plaisir de vous accompagner sur le meilleur réseau mobile totu au long de votre sejou. Profitr de la meilleure tarification roaming en Algérie

استغربت الأمر والحال أننا مازلنا في التراب التونسي على بعد أكثر من 10 كلم عن الحدود. ولكن استغرابي انقشع عندما علمت أن كل سكان وشتاتة يتعاملون بشرائح هاتف جزائرية لأن تلك المنطقة لا تغطّيها الشبكات التونسية (اتصالات تونس وأوريدو وأورنج ). الشبكات الجزائرية “موبيليس” و “نجمة” و “ATM ” هي الوحيدة التي تشتغل. وحالما تفتح الراديو تستمع إلى الإذاعة الجزائرية. وعلى ما يبدو نفس الأمر بالنسبة لشاشات التلفزة.

العلاقات مع الجزائر التي لا تبعد حدودها عن قرية الموخر إلى 3 كلمترات فقط معاملات مفتوحة ويوميّة وتبادل البضائع والزيارات جار بصوة أكثر من اعتيادية. بل يقال أن المرضى من الجانب التونسي يتنقلون إلى القرية الجزائرية المحاذية لتلقّي الفحوصات والمعاجلة الطبّية اللازمة والحصول على الأدوية مجانا.

وأنا راجع باتّجاه تونس وبعد أن غادرت الموخر وقطعت بضعة كلمترات بعيدا عنها وصلتني إرسالية من شبكة أوريدو ترحّب بي في تونس.

زرت الجزائر دون أن أجتاز الحدود.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

ثلاثة عشر − أربعة =

إلى الأعلى