الرئيسية / صوت الوطن / اغتيال الحاج البراهمي: جريمة دولة
اغتيال الحاج البراهمي:  جريمة دولة

اغتيال الحاج البراهمي: جريمة دولة

كنّا استعملنا هذه العبارة في السابق لتوصيف عملية اغتيال الشهيد شكري بلعيد. ونحن نعيد استعمالها اليوم في الذكرى الرابعة لاستشهاد الحاج محمد البراهمي لتوصيف عملية الاغتيال التي كان ضحيتها يوم 25 جويلية 2013، أي بعد قرابة نصف العام من الاغتيال الأوّل. وليس هذا التّوصيف من باب التّجنّي، بل هو ترجمة لحقيقة ما جرى ويجري في بلادنا. فعملية اغتيال الحاج البراهمي لم تكن معزولة لا عن عملية الاغتيال الأولى ولا عن الوضع العام السائد آنذاك في البلاد مع حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة وهو ما ينبغي لنا استحضاره دائما حتى لا ننسى.

إنّ عملية اغتيال الحاج البراهمي مثلها مثل عملية اغتيال شكري بلعيد مثّلت جزءً لا يتجزّأ من مخطّط الثورة المضادة لتصفية الثورة ومكاسبها وإخضاع المجتمع والشعب لدكتاتورية جديدة بغلاف ديني، هي دكتاتورية “الإخوان المسلمين” وحلفائهم من الفرق الرّجعيّة الظلاميّة الأخرى مثل “أنصار الشريعة” وحزب التحرير وغيرهما. وقد كان وقتها الحديث شائعا حول تجميع هذه الأطراف كلّها في “جبهة إسلامية”. ولم يكن ذلك ممكنا دون تصفية القوى التقدمية بمختلف مشاربها، سياسيا كانت أو مدنيّة، ودون اختراق أجهزة الدولة وتفكيكها لخلق المناخ المناسب لتحقيق المخطّط المذكور الذي كانت فصوله تنفّذ في ذات الوقت في أقطار عربية أخرى منها مصر وليبيا وسوريا.

ومن هذا المنطلق فقد كانت تصفية الجبهة الشّعبيّة على رأس المهام السياسية للثورة المضادة، باعتبارها، أي الجبهة، تمثّل المعارضة الرئيسيّة في البلاد ذات الفكر والبرنامج الواضحين وذات الإشعاع البارز والمتنامي والتي كانت تواجه حكم الترويكا بشكل واضح ومباشر وميداني. وفي هذا السّياق جاء اغتيال الشّهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي. وفي هذا السّياق أيضا جاء اغتيال الشّهيدين محمد بلمفتي بقفصة ومجدي العجلاني بالقصرين على أيدي قوّات الأمن. ولكنّ قوى الثّورة المضادّة التي امتدّت يدها أيضا إلى الاتحاد العام التونسي للشغل في أحداث 4 ديسمبر 2012، والإعلاميين والمثقّفين والمبدعين والحقوقيّين والنساء والشباب، في الجامعات خاصة، وحتى الليبراليين، اغتيال لطفي نقض من نداء تونس، وكذلك الحركات الاجتماعية المطالبة بالتنمية والشغل، أحداث سليانة، ومنزل بوزيان والقصرين الخ…، لم تكن تتوقّع ردة فعل القوى الحيّة في المجتمع التي تمكّنت من تعطيل مشروعها وإفشاله ولو جزئيّا. وقد كان للجبهة الشعبية دور بارز في كلّ حركات المقاومة التي عرفتها بلادنا طوال سنوات 2012 و2013 و2014 وفي النتائج الإيجابيّة التي أسفرت عنها هذه الحركات، وهو ما عزّز مكانتها وزاد في إشعاعها الذي أظهرته نسبيّا انتخابات 2014 التّشريعيّة والرّئاسيّة.

ولكن هل انتهت مؤامرات الثّورة المضادّة ضدّ الجبهة الشعبية بعد انتخابات 2014 وصعود تحالف حزبي النداء وحركة النهضة إلى السلطة؟ بالطبع لا. فقد استمرّت المؤامرات بألف شكل وشكل. أوّلا، من أجل طمس حقيقة اغتيال الشهيدين الحاج محمد البراهمي وشكري بلعيد وطيّ صفحته دون كشف من خطّط لذلك الاغتيال ومن أمر به ومن تستّر عليه لإخراج حركة النهضة، حليفة نداء تونس اليوم، من دائرة المحاسبة. وهو ما يعزّز القناعة بأنّ اغتيال الشهيدين الرمزين جريمة دولة. وثانيا، من أجل تحجيم دور الجبهة الشعبية وعزلها سياسيا لإخماد صوت قوي مناصر للشعب وقضاياه العادلة ومناهض للاستعمار والصهيونية والرجعية، واستكمال الشروط اللاّزمة للالتفاف نهائيا على الثورة التونسية والعودة بالبلاد إلى مربّع القمع والاستبداد لتسهيل تنفيذ مخطّطات النّهب والاستغلال المملاة من الخارج. وقد ظهر ذلك كلّه من خلال المحاصرة الإعلاميّة للجبهة وحملات التّشويه التي تستهدفها هي وقياداتها، وهي حملات لامست أحيانا التّحريض على هذه القيادات. كما ظهر من خلال تجريم مواقف الجبهة الشعبية من التحركات الاحتجاجية والاجتماعية وتخوينها. ولا يمكن فصل رفع الحماية عن الناطق الرسمي للجبهة الشعبية، رغم التهديدات التي يتعرّض إليها، عن هذا المسعى المحموم.

إنّ الجبهة الشعبية وهي تحيي الذكرى الرابعة لاستشهاد أحد مؤسّسيها وزعمائها البارزين، الحاج محمد البراهمي، مطالبة بأن تأخذ دائما بعين الاعتبار كلّ هذه المعطيات. ومن نافل القول إنّ مواجهة هذا الوضع مواجهة صحيحة وقوية تقتضي منها مواصلة رصّ صفوفها والتصدّي لكلّ المحاولات الهادفة إلى اختراقها أو تلهيتها بقضايا هامشيّة. كما أنها تقتضي منها أن تعمل كلّ ما في وسعها من أجل تقوية علاقاتها بالشّعب بتمثّل مطالبه ومطامحه وترجمتها إلى برامج والالتصاق به والانخراط في تحرّكاته ونضالاته لتحريره من هيمنة القوى الرجعيّة على وعيه.

لقد كان الحاج البراهمي، مثل شكري بلعيد، ذا نظرة عميقة وثاقبة، إذ كان يدعو دائما مناضلات الجبهة الشعبية ومناضليها إلى ترك المماحكات الفارغة والصراعات الدونكيشوتية والاهتمام بما ينفع العمال والكادحين وسائر قوى الشعب لتحويل الجبهة إلى قوة قائدة وقادرة على تغيير موازين القوى لصالح الثورة.

وأخيرا وليس آخرا فعلى الجبهة الشعبية ألاّ تنسى دم شهدائها وأن تستمر في معركة كشف الحقيقة، وهي معركة سياسية بامتياز لأنّ كشف حقيقة الاغتيالات يُسهم في تعرية قوى الثورة المضادة ومحاصرتها وعزلها. وكَوْنَ اغتيال الحاج البراهمي وشكري بلعيد هو جريمة دولة، فذلك يعني أنه ينبغي الاعتماد على تعبئة القوى الديمقراطية والشعبية من أجل الوصول إلى الحقيقة. ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال انتظار أيّة خطوة جدّيّة من الائتلاف الحاكم الحالي، فمصلحته في طمس الحقيقة وليس في إظهارها.  

المجد والخلود للحاج البراهمي في ذكرى استشهاده.

المجد والخلود لشكري وبلمفتي والعجلاني

المجد والخلود لكلّ شهداء تونس          

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

1 × أربعة =

إلى الأعلى