الرئيسية / صوت الوطن / قضيّة رياض الأطفال في ظلّ الأزمة: لا يجب تحميل هؤلاء وِزْر أزمةٍ لم يتسبّبوا فيها
قضيّة رياض الأطفال في ظلّ الأزمة: لا يجب تحميل هؤلاء وِزْر أزمةٍ لم يتسبّبوا فيها

قضيّة رياض الأطفال في ظلّ الأزمة: لا يجب تحميل هؤلاء وِزْر أزمةٍ لم يتسبّبوا فيها

مديحة جمال

عصفت جائحة كورونا بالعديد من القطاعات وكبّدتها خسائر ماليّة كبيرة كان نتيجتها خسارة مئات العمّال، إن لم نقل الآلاف، لوظائفهم وإفلاس الكثير من المؤسّسات خاصّة الصّغرى والمتوسّطة.

إجراءات لا تغني ولا تسمن من جوع

ومن بين القطاعات الّتي تضرّرت في تونس قطاع رياض الأطفال والّذي يضمّ 4484 روضة و373 محضنة و74 روضة بلدية و21 روضة تابعة للجيش الوطني و351 روضة تابعة للجمعيات بعدد أطفال مسجّلين يبلغ 116 ألف طفل ستضطرّ نسبة 80 بالمائة منها للغلق إذا لم توفّر الدولة صيغا مناسبة وإجراءات عاجلة لإنقاذها.

فرغم إعطاء وزارة المرأة إشارة انطلاق توزيع القسط الأوّل من “قرضٍ بمبلغ لا يتجاوز 5 آلاف دينار دون فوائد لصالح مؤسّسات الطّفولة بالقطاع الخاصّ يتمّ تسديدها على 24 شهرا من أجل دعمها والمحافظة على ديمومتها تبعا للظّروف الاستثنائيّة” حسب ما جاء في البلاغ الصّادر عنها، فإنّ الإجراءات التي اتّخذتها وزارة المرأة تبقى ناقصة وغير ناجعة لمعالجة أزمة القطاع الّذي اضطرّ إلى تعليق نشاطه والتّوقّف عن العمل جرّاء تفشّي فيروس كورونا، وبالتّالي توقّفه عن تحقيق المداخيل المتأتّيّة من الأقساط التي يدفعها الأولياء مقابل الخدمات الّتي يوفّرها.

إنّ المبلغ الذي أقرّته وزارة المرأة كدعم لرياض الأطفال لا يحلّ أزمتها، إذ لا يخفى عنّا ارتفاع معاليم الكراء وأجور العاملين وأقساط الضّمان الاجتماعي وتكلُفة التّعقيم والصّيانة، فهو إذا مبلغ غير كاف لتغطية كلّ تكاليف المؤسسات، ولا يعوّض الحدّ الأدنى من خسائرهم.

ومن ناحية أخرى فعلى الرّغم من اعتباره قرضا بلا فائدة فإنّه لن يمثّل سوى عبئا آخر لأصحاب المؤسّسات باعتبارها مؤسّسات صغرى ومتوسّطة تعاني أصلا من صعوبات مادّيّة وقروضا متخلّدة بالذّمّة سابقا، فهذا الإجراء لم يأخذ بعين الاعتبار وضعيّة المؤسّسات المادّية كلٌّ حسب خصوصيّتها، فمنها من لديه قرض متخلّد بالذّمة تحت باب إنشاء مشروع (رياض الأطفال الحديثة) ومنها من لديه قرض تحت باب تحسين مشروع والذي قد لا تكون الجهة المانحة للقرض في كلتا الحالتين البنك التّونسي للتّضامن، وبالتّالي هم غير منتفعين بإجراء إرجاء خلاص أقساط القروض المتعلّقة بأشهر مارس، أفريل، ماي، جوان، جويلية، أوت وسبتمبر 2020، والذي جعلته الوزارة، حسب بلاغها، حكرا على حرفاء البنك التونسي للتضامن فقط، وهو ما يجعل من مؤسّساتٍ كثيرة عُرضة للإفلاس وبالتّالي فقدان مواطن الشّغل التي توفّرها، والتّوقّف عن إسداء خدماتها التي يحتاجها المجتمع التّونسي خاصّة في الغياب شبه الكلّي لرياض الأطفال البلديّة (74 روضة بلديّة موزّعة على كامل تراب الجمهوريّة).

منظّمة مساواة تردّ على إجراءات الوزارة وتقدّم مقترحات

وكان لهذا الإجراء ردود فعل في صفوف بعض القوى المدنيّة، وخاصّة المنظمات والجمعيات النسائيّة. وفي هذا الإطار أصدرت منظّمة مساواة بيانا بتاريخ 9 ماي 2020 أرفقته برسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة ووزيرة المرأة والطّفولة وكبار السّنّ بتاريخ 11 ماي 2020 عبّرت فيهما عن تضامنها المبدئي والشّامل مع أصحاب مؤسّسات الأطفال والعاملين فيها مطالبة الحكومة ووزارة المرأة بجملة من الإجراءات لفائدة هذا القطاع الحسّاس والمهمّ حيث دعتهم بصفة استعجاليّة إلى مراجعة الإجراءات المحدودة التي اتّخذتها لفائدة أصحاب مؤسّسات الطفولة في القطاع الخاص باعتبارها مشاريع صغرى. كما طالبت الدّولة بالتّكفّل بسداد أجور العاملات والعاملين فيها (الذين سيجدون أنفسهم في حالة بطالة فنّية لمدّة لا تقلّ عن 6 أشهر وإلى غاية إعادة فتح مؤسّسات رياض الأطفال بعد التّأكّد من انتهاء الوباء نهائيا)، وهذا كي لا تضطرّ هذه المؤسسات إلى غلق أبوابها ولا يفقد العاملون فيها -ومعظهم من النساء-مورد رزقهم، فيتمّ ضمان حقّهم في الشغل مع توفّر ظروف العمل والصحّة والسلامة المهنية اللائقة.

من جهة أخرى أوردت المنظّمة في بيانها ورسالتها المفتوحة على ضرورة تحمّل الدّولة مسؤوليّتها في النّهوض بالقطاع ومزيد تنظيمه، وهو ما يحيلنا مباشرة إلى ملفٍّ لا يقلّ أهمّيّة عن الملفّ الاقتصادي لرياض الأطفال بل هو في صلبه، كما سنتبيّن ذلك لاحقا، وهو ملف رياض الأطفال العشوائيّة والرّوضات التّابعة للجمعيّات القرآنيّة من أجل تنظيم نشاطها ومراقبته وإدراجه تحت سلطة إشرافها حتّى نضمن سلامة أطفالنا من ناحية وحتّى لا تكون سوقا سوداء لتقديم مثل هذا النّوع الحسّاس من الخدمات والذي يضرب المصالح الماليّة أيضا لأصحاب المؤسّسات القانونيّة التي تحترم كرّاس الشّروط.

ما أكّدت عليه منظّمة مساواة في بيانها ورسالتها المفتوحة، وأيضا في حملتها المتواصلة من أجل إنهاء العنف المُسلّط على المرأة (ومن ضمنه حرمان المرأة العاملة من مورد رزقها، وهو عنف اقتصادي) هو لزاما على الدّولة أن تتحمّل مسؤوليّتها الاجتماعيّة وذلك بتوفير رياض الأطفال كخدمة عموميّة وإعادة تأهيل رياض الأطفال البلديّة بإتمام تهيئتها وتجهيزها في مرحلة أولى حتّى تقدّم خدمات راقية وبأسعار رمزيّة تتناسب ومداخيل العائلات التّونسيّة المفقّرة، وإحداث رياض بلديّة في كلّ الجهات، خاصّة المحرومة والمهمّشة، من أجل ضمان تكافئ الفرص وتحقيق المساواة الفعليّة في الحقّ التّعليم بالنّسبة لكلّ الأطفال.

إنّ الجائحة الوبائيّة التي عشناها، كما عاشتها أغلب المجتمعات اليوم، قد كشفت عن وجه آخر من وجوه الأزمة التي تمرّ بها البلاد، والتي تعمّقت في ظلّ هكذا أوضاع، وهو كون الأزمات تزيد إثقال كاهل فئات بعينها وطبقات بعينها، وأنّهم هم من يدفعون فاتورة أزمة لم يتسبّبوا فيها، في حين هناك فئات وطبقات أخرى، تجني الأرباح في أوقات الرّخاء كما في أوقات الأزمات والحروب والأوبئة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×