الرئيسية / صوت العالم / كيف تحوّلت الانتفاضة الفلاحيّة في الهند إلى حراك شعبي شامل؟
كيف تحوّلت الانتفاضة الفلاحيّة في الهند إلى حراك شعبي شامل؟

كيف تحوّلت الانتفاضة الفلاحيّة في الهند إلى حراك شعبي شامل؟

مرتضى العبيدي

في السادس والعشرين من ماي الجاري، احتفل الملايين من مزارعي الهند بمرور ستة أشهر على انطلاق حراكهم الذي لم تقدر على إيقافه لا الحملات القمعية ولا المناورات التي حاكتها حكومة الوزير الأول “ناريندرا مودي” ولا أتباع حزبه الفاشي “حزب بهاراتيا جاناتا” (حزب الشعب الهندي في مختلف المقاطعات الهندية.

وكانت احتجاجات المزارعين الهنود اندلعت في شهر نوفمبر 2020 إثر إقدام الحكومة على إصدار ثلاثة قوانين زراعية صادق عليها البرلمان الهندي في شهر سبتمبر 2020 واعتبرها المزارعون معادية لهم. إذ هي تنصّ على تحرير تسويق المنتجات الزراعية من خلال السماح للمنتجين بالبيع المباشر للشركات الخاصة.

وهو إجراء من شأنه أن يؤدي إلى التخلي عن السعر الأدنى المضمون الذي كانت تحدّده الحكومة. فاعتبرت نقابات المزارعين وجمعياتهم المهنية أنّ هذا القرار سيؤدي حتما إلى مزيد إفقار الفلاحين. ودعت إلى التعبئة العامة من أجل إسقاط هذه القوانين. واعتبرت النقابات أنّ الهدف من إصدار هذه القوانين هو تحرير القطاع الزراعي لصالح الشركات الخاصة، في حين تصرّ حكومة ناريندرا مودي على مزايا هذه القوانين وضرورتها، مُدّعية أنّ المزارعين الهنود سيكون لديهم حرية الاختيار لبيع منتجاتهم وأنّ المستثمرين سيكونون قادرين على الاستثمار بشكل أفضل، بينما ينظر إليها المزارعون على أنها ضوء أخضر لفتح الباب أمام التضخم المالي في القطاع الزراعي ولإشعال نار الأسعار في تكلفة الغذاء والإنتاج الزراعي عموما.

ويعتمد معارضو القانون على ما حدث في ولاية “بيهار” (شمال شرق الهند)، حيث أدّى إلغاء أسواق الجملة التي تشرف عليها الولاية سنة 2006، والتي تخطط الحكومة الفيدرالية لإلغائها جميعا، إلى انخفاض دخل المزارعين. وقد شهد هؤلاء تقلص هوامش أرباحهم وزيادة ديونهم في العقود الأخيرة، إذ تشير دراسة نشرتها جامعة البنجاب الزراعية في عام 2020 إلى أنّ فلاحي البنجاب مدينون بأربعة أضعاف دخلهم السنوي. كما أشارت الدراسة إلى أنه على مدى السنوات العشرين الماضية، انتحر 300 ألف فلاح في الهند. وكان العام 2018 شهد مظاهرات عارمة جمعت عشرات الآلاف من الفلاحين للتنديد، على وجه الخصوص، بالمعدلات العالية جدًا للمديونية وحالات الانتحار.

لذلك حالما صادق البرلمان الفيدرالي على القوانين الجديدة، شرعت النقابات في تنظيم احتجاجات محلية لا سيما في البنجاب. وبعد شهرين من الاحتجاجات، أطلقت نقابات المزارعين – في كل من “البنجاب” و”راجستان” و”هاريانا” – حركة سُمّيت “ديلهي تشالو” أي “لنتوجّه نحو دلهي”، حيث بدأ عشرات الآلاف من المزارعين في المسير نحو العاصمة الوطنية. فأمرت الحكومة الهندية الشرطة في ولايات مختلفة بمهاجمة المزارعين باستخدام خراطيم المياه والهراوات والغاز المسيل للدموع لمنعهم من الوصول إلى دلهي. وفي 26 نوفمبر، دعت النقابات إلى تنفيذ إضراب عام على مستوى البلاد شارك فيه حوالي 250 مليون شخص دعما لنقابات المزارعين، وهو ما يمكن اعتباره أكبر إضراب يتمّ تسجيله في العالم من حيث عدد المشاركين. وفي 30 نوفمبر، قدرت وكالات الأنباء أنّ قرابة 300 ألف مزارع باتوا على مشارف دلهي.

وشاركت أكثر من 50 نقابة للمزارعين في الاحتجاج، بينما كانت الحكومة الهندية تروّج أنّ بعض النقابات عبّرت عن تأييدها للقوانين الزراعية. فجاء أوّل تكذيب من نقابات النقل، التي تمثل أكثر من 14 مليون سائق شاحنة، التي عبّرت عن دعمها لنقابات المزارعين، وهدّدت بقطع حركة البضائع. وفي إطار المناورة، اقترحت الحكومة إجراء بعض التعديلات على القوانين الجديدة لكن النقابات تمسكت بإلغائها. وبعد فشل المفاوضات، اتخذت الحركة الاحتجاجية أشكالا تصعيدية منها سيطرة نقابات المزارعين على محطات الاستخلاص في الطرق السيارة بداية من 12 ديسمبر 2020، في ولاية “هاريانا” وفرضت حرية حركة العربات هناك. وفي منتصف ديسمبر، التجأت الحكومة إلى الجهاز القضائي، فتقدمت بسلسلة من الالتماسات المتعلقة برفع الحصار الذي فرضه المتظاهرون حول دلهي أمام المحكمة العليا في الهند. فقضت هذه الأخيرة بضرورة دفع المفاوضات مع الهيئات المختلفة لنقابات المزارعين المحتجين وطالبت الحكومة بوقف العمل مؤقتا بالقوانين المرفوضة شعبيا.

وسعى حزب الشعب الهندي الحاكم ووسائل الإعلام المحافظة المؤيدة له إلى تشويه حركة الفلاحين من خلال تصويرها على أنها تتلاعب بها قوى أجنبية منافسة للهند، مثل الصين وباكستان، وفي بعض الأحيان يتمّ وصفها بأنها “إرهابية” و”انفصالية”. وقد أطلق عليها بعض نواب الحزب الحاكم وصحفيّيه لقب “عصابة توكدي توكدي” أي “عصابة مهدّمي الوحدة الوطنية”.

وفي 8 جانفي 2021، أدى إضراب عام إلى شل البلاد، حيث وصل عدد المضربين كما في إضراب 26 نوفمبر إلى حوالي 250 مليون. وبعد مرور شهرين من الاحتجاج، علقت المحكمة العليا العمل بالقوانين المذكورة. إلاّ أنّ الحركة الفلاحية رفضت التفرّق، وواصلت المطالبة بالسحب التام للقوانين المعنية وهو ما ترفضه الحكومة.

وفي 26 جانفي، في نهاية يوم كبير من المظاهرات في العاصمة، قطعت السلطات الحوار مع النقابات العمالية، وقطعت الانترنت في دلهي وضواحيها وأطلقت سلسلة من التتبعات القضائية ضد القادة الرئيسيين للحركة الفلاحية، ولكن أيضًا ضد شخصيات معارضة كانت عبّرت عن مساندتها للحركة. ومن بين المنظمات التي استهدفها القمع حركة “الجمعة من أجل المستقبل” البيئية، التي تأسست كجزء من المسيرات المناخية الدولية، التي كانت دعت على الشبكات الاجتماعية إلى دعم مظاهرات الفلاحين. فاعتقلت الشرطة “ديشا رافي”(Disha Ravi)، الشخصية الرمزية للمجموعة، واتهمته بالمشاركة في “مؤامرة إجرامية” الهدف منها “شن حرب اقتصادية واجتماعية وثقافية في الهند”.

وفي شهر مارس، شرع المتظاهرون في إثارة عدة قضايا اجتماعية أخرى منها كلفة التعليم في إطار المجالس الشعبية (Mahapanchayats) التي تمّ تأسيسها خلال الحراك والتي تضمّ مواطني عدة بلديات، وهي شكل من أشكال الديمقراطية المباشرة والتي تم تعميمها في كامل أنحاء الهند.

وتشير الإحصائيات إلى أنه إلى حدود غرة فيفري 2021، قُتل حوالي 150 متظاهرا أثناء الاحتجاجات، كما توفي عشرات المزارعين بردا في المخيمات المؤقتة المقامة حول دلهي، ممّا ساهم في تسعير الحركة وامتدادها إلى كامل الجسم الاجتماعي، إذ تم تنظيم مظاهرة وطنية جديدة بتاريخ 21 مارس، مع مسيرة نحو دلهي.

ويندرج تنظيم “اليوم الأسود” يوم 26 ماي الجاري في إطار المحافظة على استمرارية الحراك حيث خرج ملايين الفلاحين في شتى أنحاء الهند للتظاهر في الشوارع رافعين لرايات سوداء، معبّرين عن عدم استسلامهم وعن رفضهم لكل مناورات السلطة. وهو حراك جدير بالمتابعة للتمعّن في آليات اشتغاله وفهم كيفية تحوّله من حركة فلاحية بحتة إلى حركة احتجاج عارم ضمّت فئات كبيرة ومتعدّدة من الشعب الهندي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×