علي البعزاوي 

الكثير من الأحزاب والشخصيات السياسية والجمعيات ترفع شعار مقاومة الفساد وتضعه ضمن برامجها وتعتمده في خطاباتها لأنّ الظاهرة استفحلت والمواطن التونسي بات شديد الحساسية ضد هذه الآفة المجتمعية. الفساد شكل من أشكال سرقة المال العام والنهب غير المشروع وهو أحد معيقات التنمية وعامل أساسي في ضرب الثقة بين الحكم والشعب.

حزب التيار الديمقراطي على سبيل الذكر لا الحصر بنى الجزء الأساسي من برنامجه على محاربة الفساد ونواب كتلته ما فتئوا يثيرون ملفات فساد حساسة رغم بعض التراجع عندما أصبح أمين عام الحزب عضوا في حكومة الفخفاخ ووصل الأمر إلى درجة الدفاع عن رئيس الحكومة في علاقة بشبهات الفساد وتضارب المصالح التي لاحقته.

يوسف الشاهد أيضا رفع لواء مقاومة الفساد عند ترؤّسه حكومة النداء/النهضة وأمر بإلقاء القبض على مجموعة من رجال الأعمال في مقدمتهم شفيق الجراية. لكن اتضح فيما بعد أنّ المسالة لا تعدو أن تكون تصفية حسابات داخل حزب النداء.

اليساريون رفعوا من جهتهم هذا الشعار. لكن لا يمكن الحكم لهم أو عليهم لأنهم لم يحكموا البلاد ولم يتسنّى للمواطن الوقوف على حقيقة تعاملهم مع هذه الآفة.

الرئيس قيس سعيد في صراعه مع حركة النهضة وأذيالها رفع أيضا شعار مقاومة الفساد وجعل منه منصّة لإطلاق صواريخه. وأعلن رفضه الحوار مع الفاسدين رغم أنه لم يحاور أحدا منذ تولّيه سدة الرئاسة. لكنه لم يفتح ملفات ولم يقدّم مبادرات لمكافحة هذه الظاهرة المستفحلة في أجهزة الدولة وفي المجتمع. بل أكثر من هذا أمر بغلق أبواب هيئة مكافحة الفساد وأحال موظفيها على البطالة القسرية.

اليوم ومن خلال تكليف السيدة بودن وزيرة أولى أكّد قيس سعيد أن برنامج حكومته/ها سيتضمن مهمة واضحة وجلية تتمثل في مكافحة الفساد. فإلى أيّ مدى سيمضي في هذه المهمة؟

أيّ أفق لمقاومة الفساد لدى حكومة الرّئيس
أصل الأشياء هو أنّ كل حكومة محمول عليها التصدي للفساد في الدولة والمجتمع ومعاقبة الفاسدين وفق قوانين واضحة. ومنطقيا ليس هناك حكومة مع الفساد وأخرى ضد الفساد. لكن في الممارسة هناك حكومات تغضّ الطرف عن الفساد وتتراخى في تطبيق القانون خاصة تجاه مسؤوليها وأتباعها وأخرى تطبّق القانون وتحاول بهذا القدر أو ذاك منع الفساد والتصدي لمقترفيه.

إنّ إعلان الرئيس قيس سعيد عن مكافحة الفساد كجزء من برنامج حكومته مسألة مبالغ فيها. هذا الإعلان مرتبط باستفحال ظاهرة الفساد في الدولة إلى درجة أنها أصبحت حساسة للغاية وينبغي استثمارها سياسيا. ويندرج الإعلان – وهذا الأساس – في إطار محاولة الظهور بمظهر المختلف القاطع مع “السيستام” في محاربته للفساد. إنّ ربط تشكيل الحكومة الجديدة بمكافحة الفساد واعتبار ذلك جزء من برنامجها يندرج في إطار المزايدة السياسية التي تعتمدها الشعبوية للتغطية على حقيقة خياراتها الطبقية.

إنّ مكافحة الفساد إذا أريد لها النجاح تتطلب تخصيص هيئة مستقلة للغرض بصلاحيات واسعة منها الحق في التحري والتقصي والاستنجاد بالأشخاص بكامل الحرية دون تعرض هؤلاء للمساءلة القانونية وجمع المعلومات (حق النفاذ إلى المعلومة) وتقديم ملفات للقضاء مع حق التصرف كنيابة عمومية. أي متابعة ملفات الفساد والحرص على تطبيق القانون والطعن في الأحكام الصادرة (صورة شبيهة بمهام محكمة المحاسبات). هذه الهيئة لابد أن تعمل باستقلالية عن السلطة التنفيذية ويمكن لأعوان الدولة أن يكونوا بدورهم محل تتبع في ملفات فساد من قبل هذه الهيئة المستقلة التي تضبط أعمالها واختصاصاتها بقانون وتوفر لها الدولة الأموال الضرورية في إطار الميزانية العامة.

هل يمكن لقيس سعيد الذي سمح لنفسه باحتكار كل السلطات أن يفكّر مجرد التفكير في هكذا هيئة مستقلة وبهذه المواصفات من أجل القضاء على الفساد؟ منطقيا الجواب يكون بالنفي لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

القضاء على الفساد مرتبط بالخيارات
لقد أكدت التجربة العملية أنّ أنظمة الحكم الاستغلالية وخاصة في الدول التابعة مثل تونس لا يمكن أن تذهب بعيدا في مكافحة الفساد. فكلّ حزب حاكم له أنصاره ومؤسسات اقتصادية داعمة له. ولأجل الاستمرار في الحكم يضطرّ هذا الحزب عبر الحكومة والبرلمان إلى دعم هذه المؤسسات وتمكينها من امتيازات والسكوت عن تجاوزاتها. بل يعمل على سنّ قوانين تمييزية لصالح هذه المؤسسات التي تلعب دور الداعم والمموّل لحملات الحزب الانتخابية فيما يطلق عليه بالزبائنية. إنّ هذا السلوك مألوف في الأنظمة الاستغلالية بما في ذلك أعتى الديمقراطيات الليبرالية.

إنّ القضاء على الفساد له بعد طبقي وهو مرتبط بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية. فعندما تكون هذه الأخيرة خادمة للأغلبية الشعبية وقادرة على توفير العدالة بين الجهات والفئات والخدمات الأساسية الراقية والمجانية لعموم المواطنين وعلى مقاومة الاستغلال والتعامل مع موظفي الدولة مثلهم مثل باقي العمال والموظفين من حيث الأجور والخدمات من خلال تطبيق صارم للضريبة التصاعدية على الدخل. عندها وعندها فقط يغيب الاستغلال والتمايز الطبقي واللامساواة وتنتفي بالتالي أسباب الفساد وشروط وجوده المادية ويضمحل كظاهرة وكممارسة داخل المجتمع.

إنّ دور المجتمع المدني التقدمي هو التأسيس والدعاية لهذه الثقافة الجديدة المكرسة للمساواة بين البشر والتعاون والتآزر في ظل دولة مواطنين حقيقية. والمرور إلى هذه الحالة يشترط حتما القضاء على أنظمة التبعية والاستغلال والفساد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

واحد + 7 =

إلى الأعلى