الرئيسية / صوت الوطن / الشعبوية في تونس، موجة عابرة في المسار الثوري أم طور جديد من هيمنة الائتلاف الطبقي الحاكم؟
الشعبوية في تونس، موجة عابرة في المسار الثوري أم طور جديد من هيمنة الائتلاف الطبقي الحاكم؟

الشعبوية في تونس، موجة عابرة في المسار الثوري أم طور جديد من هيمنة الائتلاف الطبقي الحاكم؟

حبيب الزموري

خطاب عاطفي يخترق مباشرة أفئدة الجماهير المثقلة بالانتظارات والاحباط والخوف من المستقبل. إعلان الحرب على الكل باسم الشعب دون خوض معركة حقيقية واحدة. طمس كل الأبعاد الفكرية والإيديولوجية والطبقية للصراع السياسي وتحويله إلى صراع بين معسكر “الأخيار” بقيادة الزعيم “المرسل” المكلف بمهمة تاريخية الحامل لرسالة مجهولة المصدر، ومعسكر “الخونة” و”الأشرار” أعداء الشعب، اختلاق المخاطر والتهديدات المحدقة بالشعب والوطن وتضخيمها وتأليب الرأي العام لمواجهتها وتصفيتها دون الإفصاح عن ماهية تلك المخاطر والتهديدات وعناوينها وكيفية التصدي لها والاكتفاء بإبقائها جاثمة على وعي الجماهير مسلطة عليه لتتشبث أكثر بتلابيب الزعيم الملهم…

هذه بعض ملامح الأمر الواقع الذي ما انفكت تكرسه الشعبوية ببلادنا مثلكا كرسته عبر التاريخ في أكثر من بلد مستغلة كأفضل ما يكون الاستغلال حالة اليأس والإحباط التي ضربت الجماهير التي تعرضت لشتى أصناف الهرسلة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية طيلة عقود وأصيبت بخيبة أمل عظمى بعد الثورة جراء السياسات التي خانت تطلعاتها وانتظاراتها التي أعلنت عنها في فاتحة المسار الثوري سنة 2010 – 2011. لقد قال حكماء العرب قديما “تكلم حتى أراك”. وقد تكلم قيس سعيد بما يكفي كي نراه.

الشعبوية ” الإبن الضال ” للمنظومة
لا يختلف تعامل الشعبوية مع المنظومة المتحكمة في أجهزة الحكم في بلادنا، على مستوى الشكل، عن تعامل القوى السياسية التي صعدت للحكم بعد 2011، حيث حرصت القوى السياسية التي وضعت يدها على أجهزة الحكم منذ سنة 2011 وفي مقدمتها حركة النهضة على تسييج النظام السياسي الجديدة بالقوانين والمؤسسات والهياكل الكفيلة بتحقيق استمراريته واستمراريتها في الحكم. ومارست في هذا السياق كافة أصناف الانحراف والتحيل والالتفاف حتى على القوانين والتعهدات التي التزمت بها انطلاقا من الالتفاف على مدة المجلس التأسيسي وصولا إلى التحالفات الانتخابية والسياسية مرورا بالانحراف الأكبر على أهداف ومهام الثالثور
أما الشعبوية المفتقرة لتلك الآليات والهياكل والمؤسسات فإنّها غير قادرة على اعتماد ذلك “الأسلوب الناعم” في السيطرة على أجهزة الحكم. وهو ما يفسر حرصها على تعفين الأجواء وتعميق الأزمة وإذكاء نار النقمة والغضب ضد شركائها في المنظومة. بل ضد من كان سببا رئيسيا في صعود رأس حربة التيار الشعبوي في تونس إلى سدة الحكم خلال الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. لقد صعد قيس سعيد إلى الرئاسة بقوانينهم الانتخابية وبدستورهم وبأصواتهم ودعمهم السياسي واللوجستي. وهو نفس السلوك الذي انتهجه منذ سقوط النظام النوفمبري، حيث قفز من قطار النظام القديم متأخرا جدا وبحث عن مكان في العربة الأخيرة من قطار الثورة دون تذكرة وانطلق في إطلاق قذائفه على الجميع دون استثناء منذ سنة 2013 ويرسم ملامح سيرة رجل ضد “السيستام” وهو القادم من فلك “السيستام النوفمبري”.

فمن حيث الشكل لم يكن صراع قيس سعيد وتياره الشعبوي ضد شركائه في المنظومة سوى صراعا على المواقع في أجهزة الحكم من أجل السيطرة . ولم يكن صراعا سياسيا يرتكز على تناقضات اقتصادية واجتماعية وثقافية. فها هو رئيس الجمهورية الذي لطاما برّر عجزه عن التدخل للحد من الأزمة التي تعصف بالبلاد بمحدودية صلاحياته، قد جمع في يده جميع الصلاحيات منذ قرابة ثلاثة أشهر دون أن يقوم بخطوة عملية واحدة في اتجاه تفكيك منظومة الفساد والإرهاب الذي ينخر البلاد. بل واصل إطلاق صواريخه الوهمية التي لم تستهدف أي وكر من أوكار الإفساد بل استهدفت مباشرة مراكز السلطة للاستحواذ عليها في إطار مواصلة حرب المواقع.

الجوهر الطبقي للمشروع الشعبوي في تونس
ينام رئيس الجمهورية وهو يدق طبول الحرب على الفساد ويصحو وهو يهدد بإطلاق منصات الصواريخ القانونية على أوكار الفساد. وننام نحن ونصحوا على مزيد التهاب الأسعار وتواصل تدهور الخدمات الأساسية الصحية والتعليمية… فإما أن يكون دق الطبول للرقص والالهاء فحسب أو أنّ الرئيس لا يملك لا الرؤية ولا الخطط لمحاربة الفساد كي نتجنب الحديث عن النوايا، وهو ما تعكسه خطاباته المتواترة التي يتجنب فيها الغوص عميقا في تفكيك منظومة الفساد وتعريفها والاقتصار على الشعارات الفضفاضة والجمل الدعائية البراقة وحتى بعض الخطوات الإجرائية والعملية النادرة التي وردت على لسانه من قبيل تسوية ملفات الفساد المتعلقة بعدد من رجال الأعمال بتكليفهم بالاستثمار في المعتمديات الأشد فقرا في البلاد قد كشف بعض أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد إفلاسها قبل ولادتها نظرا لنجاح أغلب رجال الأعمال المعنيين من تسوية ملفاتهم سواء عبر صفقات مشبوهة مع الأحزاب الحاكمة وتحديدا النهضة والنداء أو عبر الهيئة. ولكن ما يعنينا فعلا هو المنطق الذي يقود رئيس الجمهورية في حربه المزعومة ضد الفساد والذي لا يختلف بتاتا عن المنطق الذي قاد النهضة والنداء عند تمرير ما يسمى “بقانون المصالحة” والذي يهدف إلى تبييض وإعادة تأهيل علاقات الإنتاج القائمة على الريع والاستغلال والاحتكار التي أضرّت حتى بقوانين ومبادئ بنمط الإنتاج الذي تدّعي الدفاع عنه. لقد تجنب قيس سعيد سواء قبل صعوده إلى سدة الرئاسة أو بعدها التطرق إلى نمط الإنتاج الرأسمالي التابع في بلادنا الذي أصبح قسم كبير منه تحت سيطرة المافيات والعائلات المتنفذة وحتى عند استقباله لرؤساء الهياكل الممثلة للكومبرادور حرص على بعث رسائل الطمأنة لأصحاب رأس المال مع بعض الشقشقات اللغوية حول ضرورة التخفيض في الأسعار الموجهة للتسويق الدعائي أكثر منها إلى الممارسة الفعلية وهو ما يجسده لهيب الأسعار على أرض الواقع بفعل تواصل نشاط العصابات والمافيات المسيطرة على مسالك التوزيع واحتكار العائلات لبعض فروع الإنتاج. لقد جعل قيس سعيد من معاناة التونسيات والتونسيين اليومية حطبا لحملته الدعائية والتفسيرية في حين تواصل طبقة الكمبرادور غرس أنيابها في لحم الشعب التونسي ومقدرات البلاد بل لعلها تتابع في سخرية تصريحات “السيد الرئيس” وزياراته إلى مخازن البطاطا والحديد وصواريخه الوهمية الموجهة للاشيء.

لا يستهدف قيس سعيد علاقات الإنتاج السائدة المتعلقة بتنظيم الإنتاج ولا نية له لتغيير المنوال التنموي والسياسات الاجتماعية والاقتصادية في تونس بقدر ما يستهدف شكل السلطة فقط لا غير مع المحافظة على جوهرها الطبقي وقاعدتها الاقتصادية والاجتماعية ولن تتردد طبقة الكمبرادور لحظة واحدة في تغيير ولائها لقيس سعيد وهي التي ما انفكت منذ 2011 عن تعبيرتها السياسية النهائية القادرة على تحقيق الاستقرار وغلق قوس الثورة نهائيا وإعادة الجماهير الكادحة المحتجة إلى بيت الطاعة.

الشعبوية موجة عابرة في المسار الثوري
مهما كانت قدرة قيس سعيد على الاستيلاء على أجهزة الحكم ووضعها تحت نفوذه المباشر فإنّ سقوط مشروعه الشعبوي مسألة وقت فحسب بالنظر إلى خوائه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. لكن طول أو قصر هذا الطور الجديد الذي دخلت فيه بلادنا رهين مدى جاهزية القوى السياسية والمدنية والنقابية والثقافية… في بلادنا للتصدي لهذا المشروع الشعبوي ومقاومته وطرح البديل الوطني والديموقراطي والشعبي الحقيقي الكفيل بوضع حد لحالة العطالة التاريخية التي أصابت المسار الثوري في تونس وجعلت من انتفاضات الشعب التونسي وثوراته وليمة للقوى الرجعية. إنّ المحرار الحقيقي لأيّ مشروع سياسي هو ما يفرزه وما يحققه على أرض الواقع لصالح أغلبية الشعب وليس كل الشعب كما يحرص قيس سعيد على تسويقه لطمس التناقضات التي تشق المجتمع التونسي بتصوير الشعب ككتلة موحدة هلامية نصب نفسه ناطقا أوحد باسمها ولسان حاله يقول “أنا الشعب والشعب أنا ” وما الدولة سوى تعبير عن إرادة الشعب التي يعبّر عنها بدورها قيس سعيد لينتفي وجود الدولة خارج شخص رئيس الجمهورية وينتفي وجود الشعب خارج أنصاره، ويقوم قيس سعيد وميليشياته الدعائية باستغلال الفظائع المقترفة في حق الشعب والبلاد على يد النهضة وحلفائها المتعاقبين طيلة عشر سنوات لحشر كل المعارضين لمشروعه الشعبوي في زاوية واحدة، زاوية “الخونة ّ” و”الحشرات” و”الميكروبات” بمن فيهم من واجه قوى الظلام والإرهاب بصدر عار حين كان “سيادته” منشغلا بتقديم المحاضرات والانتقال من وسيلة إعلام إلى أخرى لمهاجمة الجميع وترذيل الجميع خدمة لمشروعه القادم.

لا خيار أمام القوى الثورية والتقدمية والديموقراطية اليوم مهما كانت أشكال تنظمها سوى المقاومة مهما كانت موازين القوى مختلة لفائدة الشعبوية والتصدي لعمليات قصف ما راكمه الشعب التونسي من تقاليد نضالية خلال العشرية المنقضية بمعزل عن السياسات المعادية له التي مارستها حكومات الالتفاف على الثورة المتعاقبة، سنوات عصيبة تنتظرنا وتستوجب منا إرادة فولاذية للصمود. لقد تكلم قيس سعيد بما يكفي لنراه ونعي خطورة مشروعه. فلتعلو أصواتنا بما يكفي لفضح هذا المشروع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

18 + 12 =

إلى الأعلى