الرئيسية / صوت العالم / المتاجرة بالقضية الفلسطينية جزء لا يتجزّأ من المتاجرة بمطالب الثّورة التّونسيّة
المتاجرة بالقضية الفلسطينية جزء لا يتجزّأ من المتاجرة بمطالب الثّورة التّونسيّة

المتاجرة بالقضية الفلسطينية جزء لا يتجزّأ من المتاجرة بمطالب الثّورة التّونسيّة

حبيب الزموري

لقد تعامل النظام النوفمبري في تونس مع القضية الفلسطينية كمنصة للخطابات السهلة والمائعة والمواقف المعلبة المعدة للتسويق الدعائي وتلميع صورته. أما على مستوى الممارسة السياسية فقد جعل بن علي من تونس منصة لإطلاق مسار تصفية القضية الفلسطينية والزج بها في نفق المفاوضات والاتفاقيات التي فككت الحق الفلسطيني والأرض الفلسطينية. كما كان النظام النوفمبري من أوائل الأنظمة العربية المطبّعة مع الكيان الصهيوني مباشرة بعد إمضاء اتفاقية أوسلو سنة 1993 بفتح مكتب اتصال بين البلدين وفي الحقيقة فإنّ الائتلاف الطبقي الحاكم في تونس منذ سنة 1956 قد دشن علاقته بالكيان الصهيوني قبل حتى أن يتسلم الحكم من الاستعمار الفرنسي حيث يشير مركز البحوث “الإسرائيلي” Rubin center for recherch in international affairs في تقرير صادر في جوان سنة 2000 بعنوان “إسرائيل والمغرب العربي في أوج الصراع العربي الإسرائيلي 1950 – 1970” إلى لقاء وفد تونسي بقيادة الباهي الأدغم بمقر منظمة الأمم المتحدة بالوفد الصهيوني بقيادة رفائيل بن جدعون سنة 1952 وقد حاول الباهي الأدغم إقناع الديبلوماسي الصهيوني بأنّ الدولة المستقلة القادمة في تونس لا تكنّ العداء “لإسرائيل” ولن تنخرط في أي عمل عدائي ضدها. ولم تنقطع الاتصالات بين الطرفين حيث انعقد لقاء ثان بباريس في فيفري 1956 بين الحبيب بورقيبة وسفير الكيان الصهيوني بفرنسا يعقوب تسور، أكد فيه زعيم الحزب الدستوري على مناهضته للخطاب الناصري المعادي لإسرائيل وللصهيونية. فهل تغيرت هذه المواقف المخزية بعد ثورة 2010 – 2011 بتونس؟ لا سيما أنّ الجماهير الثائرة قد أعادت إنتاج الشعار الذي هز العالم “الشعب يريد إسقاط النظام” أسابيع قليلة بعد سقوط رأس النظام النوفمبري وأهدته للقضية الفلسطينية ليصبح “الشعب يريد تحرير فلسطين” لتصبح فلسطين جزءا لا يتجزأ من استحقاقات الثورة التونسية.

كان الموقف من القضية الفلسطينية وتحديدا تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني في الدستور الجديد واجهة من واجهات الصراع بين القوى الثورية والقوى التي ركبت الموجة الثورية للانقضاض على الحكم والالتفاف على مسار الثورة ومطالبها وقيادتها إلى متاهات ظلامية ورجعية. والكل يتذكر صفاقة النائب النهضاوي الصحبي عتيق في حوار على قناة حنبعل في شهر أكتوبر 2012 عندما حاول تبرير معارضة حركته لإدراج مبدأ تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني في الدستور الجديد بتصريحه أنهم عارضوا هذا التمشي بناء على نصيحة قيادات في حركة حماس وذكر بالاسم إسماعيل هنية وخالد مشعل وقد سارعت قيادة حماس بتكذيب تصريحات الصحبي عتيق الذي لم يجد مفرا من الاعتراف بكذبه وتغليفه بلغة خشبية في تصريح أصدره في أواخر شهر أكتوبر من نفس السنة معتبرا أنّ تصريحاته كانت عبارة عن “استنتاجات خاطئة”.

كما قام رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي خلال زيارته للعاصمة الأمريكية واشنطن في ديسمبر 2011 بزيارة “معهد سياسات الشرق الأدنى الذي يعتبر المعقل الفكري و الإيديولوجي للمحافظين الجدد وغلاة المتعصبين للحركة الصهيونية. وكشف الباحث في المعهد مارتن كريمر أن الغنوشي عقد معهم جلسة مغلقة اشترط فيها عدم التسجيل تنصل فيها من مواقفه السابقة الداعمة لحماس في غزة وطالبان في أفغانستان. وكشفت مجلة “ويكي ستاندارد” التابعة للمحافظين الجدد أن الغنوشي قدم تعهدات خلال جلسته مع باحثي المعهد بأن الدستور التونسي القادم “لن يتضمن إشارات معادية لإسرائيل أو الصهيونية”.

كما سجل راشد الغنوشي حضوره في منتدى دافوس سنة 2012 ولم يكن الممثل الوحيد للإسلام السياسي في المنطقة حيث كان إلى جانبه عبد الإلاه بن كيران رئيس الوزراء المغربي وأحد رموز حزب العدالة والتنمية المغربي وقام الإثنان بالإدلاء بتصريح على هامش المنتدى لإذاعة صوت إسرائيل واعتبر الغنوشي “أنّ مستقبل علاقات بلاده مع إسرائيل يحكمه التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية” إنه نفس المنطق السياسي الذي قاد بن علي سنة 1994 للاعتراف بالكيان الصهيوني وفتح مكتب اتصال تونسي بتل أبيب تولى رئاسته خميس الجهيناوي بين سنتي 1996 و1998 وهو نفس الشخص الذي ستزكيه حركة النهضة وحليفها نداء تونس لتولي وزارة الشؤون الخارجية في جانفي 2016 في رسالة مضمونة الوصول للدوائر الإمبريالية والصهيونية في العالم لا تتطلب مجهودا كبيرا لفك شيفرتها.

ويحرص قادة حركة النهضة سنويا على الحج إلى الغريبة وضمان تواصل الرحلات الجوية المباشرة من تل أبيب إلى جربة إضافة إلى تعيينهم لأحد رموز التطبيع السياحي والاقتصادي في تونس وزيرا للسياحة، وكأن تجارتهم بالمشاعر والمعتقدات الدينية عابرة للأديان ولا تقتصر على دين دون آخر.

مثلما أكدنا في مقالات سابقة على أنّ الثورة التونسية لن تحقق أهدافها ولن تستكمل مهامها ما لم تتغير القاعدة الاجتماعية للنظام الحاكم في البلاد. وتعتبر حركة النهضة بحكم تواجدها في جهاز الحكم منذ سنة 2011 الوريث الأبرز لأجهزة الحكم النوفمبري والمحافظة على طبيعته الوظيفية في حماية مصالح طبقة الكومبرادور وترجمة تلك المصالح على مستوى الممارسة السياسية في الداخل والخارج وليس أدل على ذلك تواطؤ الحكام الجدد في حماية مسار التطبيع التجاري حيث سجلت صادرات الكيان الصهيوني إلى تونس ارتفاعا كبيرا مقرنة حتى بقيمتها إبان عهد بن علي من 2,2 مليون دولار سنة 2007 إلى 15 مليون دولار سنة 2012 حسب إحصائيات المنظمة العالمية للتجارة دون أن نجد أثرا لهذه الإحصائيات في الوثائق الصادرة عن الوزارات والمؤسسات الرسمية ذات العلاقة كوزارة التجارة ووزارة المالية…

واعتلت الشعبوية في تونس بدورها منصة القضية الفلسطينية لإلقاء المواقف والخطب السهلة المنفصلة تماما عن الممارسة على أرض الواقع. وليس أدلّ على ذلك من بناء قيس سعيد لسيرته الانتخابية بذلك الموقف الاستعراضي على شاشات “الشو” السياسي حين اعتبر التطبيع خيانة عظمى وكرّر هذه العبارة بتلك الطريقة المفخمة للتهرب في الحقيقة من الالتزام بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني بنص قانوني واضح ودقيق. وبالفعل أكدت مواقف قيس سعيد وممارسته للسلطة منذ صعوده إلى سدة الرئاسة سنة 2019 موقفه الانتهازي من القضية الفلسطينية ومن قضية التطبيع مع العدو الصهيوني تحديدا وهو الذي لم يحرك ساكنا أمام كافة أشكال التطبيع التجاري والثقافي والأكاديمي والرياضي التي جدت في عهده.

إنّ الائتلاف الطبقي الحاكم في تونس مهما كانت تعبيرته السياسية متورط في مسار التطبيع المعلن وغير المعلن وتعامله الانتهازي مع القضية الفلسطينية لم يتغير قبل الثورة أو بعدها بما أنّ جوهره الطبقي لم يتغير، حيث واصل التخندق في صف القوى الإقليمية والدولية المتآمرة على الحق الفلسطيني والاصطفاف إلى جانب المنظمات الفلسطينية التي تورطت في تصفية القضية. فخيار المفاوضات غير المتكافئة والتفويت في حق العودة وفي أراضي 1948 ليس حتمية تاريخية كما تحاول القوى الرجعية الفلسطينية والعربية أن تسوّق لشعوبها فخيارات المقاومة والنضال من أجل تحرير فلسطين كل فلسطين تحت راية الدولة الديموقراطية والوطنية والشعبية والعلمانية أرحب بكثير.

ختاما لا نملك إلا السير على نهج قادة الثورة الفلسطينية الذين تمسكوا بخيار المقاومة ورفضوا الانصياع لإملاءات اتفاقيات أوسلو ورعاة الإرهاب الصهيوني في العالم وفي المنطقة العربية، وفي مقدمة هؤلاء القادة الرفيق جورج حبش الذي اعتبر أنّ أفضل خدمة يمكن أن تقدمها الشعوب العربية للقضية الفلسطينية هي مواصلة نضالها السياسي إلى حين إسقاط أنظمتها الرجعية التي اقترفت وما تزال أفظع الخيانات في حق القضية الفلسطينية لكي تتمكن الثورة الفلسطينية من فك الحصار المضروب عليها واستئناف مسيرتها المظفرة في سياق ثوري وتحرري أشمل هو سياق تحرر الشعوب العربية من أنظمة الوكالة الإمبريالية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

18 + خمسة =

إلى الأعلى