الرئيسية / صوت الجهات / الثابت والمتغيّر في خط سير الرئيس
الثابت والمتغيّر في خط سير الرئيس

الثابت والمتغيّر في خط سير الرئيس

علي البعزاوي

منذ قدومه لقصر قرطاج واعتلائه سدة الرئاسة اعتبر حزب العمال الرئيس قيس سعيد جزءا لا يتجزا من منظومة العمالة والاستغلال رغم انه جاء من ” خارج السيستام ” وذلك بالنظر إلى الفكر المحافظ الذي يحمله ومختلف المواقف التي عبّر عنها سواء خلال حملته الانتخابية أو في مناسبات أخرى أو من خلال سلوكه السياسي، حيث لم يقدّم مشاريع قوانين أو مقترحات من شأنها تأكيد تباينه مع المنظومة.
الرجل ظل منسجما مع السائد ولم تصدر عنه احترازات أو مواقف معارضة قبل الدخول في معركة الصلاحيات ضد الغنوشي الذي كان يستغلّ موقعه كرئيس للبرلمان ليحتكر اللقاءات مع ممثلي ووفود الدول الأجنبية والتصرف كرئيس دولة.
لذا لم نتفاجأ ولم نهتز لما حصل يوم 25 جويلية ولم نضيّع البوصلة وعبّرنا عن الموقف المناسب من زاوية الهدف الذي نعمل من أجله خدمة لمصلحة الأغلبية الشعبية التي تنتظر تغييرات جوهرية من شأنها معالجة أوضاعها المتردية على كل المستويات والتي لا يمكن أن تتحقق في ظل المنظومة الحالية أو بالتنسيق مع أحد مكوناتها بما في ذلك الرئيس قيس سعيد.
تؤكد الإجراءات والمراسيم التي أصدرها الرئيس والحكومة التي شكّلها والخيارات التي انتهجتها الى حد الآن والتي تجسّمت عمليا من خلال قانون مالية لا يختلف في الجوهر عن الذي أقرّته الحكومات السابقة، تؤكد لكل متابع نزيه أنّ الخيارات هي نفسها وأنّ الشعبوية منحازة بالكامل لمصالح الكمبرادور وخادمة لكبرى المؤسسات والشركات والدول الاستعمارية مثلها مثل سائر الأطراف الليبرالية التي حكمت البلاد إلى جانب حركة النهضة الإخوانية. لقد غابت المراسيم والإجراءات والقرارات التي تقطع مع التبعية ومع الاستغلال. بل ما نلمسه هو استمرار الهيمنة الاستعمارية الجديدة على تونس رغم الشعارات المطلقة ردا على محاولات التدخل في الصراع الداخلي وكذلك استمرار الاستغلال وترييش المواطن واستشراء الفقر وتنامي معدلات البطالة وتواصل الهجرة السرية التي تكثفت في الأشهر الأخيرة تعبيرا من الشباب عن الياس من أيّ حلول ممكنة في الداخل.

الرئيس يعتمد الغموض للمغالطة وربح الوقت
لقد أعلن الرئيس منذ 25 جويلية أنه يحترم الدستور ويجتهد في إطاره وأنه اتخذ إجراءات استثنائية لا تمسّ من الحقوق والحريات المضمّنة في البابين الأول والثاني. لكنه عمليا استعاض عنه بالإجراءات الاستثنائية والمراسيم غير القابلة للطعن. كما صدرت أحكام قضائية بشأن مدوّنين وشخصيات عبّرت عن مواقف مختلفة أو ناقدة للرئيس للتأكيد على أنه ليس ثمة احترام للحقوق والحريات مثلما ادّعى الرئيس الذي أعلن عن تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد بديل عن دستور 2014 رغم أنّ الرئيس هو نتاج لهذا الدستور ذاته.
الرئيس أكد منذ 25 جويلية أنّ الإجراءات الاستثنائية ستأخذ مدة الشهر لكنه مدّد فيها مرة أولى دون تحديد سقف زمني لإنهائها قبل أن يتخذ قرارا ثالثا في 13 ديسمبر الجاري بإطالة أمدها لمدة سنة ونصف حتى يُعدّ نفسه جيدا للمحطات السياسية القادمة. أي أنّ الإجراءات الاستثنائية لا علاقة لها بحقيقة أوضاع البلاد بقدر ما جاءت لتمكين الرئيس من التهيؤ جيدا لإنفاذ مشروعه الشخصي الذي حاول توضيحه خلال الحملة الانتخابية وتداول بشأنه المفسرون مؤخرا. فالبلاد تمرّ بأزمة اقتصادية ومالية خانقة وشبح الإفلاس يهدّدها ومنسوب البطالة والفقر في ارتفاع مطّرد والقدرة الشرائية تتدهور باستمرار والمؤسسات تغلق أبوابها الواحدة تلو الأخرى والفلاحون يعيشون أوضاعا كارثية…. لكنّ هذه الأوضاع رغم خطورتها لم تحظ بالأولوية التي اقتصرت على ما هو سياسي (الدستور- النظام السياسي- القانون الانتخابي…). وحتى مقاومة الفساد التي أطلقها الرئيس كأحد أهداف حكومته عند الإعلان عن تشكيلتها فظلت مجرد شعارات للمغالطة والتعبئة لا أكثر.

الرئيس يخطّط لتكريس مشروعه الخاص ولكن
“البناء القاعدي” كشكل لتنظيم الشأن العام والاستحواذ على كل السلطات من خلال نظام رئاسوي والقضاء على مختلف الوسائط الاجتماعية من أحزاب ومنظمات ووسائل إعلام هي الهدف الأساسي من الإجراءات الاستثنائية التي اتّخذها الرئيس. كل الخطى تصب في خدمة هذه الأهداف: بناء قاعدي شكلي يتوّج بمجالس شعبية بلا صلاحيات ورئيس واحد أوحد يهيمن على كل السلطات وأحزاب ومنظمات مهمشة ومقيّدة في انتظار اضمحلالها وبرلمان صوري على شاكلة برلمانات بن علي… هذا هو المسعى الحقيقي الذي يعمل على تكريسه قيس سعيد.
لكنّ الضغوطات الداخلية والخارجية التي أربكت الرجل في عديد المناسبات جعلته يعدّل الخطى أحيانا ويتراجع عن بعض القرارات ليس بالتخلي عنها نهائيا لكن بتأجيلها إلى حين توفر الشروط المناسبة لتمريرها. وأولى المهمات المؤجلة هي البناء القاعدي الذي سيحاول الرئيس تمريره من خلال الدستور والقانون الانتخابي الجديدين. أما بصورة مباشرة فقد خيّر عدم التداول بشأن هذا الموضوع تجنّبا لردود الفعل والمواقف الرافضة.
ثاني المهمات المؤجلة هي الإفصاح عن جوهر نظام الحكم الدكتاتوري الجديد مراعاة لحالة موازين القوى ومن أجل سحب البساط مؤقتا من تحت إقدام مختلف الطيف المعارض الحزبي والجمعياتي.
إنّ الشعارات المرفوعة والوعود هي الالتزام بالحقوق والحريات لكن ما يحصل على الأرض هو الاعتداء عليها أمنيا وقضائيا مع توخّي الحذر طبعا تجنبا لردود الأفعال داخليا وخارجيا.
ثالث المهمات المؤجلة هي الإلغاء الواضح للأحزاب والمنظمات ومختلف الوسائط الاجتماعية.
الرئيس يكتفي حاليا برفض التعاطي مع الإعلام والتشاور أو الحوار مع الأحزاب بما في ذلك التي تتبنى مشروعه وتدافع عنه بتعلة الحسابات والأطماع التي تحركها فهي في عمومها انتهازية وتدافع عن مصالح شخصية وفئوية ضيقة ولا علاقة لها بما يريده الشعب الذي لا يدركه إلاّ الرئيس. هذا في انتظار تتوفر الشروط الضرورية للإقدام على هذه الخطوة. والأقرب للمنطق هو أنّ الرئيس بتعاطيه مع هذه الوسائط وبالقوانين التي سيصدرها والتي ستنظم عملها سيدفع بها إلى الاضمحلال الذاتي لعدم قدرتها، أو البعض منها على الأقل، على الحياة.
ولئن أقرّت الماركسية باضمحلال الدولة وعدم الحاجة إلى الوسائط عند وصول المجتمع إلى مستوى معيّن من المعرفة والتقدم والرقي والازدهار حيث تنعدم إمكانية الاستغلال ويزول هذا الوضع الذي يصاب فيه البعض بالتخمة ويجوع آخرون (المرحلة العليا من الشيوعية) فإنّ المشروع الشعبوي يخطط للمرور بقوة وبسرعة قصوى إلى حالة شبيهة لكنها مختلفة تماما من حيث الجوهر إلى درجة الابتذال فيصبح الرئيس الحاكم بأمره بدلا عن المؤسسات، زعيما ملهما يفكر ويخطط وينفّذ في غياب تام للشعب الذي سيأخذ في هذه الحالة وضع الشعب/ الرعية.
إنّ حل الحلول يتمثل في مقاومة المشروع الشعبوي وإسقاطه قبل تمكنه ليس انتصارا لمنظومة النهضة أو المنظومة القديمة التي تخطط للعودة بل دفاعا عن الحرية والمواطنة الحقيقية والمشروع الوطني الديمقراطي الشعبي الاجتماعي الخادم للأغلبية والمكرس للديمقراطية الشعبية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

ثلاثة × أربعة =

إلى الأعلى