الرئيسية / صوت الوطن / في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل نخلة الشعراء وقائد الثوريّين الطاهر الهمامي
في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل نخلة الشعراء وقائد الثوريّين الطاهر الهمامي

في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل نخلة الشعراء وقائد الثوريّين الطاهر الهمامي

علي الجلولي

في مثل هذا اليوم من سنة 2009 توقف عن النبض قلب الدكتور الطاهر الهمامي، الشاعر والباحث والمناضل الثوري، عضو اللجنة المركزية لحزب العمال الذي ساهم في كافة أعماله التأسيسية. رحل الطاهر الهمامي وهو في أوج العطاء النضالي والأكاديمي بعد أن أصرّت إدارة بن علي على إحالته على شرف المهنة كأستاذ جامعي في كلية الآداب بمنوبة، مثله مثل كل عقول تونس الحرة والمستقلة.

رحل الطاهر فجأة بعد أن هجم عليه مرض فتّاك لم يمهله كثيرا وهو لم يتجاوز من العمر الثانية والستين. وقد عكست جنازته المهيبة التي تمت ببوعرادة (ولاية سليانة) وشارك فيها أكثر من ألفي شخص من مختلف الجهات وتحت الرقابة البوليسية الكاملة، حجم الرجل وقيمته وسمعته التي تخطّت حدود تونس لتحلّق في الوطن العربي وفي العالم الذي عرفه عبر ترجمة أشعاره للغات عدة.

إنّ الرحيل المبكّر للرفيق الطاهر الهمامي مثّل خسارة فادحة بكل المعايير ومن كل الزوايا لتونس وشعبها وحركتها الثورية والتقدمية. وقد يكون قلة فقط من الناس يعرفون قيمة الرجل ومجمل إسهاماته الأدبية والعلمية المتعددة والمتنوعة. لقد غطت صفته كشاعر وأكاديمي عن بقية صفاته الأخرى إذ ذاع صيته كشاعر ثائر ومجدّد فرض اسمه منذ نهاية ستينات القرن المنقضي في إطار جدالات تشكل الحركة الأدبية والثقافية التونسية الجديدة. وقد كان الراحل أحد رواد حركة الطليعة الأدبية ومتزعم تيار “غير العمودي والحر” في الشعر، إلى جانب كل من الحبيب الزناد وفضيلة الشابي. وقد عرف بقوة مداخلاته الشفوية والمكتوبة وغزارتها في إطار الصراع مع التيارات الشكلانية والتقليدية المنحازة للرجعية والمناوئة للطبقة العاملة والكادحين تاركا لنا مئات المقالات في مختلف صحف تونس والوطن العربي كلها دفاع، مثلها مثل أشعاره الغزيرة، عن القضايا العادلة الوطنية والقومية والإنسانية..

لم يكن الطاهر الهمامي ذلك الأديب والشاعر والجامعي صاحب التكوين المتين فيما يهم الثقافة العربية القديمة وفيما يهم الثقافة الإنسانية الحديثة والمعاصرة فحسب. وإنما كان أيضا مناضلا شيوعيا فذّا منذ منتصف سبعينات القرن الماضي في حركة “آفاق- العامل التونسي”، ثم مؤسسا وقياديا في حزب العمال الشيوعي التونسي (حزب العمال حاليا) إلى أن رحل.

لقد نجح الطاهر في اختبار العمل السري، مثله مثل رفيقات ورفاق آخرين، رحل بعضهم ومازال آخرون على قيد الحياة في حزب العمال أو في أطر أخرى.

إنّ ما ميّز الراحل طيلة حياته هو تكريسه الفعلي لنموذج المثقف العضوي والملتزم، المثقف الثوري الذي يربط وعيه بممارسة حياتية أصيلة على مختلف الواجهات. لقد كان الطاهر مناضلا نقابيا منذ أواسط سبعينات القرن الماضي وبرز خاصة إبان الأزمة النقابية لأواسط الثمانينات التي كان حاضرا فيها من مواقع متقدمة في قطاع التعليم الثانوي في مواجهة هجوم الفاشية الدستورية على الحركة النقابية وتفكيكها وتعرض كرفاقه وزملائه للتعسف. وحين انتقل للتعليم العالي كان صوته عاليا في معارك القطاع سواء ضد السلطة أو ضد البيرقراطية، وقد عكست كتاباته النقابية وعيه ودوره الهام في النضال النقابي. وكان الطاهر حقوقيا منخرطا في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وكان اسمه حاضرا في كل عرائض وأنشطة الاحتجاج ضد الدكتاتورية في العهدين، وإلى ذلك كله كان ناشطا في مختلف الفعاليات الأدبية ومنها رابطة الكتاب الأحرار التي كان من مؤسسيها، كما كان قلما صحفيا نشيطا من خلال الأعمدة التي كان يحبرها في الجرائد والمجلات المحلية والعربية، كما كان قلما مستقرا في صفحات جريدة “صوت الشعب” ومجلة “الشيوعي” ومختلف منابر حزب العمال. في كلمة لم يكن في وقت الطاهر لحظة فراغ واحدة.

رحل الطاهر ونحن في أعز الحاجة إليه، إلى وضوح رؤيته وصواب بصيرته وعمق نظره ورجحان عقله، لقد كان رجلا بحجم وطن وبحجم تجربة حزب العمال التي لم يدّخر جهدا للمساهمة في بنائها حجرة حجرة. ولم يكن الطاهر هذا فقط، وإنما كان أيضا قيمة أخلاقية وإنسانية راقية، وهذا لا يعلمه رفاقه فقط بل كل معارفه وطلبته وزملائه وأصدقائه.

رحل الطاهر ولكن آثاره باقية تخلّد ذكراه…
ما أحوج تونس اليوم إلى أمثالك أيها العظيم…

إنّ رفيقاتك ورفاقك وصديقاتك وأصدقائك وكل الذين عرفوك لا يتوقفون عن الترديد معك:

أرى النخل يمشي
أرى النخل يمشي في الشوارع
مرفوع الجبهة فارع
يتحدّى و يصارع
هل رأيتم ذات يوم
سعف النخيل
على السّبيل
هل رأيتم نخل واحة
فوق ساحة
وجريحا ينزع الحبّة من صدره
ويلمّ جراحه
نكّس الخروع أعناقه
وطوى العنصل أوراقه
أرى النخل يمشي
وسط الزحمة يمشي
وسط العتمة يمشي
وسط الهجمة يمشي
مشدود الهدب إلى الشمس
موعود الصّابة
أيّها الناسي صوابه
أيّها المبدّل بالوهم ثيابه
النّخل لا يبكي
النّخل يغنّي
مع العصافير والأطفال
مع مياه البحر
مع قمح الجبال
مع البرق
مع الخريف الهادر
مع الشّتاء
أرى النخل يمشي في الشوارع
بحديد المعامل
وحصيد المزارع
ورغم الليالي
ورغم المواجع
أرى النخل عالي
ولا يتراجع!
-* الطاهر الهمامي

2 ماي 2022

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×