الرئيسية / صوت العالم / مؤتمر البيئة والمناخ في مصر: الرأسمالية وحدها مسؤولة عن تمدّد الكارثة البيئية.
مؤتمر البيئة والمناخ في مصر: الرأسمالية وحدها مسؤولة عن تمدّد الكارثة البيئية.

مؤتمر البيئة والمناخ في مصر: الرأسمالية وحدها مسؤولة عن تمدّد الكارثة البيئية.

علي الجلولي

انطلق اليوم بشرم الشيخ في مصر مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ في دورته السابعة والعشرين COP 27، ويعتبر هذا المؤتمر موعدا هاما لطرح موضوع أصبح موضوعا حارقا بحكم ما تعرفه الطبيعة والمناخ والعيش على الأرض عموما من تدهور مريع أصبح يهدد جديا الحياة، حياة البشر والحيوان والنبات . فالطبيعة وخاصة في العقود الأخيرة أصبحت تعيش على وقع انخرام حاد للتوازن الايكولوجي، وأصبحت الحياة تحت سياط الارتفاع الرهيب للغازات السامة وارتفاع منسوب الكربون مقابل تراجع كميات الأكسجين اللازمة للعيش والاستمرار. ولئن تواصل الرأسمالية العالمية محاولات التفصّي من مسؤوليتها المباشرة والكلية على هذا الوضع المزري، فان القناعة تتسع اليوم على الصعيد العالمي في اتجاه تحميل الرأسمالية مسؤولية ما يجدّ على كوكبنا من إجرام منظم. إن الرأسمالية، هذه الطبقة الطفيلية التي لا تعترف إلاّ بقانون الربح والربح الأقصى، قانونا كليا ومطلقا يحكم كل ممارساتها من أقلها ضآلة إلى أكثرها تعقيدا، إنما هي المسؤولة الأولى والأخيرة على هذا التدهور المريع للطبيعة وللوجود صلبها. إن لهثها وراء مراكمة الأرباح وتحقيق فائض القيمة جعلها لا تكترث بما تسببه صناعاتها من تلوث للهواء والماء والأرض وما عليها وما في أحشائها. وفي الوقت الذي كانت فيه الغابات والمساحات الخضراء تلعب نوعا من الدور المعدل بما تضخّه من أكسجين يقاوم الارتفاع الجنوني لنسب الكربون الذي يصيب البشر والدواب بالاختناق، ويصيب النبات والماء بالتلوث، امتدت الأيادي المجرمة كي تعبث بملايين الهكتارات لتعبث بها من خلال قص الأشجار لتحويلها إلى صناعة الخشب التي تعطي لرأس المال أفخر المكاتب وأضخم البيوت وأجمل الأبواب، ولتذهب البشرية إلى الجحيم . وهاهي الرأسمالية تواصل ذلك، فغابات الأمازون لوحدها تمدّ الكرة الأرضية بأكثر من نصف نسبة الأكسجين اللازمة للحياة، هاهي تتعرض إلى حملة منظمة ومتصاعدة عرفت ذروتها مع الرئيس الفاشي بولسونارو المطاح به في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتتمثل الحملة في قطع آلاف الأشجار وافتعال آلاف الحرائق كي يتم تحويل خشبها الرفيع إلى مصانع الموبيليا والأثاث الفاخر.

-الرأسمالية تتهرب من المسؤولية .
حين اضطرت الرأسمالية العالمية للاعتراف تحت الضغط الهائل بحجم الدمار الذي طال الحياة على الأرض، ونظمت المؤتمرات الخاصة لاتخاذ بعض القرارات مثل قمة باريس التي التزمت فيها كبريات الدول بالحد من نسب الاحتباس الحراري إلى 5,1 °/° من خلال إجراءات ملموسة ومحددة، لم تلتزم هذه الأخيرة بما قررته لذلك يواصل الوضع اليوم مزيد التدهور والسوء فيما يتعلق بثقب الأوزون، أو ما يتعلق بتنامي المظاهر الطبيعية غير الطبيعية مثل تنامي الجفاف والتصحر في عديد المناطق من العالم، وتنامي الأمطار الفيضانية بما تسببه من كوارث مثل موجات تسونامي التي أصبحت تطال أماكن عديد غرب الكرة الأرضية وشرقها. ويعرف منسوب الماء الصالح للشرب تناقصا كبيرا بما يهدد جديا أغلب البشرية بالعطش في السنوات القليلة القادمة، كما أن منسوب البحار والمحيطات أصبح يتناقص في أماكن ويتزايد في أخرى بفعل عوامل طبيعية متناقضة مثل ذوبان مياه الثلوج في مناطق شمال الأرض، وتنامي الأنشطة الخاصة بتحلية مياه البحر في مناطق الجنوب.
إن هذه الأوضاع لها انعكاسات مدمّرة على كل مؤشرات التوازن الطبيعي، ففي دراسة مختصة شارك فيها عدد كبير من الباحثين في مختلف الاختصاصات العلمية عما تعرفه الحياة على الأرض انتهت هذه الدراسة إلى نتيجة مفادها نفوق وانقراض مليون نوع من الحيوانات والطيور والأسماك والحشرات وذلك خلال القرن المنقضي. ومن المنطقي أن يستنتج الجميع مسؤولية الرأسمالية في هذا الوضع، فوحدها تحكم العالم اقتصادا واجتماعا وسياسة، ووحدها تتحمل المسؤولية الأساسية فيما تعرفه الحياة على الكوكب من تدهور مريع ومتصاعد.
إن مسؤولية الطبقات المسيطرة لا تتعلق فقط بإبادة أنواع الحيوان أرضا وجوا وبحرا، بل أيضا في إبادة البشر. إن هذه الإبادة لم تعد تتعلق فقط بالصناعات الملوثة وما تسببه من تلويث للهواء والماء واليابسة، بل إن الجرائم تتعلق أيضا بردم ملايين الأطنان من المواد السامة و الفضلات المشعة في البحار والصحاري وأيضا في الأراضي الآهلة، ويتعلق الأمر بفضلات المصانع بما فيها الأخطر مثل الصناعات النووية والجرثومية، كما يتعلق بفضلات المستشفيات ومصانع الأدوية والعقاقير وما تسببه من مضاعفات في أديم الأرض وفوقها، وفي كل البحار والمحيطات والصحاري التي حولتها الامبريالية إلى فضاء تجارب لأكثر الأسلحة فتكا وتلويثا وخطورة بحكم المواد التي تحتويها.
وفي كلمة إن إرهاب الامبريالية وجرائمها دولا ومؤسسات لا تُحصى ولا تعد في هذا المجال فضلا عن بقية مجالات الحياة البشرية. لذلك تتعالى الأصوات في كل بلدان العالم من أجل التجند لحفظ الحياة والوجود والبقاء، لقد أعادتنا الرأسمالية إلى قانون الغاب وهي فعلا قد خلقت مجتمعا وحضارة على صورتها كما قال ماركس منذ أكثر من قرن، ماركس الذي أكد أن الرأسمالية لا تهدد باستغلالها فقط العمال والكادحين، بل هي تستنزف وتدمر الطبيعة التي لا تتعاطى معها إلا باعتبارها مصدرا لمواد الإنتاج وصنع الثروة ومراكمتها. وهاهي نتائج قرنين من هيمنة رأس المال على منظومة الإنتاج تقدم الدليل القاطع على حقيقة الحضارة الرأسمالية باعتبارها حضارة الإبادة والتدمير الممنهج للطبيعة بكل عناصرها بشرا وحيوانا ونباتا وجمادا.

-ونصيب منطقتنا وبلادنا.
تؤكد عديد الدراسات المتطابقة والمنشورة مؤخرا بكون منطقتنا المغاربية والعربية مهددة فعليا بالتدهور المريع للوضع الطبيعي والمناخي بما في ذلك ارتفاع نسب الهيدرجين في الفضاء، وقد عددت هذه الدراسات ستة بلدان شمال افريقية وعربية معنية بهذه المخاطر وهي : المغرب والجزائر وتونس ومصر ولبنان والإمارات. وبالفعل فقد شهدت هذه البلاد في العام الجاري موجة حرارة وجفاف وشحّ للتساقطات أثرت بشكل واضح وجليّ على المائدة المائية والانعكاسات الكبيرة على القطاع الفلاحي والزراعي بما فيه القطاعات المعاشية والكفافية لفئات واسعة من السكان (قطاعات الزيتون والتمور والحبوب والباكورات..).
وتعرف بلداننا أيضا تنامي انعكاسات دفن المواد والفضلات الخطيرة سواء منها القادمة من بلدان المركز مثل صفقة دفن الفضلات المنزلية الايطالية في تونس التي تعود الى سنة 2020 والتي هزت الرأي العام الشعبي وتحرك من أجل إبطالها المجتمع المدني والسياسي، علما وأن هذه الفضلات تضمّ فضلات مؤسسات صحية بما تمثله من مخاطر على الأرض والبشر. وهذا المثال ما هو إلاّ عينة مما تعيشه كل بلدان الجنوب التابعة التي حولتها البلدان والمؤسسات الامبريالية إلى مدافن لفضلاتها والى فضاء للصناعات الملوثة والأنشطة غير النظيفة التي نجح النشطاء في إلغاء أنشطتها لما تسببه من كوارث، لتتحول هذه الأنشطة إلى بلدان الجنوب في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية التي أصبحت فضاء رحبا لكل عناصر ومظاهر التدهور الذي يطال الطبيعة .

-الحق في بيئة سليمة هو حق كوني.
يتأكد اليوم أكثر من أي وقت مضى أن النضال من أجل حق البشر في بيئة سليمة وخالية من التلوث هو مطلب عالمي لان المشكل بأسبابه وتجلياته ونتائجه هو عالمي، لذلك فان خلق حركة عالمية موحدة تناضل من أجل المطالب المباشرة والآجلة والتي تهم الحياة على سطح الأرض هو اليوم مهمة مطروحة جديا على كل القوى المناهضة للاستغلال والتدمير الممنهج للطبيعة. إن هذا النضال لن يذهب بعيدا إن لم يلامس أصل الداء وسبب العلّة وهو منظومة الاستغلال الرأسمالي برمتها، هذه المنظومة التي تفقد كل شروط وجودها إن لم تمارس الاستغلال والاستغلال الأقصى على البشر والطبيعة تحقيقا لهدف الربح وتكديس الثروة. لذلك فان نضال أحرار العالم وضميره الحي من أجل إنقاذ الحياة على الكوكب يتطلب عملا دؤوبا وتعبئة شاملة لتطوير هذا النضال وتعميمه وإقناع كل طبقات المجتمع المتضررة به. إن تدهور حياة البشر وارتفاع منسوب التلوث والاحتباس الحراري والاختناق لن يتم القضاء عليه ببعض الحلول الترقيعية مثل التحكم في نسب استعمال المحروقات والالتجاء إلى الطاقات البديلة والنظيفة واستعمال السيارة الكهربائية. إن الحياة مهددة فعليا بما تم دفنه من نفايات وما تم تجريبه من أسلحة وما تمّ بثه من جراثيم وتخزينه من أوبئة في إطار صراع الامبرياليات من أجل السيطرة على العالم، كل العالم. إن أفق النضال من أجل عالم خال من كل أشكال التلوث سينفتح بتجاوز المنظومة الرأسمالية إلى المنظومة الاشتراكية التي ستحرر المجتمع من الاستغلال والاغتراب، حينها وحينها فقط سيتحرر البشر من الاضطهاد والقهر وتتحرر الطبيعة من كل أشكال الاعتداء والتدمير.

-النظام المصري نظام مُلوٌّث ومُلوَّث.
إن تنظيم هذا المؤتمر في مصر حرم آلاف النشطاء من مختلف أقطار العالم من التواجد للاحتجاج وإعلاء صوت المتضررين مقابل صوت المجرمين والمسؤولين على حجم الكارثة. إن النظام الدكتاتوري في مصر لا همّ له سوى استغلال هذا المؤتمر لتسويق صورة مغالطة اعتمادا على قطاع السياحة في “شرم الشيخ” وعلى ما تحوزه مصر العزيزة من جمال وآثار وتراث وطيبة شعب، لكن مصر تعاني أيضا من مشاكل البيئة ويعيش شعبها التلوث خاصة في العاصمة القاهرة والمدن الكبرى، كما يعيش شعبها على وقع تراجع منسوب النيل وصراع مصر مع دولة المنبع (أثيوبيا) حول النصيب من الماء، لكن شعب مصر وبحكم تربع نظام الاستبداد العسكري المدعوم من الامبريالية والعدو الصهيوني والرجعية الإقليمية، محروم من حقه في الاحتجاج والتظاهر للمطالبة بالحق في بيئة نظيفة وفي نظام ديمقراطي.

تونس- 06 نوفمبر 2022

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

خمسة عشر − عشرة =

إلى الأعلى