الرئيسية / صوت الوطن / الحق في التعليم من أوكد حقوق الإنسان
الحق في التعليم من أوكد حقوق الإنسان

الحق في التعليم من أوكد حقوق الإنسان

علي المالكي

يعيش الشعب التونسي أزمة لم يعرف لها مثيلا في تاريخه المعاصر، وهي أزمة متعددة الأبعاد وطالت جميع مجالات الحياة. لكنها ولأول مرة تنزل بكلكلها على المؤسسة التربوية مهدّدة مصير عشرات الآلاف من التلاميذ اللذين لم يتسنّ لهم الالتحاق بقاعات الدرس منذ انطلاق السنة الدراسية.
ونحن نتابع بانشغال عميق حالة الاحتقان المتنامي في المؤسسات التربوية نتيجة اشكاليات عالقة فإننا نوجه اصابع الاتهام لوزارة التربية ومن ورائها رئاسة الحكومة ورئيس الجمهورية فهل أنتم مستعدون لإصلاح وبناء جذري وشامل؟ هل أعددتم العدة لمجابهة تحديات الجودة ولتحويل مدارسنا من مدارس فاشلة إلى مدارس ناجحة مجددة تعمل على توفير المناخ الملائم للطفل لينشأ نشأة سليمة ويساهم في بناء غد أفضل له ولعائلته وللمجموعة الوطنية لطمأنة التونسيين علي مستقل وطنهم؟
إن سياسات المماطلة والتجاهل والتسويف والتعتيم الذي تسلكه وزارة التربية بخصوص التعاطي مع ملف الاعوان الوقتيين (أساتذة المدارس الابتدائية ونواب اتفاقية 8 ماي 2018 ونواب خارج الاتفاقية)، الذين لم يتم انتدابهم الى حد الان في صفوف الوظيفة العمومية، وذلك في ضرب واضح لحقوقهم كمربين وتجاوز خطير للاتفاقيات الممضاة في الخصوص ورضوخا لأوامر صندوق النقد الدولي بإسم الضغط على كتلة الأجور.
ان المعلمين النواب يعملون اليوم تحت طائلة التشغيل الهش منذ اكثر من 6 سنوات، وتتلكأ سلطة الاشراف وتدوس على كرامة المربين وحقهم في العيش الكريم وتصر على صفة العون الوقتي وعدم انتدابهم وترسيمهم رغم عملهم المتواصل وسدهم للشغورات وحرصهم على سير الدروس وانجاح السنوات الدراسية ويذكر أن اتفاقية 8 ماي 2018 الخاصة بالمعلمين النواب والممضاة بين وزارة التربية والجامعة العامة للتعليم الأساسي كان قد صدرت بالرائد الرسمي في 25 جانفي 2019 وتنص على تمتيع المعلمين النواب بعديد الحقوق، خاصة الانطلاق في انتدابهم على ثلاث دفعات من 2020 وباجر شهري قار قدره 750د ، بالإضافة إلى تمتعهم بالتغطية الاجتماعية والصحية والملاحظ أن سلطة الإشراف تريد التضحية بالنواب وتسعى لإجبارهم بإمضاء لعقود على مدى 3 سنوات تشفع باختبار مهني ليتحول بعد ذلك الى رتبة متربص مهددة إياهم باعتبارهم متخلين إن لم يخضعوا لشروطها والتي اتخذتها من جانب واحد في غياب الطرف النقابي
فالتعليم صناعة أجيال المستقبل. ولقد كان في تونس أحد أهم رهانات الصراع الفكري وفي قلب المشاريع التحديثية منذ القرن التاسع عشر، عند إنشاء المدرسة الحربية بباردو سنة 1840 والمدرسة الصادقية سنة 1875. بل إن التعليم الزيتوني ذاته عرف محاولات عديدة للإصلاح جوبهت في معظم الأحيان بمقاومة شديدة، حفاظا على امتيازات معينة أو خوفا من التجديد أو ريبة من مبادرات كان بعضها مدعوما من السلطة الاستعمارية الفرنسية الجاثمة على تونس منذ ابرام معاهدة باردو سنة 1881 مع سلطة الباي. ولذلك فإن السلطة المنبثقة عن بروتوكول 20 مارس 1956، أولت اهتماما خاصا للتعليم لمعالجة أوضاعه الكارثية التي خلفتها سلطات الاستعمار المباشر، فتتالت القوانين المنظمة للقطاع والمخططات، لعل أبرزها قانون سنة 1959 (المعروف بقانون المسعدي) والذي سارت عليه البلاد طوال عشرية كاملة. ففي 1959 وضعت الحكومة خطة تعليمية، تستثمر في التعليم وتعتبره مُحددا أساسيا من محددات النمو الاقتصادي التونسي. وبعد تقييم لنقاط قوة وضعف القطاع التعليمي على مدار عدة سنوات، تم إنشاء هيئة تعليم وطنية في عام 1967 لتقديم التوجيهات والتوصيات، وافقت الحكومة على مجملها وأدمجتها بخطط التنمية “الوطنية” للسنوات اللاحقة وخاصة في مشاريع “الإصلاح” لسنتي 1975 و 1992 ﻭﺑﺮﻧﺎﻣﺞ “ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﻐﺪ” ﻟﺴﻨﺔ 2002، والتي كان ﺟﻮﻫﺮﻫﺎ تلبية احتياجات ﺍﻟﺒﻮﺭﺟﻮﺍﺯﻳﺔ الحاكمة ﻭﺷﺮﺍﺋﺤﻬﺎ ﺍﻟﻤﺘﺼﺎﺭﻋﺔ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺑﺴﻂ ﻧﻔﻮﺫﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﺟﻬﺰﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ، وبذلك ﻇﻠﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒﺮﺍﻣﺞ ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻋﻦ المطالب التي كانت تتبلور في خضمّ نهوض الحركة الشعبية والديمقراطية في حق الشعب التونسي في تعليم ديمقراطي وثقافة وطنية.
ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻥ ﺗﻌﻤﻴﻢ ﺍﻟﺘﻤﺪﺭﺱ ﻭﺇﺿﻔﺎﺀ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺑﻌﻴﺪﺍ ﻋﻦ ﺩﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻛﻤﺎ ﺭﻭج له ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺣﺎﺟﺔ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻓﻲ ﻓﺘﺮﺓ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﺎﺕ ﻭﺍﻟﺴﺒﻌﻴﻨﺎﺕ لإطارات لسد للشغورات التي تركها المستعمر الفرنسي وقد ﺧﻠﻘﺖ ﺍﻣﺎﻻ ﻓﻲ ﺍﻻﺭﺗﻘﺎﺀ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﺣﻔﺰ ﺍﻟﻄﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﺜﺎﻧﻮﻱ ﻭ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ ﻭ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻟﻢ ﺗﺘﺤﻘﻖ، إذ سرعان ما تم اللجوء الى سياسات انتقائية في مختلف مراحل التعليم كاعتماد ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﺨﺮﺍﻃﻴﺶ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ. ﻭﻣﻊ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﺒﻮﺭﻗﻴﺒﻲ ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﺍﻋﻤﻖ ﺃﺯﻣﺔ ﻋﺮﻓﺘﻬﺎ ﻣﻨﺬ 1956، ﺃﺯﻣﺔ ﺳﻴﺎﺳﺔ ﻭﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ لم يسلم منها قطاع ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ الذي تحول الى ﻣﻨﺘﺞ ﻟﻠﻔﺸﻞ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﻲ ﻭﺍﻟﺒﻄﺎﻟﺔ حوصلته الحركة التلمذية في شعارها “ﺗﻘﺮﻯ ﻭإلا ﻣﺎ ﺗﻘراش ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻣﺎ ﺛﻤﺎﺵ”.
ﻭلم تعد المدرسة معنية ﺑﺘﺨﺮﻳﺞ ﺃﺟﻴﺎﻝ ﻣﺘﺴﻠﺤﺔ ﺑﺎﻟﻤﻌﺎﺭﻑ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻨﻘﺪﻱ ﻭﺛﻘﺎﻓﺔ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﻣﻤﺘﻠﻜﺔ ﻟﻤﺼﻴﺮﻫﺎ ﺑﻞ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺔ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻳﺔ ﻣﺆﺳﺴﺔ ﻣﻌﻨﻴﺔ ﺑﺎﻟﺘﺄﻗﻠﻢ ﻣﻊ متطلبات ﺍﻻﻧﺘﺎﺝ، ﻣﺆﺳﺴﺔ ﻻ ﺣﻆ ﻓﻴﻬﺎ ﻟﻤﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﺘﺴﺐ ﺍﻟﻜﻔﺎﺀﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻄﻠﺒﻬﺎ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﺸﻐﻞ .
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﺒﻨﻔﺴﺠﻲ، فقد تراجعت مكانة المدرسة العموميّة وما شهدته من أزماتٍ داخلها وفي محيطها، ﻓﺘﻮﺍﺗﺮﺕ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ ﺍﻻﺻﻼﺡ ﺍﻻﺭﺗﺠﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﻘﻄﺔ ﻭﺍﻟﻤﺘﻌﺎﺭﺿﺔ مع مصالح عموم الشعب التونسي ﻟﻴﺘﺮﺍﺟﻊ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ. ﻓﻨﻤﺖ ﺍﻟﻤﺪﺍﺭﺱ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻫﺪ ﻭﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻛﺎﻟﻔﻘﺎﻗﻴﻊ ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻟﺪﻳﻨﺎ ﺗﻌﻠﻴﻤﺎﻥ : ﺗﻌﻠﻴﻢ ﺧﺎﺹ ﻟﻼﻏﻨﻴﺎﺀ ﻭﺗﻌﻠﻴﻢ ﻋﻤﻮﻣﻲ لأبناء الشعب، ﺗﻌﻠﻴﻢ ﺧﺎﺹ ﺑﻘﺪﺭﺍﺗﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ ﻭﺑﺮﺍﻣﺠﻪ ﺍﻟﺤﺮﺓ ﻭﺗﻌﻠﻴﻢ ﻋﻤﻮﻣﻲ ﺑﺈﻋﺘﻤﺎﺩﺍﺗﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﻗﺼﺔ ﻭﻣﺪﺍﺭﺳﻪ ﺍﻟﻤﺘﺸﻘﻘﺔ ﻭ ﻣﻨﺎﺿﺪﻩ ﺍﻟﻤﻬﺘﺮﺋﺔ ﻭﺳﺒﻮﺭﺍﺗﻪ ﺍﻟﻤﺤﻔﺮﺓ ﻭﺑﻮﺳﺎﺋﻠﻪ ﺍﻟﻤﻨﻌﺪﻣﺔ.
وتواصل الأمر على هذه الحال بعد الثورة المغدورة إذ نلاحظ تزايدًا لافتًا للمدارس الخاصّة، وتزايدَ المُقبلين عليها خصوصًا في المرحلة الابتدائية فقد تطوّر التعليم الخاص بنسبة 500% بين 2010 و2020، أي تَضاعفَ فيها عددُ التلاميذ بحوالي خمس مرّات ليبلغ 843 97 تلميذًا في السنة الدراسيّة 2019-2020. ﻭﺗﺒﻌﺎ ﻟﺬﻟﻚ ﺿﺮﺏ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻖ ﻓﺘﻌﻤﻘﺖ ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﺍﻟﻄﺒﻘﻴﺔ ﻭﻓﺘﺢ قطاع ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ على مصراعيه أمام ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ ﻭﺍﻻﺟﻨﺒﻲ، ﻭﻧﺬﻛﺮ ﻫﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺬﻛﺮ ﻻ ﺍﻟﺤﺼﺮ ﻣﺎ أتاه ﻮﺯﻳﺮ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ ﺍﻟﻘﺮبي من جرم عند ﺗﺒﺮعه بمبالغ طائلة ﻤﻦ ﻣﻴﺰﺍﻧﻴﺔ وﺯﺍﺭﺓ التربية ﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﻗﺮﻃﺎﺝ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﻟﺼﺎﺣﺒﺘﻬﺎ ﻟﻴﻠﻰ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ .
ﺇﻥ ﺗﺮﺍﺟﻊ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﻨﻮﻓمبري ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻤﻮﻳﻞ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻲ ﻟﻠﺘﻌﻠﻴﻢ ﻭﺗﺤﻤﻴﻞ ﻧﻔﻘﺎﺕ ﺇﺿﺎﻓﻴﺔ ﻟﻠﻌﺎﺋﻼﺕ ﻓﻲ ﺷﻜﻞ ﻣﻌﺎﻟﻴﻢ ﺗﺮﺳﻴﻢ ﻭﻣﻌﺎﻟﻴﻢ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﻓﻲ الإمتحانات ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻇﺮﺍﺕ ﻣﻊ ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ ﺃﺳﻌﺎﺭ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﻴﺔ وﺗﺮﺍﺟﻊ ﺍﻟﺴﻜﻦ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﻲ ﻭﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺺ ﻓﻲ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﻤﻨﺘﻔﻌﻴﻦ ﺑﺎﻟﻤﻨﺢ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﻴﺔ ﻭﺗﻌﻮﻳﻀﻬﺎ ﺑﺎﻟﻘﺮﻭﺽ ﻣﻤﺎ ﻓﺘﺢ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺮاعيه للقطاﻉ ﺍﻟﺨﺎﺹ، لا فقط للقطاع البنكي، بل وكذلك أمام ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺍﻟﻔﺎﺳﺪ والمتهربين من الجباية للمساهمة في ترﻣﻴﻢ بعض ﺍﻟﻤﺪﺍﺭﺱ، فيتحوّلون بقدرة قادر الى “وطنيين أبطال”. ﻛﻤﺎ فتح لهم الباب للتدخل في هذا القطاع الاستراتيجي عبر ما سُمّي ﺯﻭﺭﺍ ﻭﺑﻬﺘﺎﻧﺎ ﺑﺎﻟﺸﺮﺍﻛﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻄﺎﻉ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺍﻟﺨﺎﺹ. أما في ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﺒﻴﺪﺍﻏﻮﺟﻲ ﻟﻠﺘﻼﻣﻴﺬ ﻭﺍﻟﻄﻠﺒﺔ ﻓﻘﺪ ﺗﺮﺍﺟﻊ ﺍﻟﻤﺮﺩﻭﺩ ﺑﺸﻜﻞ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺒﻮﻕ ﻭ ﺗﺪﺣﺮﺟﺖ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﺍﻟﺘﻮﻧﺴﻴﺔ ﻟﺘﻔﻜﻚ ﺍﻟﻤﻀﺎﻣﻴﻦ ﻭﺗﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﺒﺮﺍﻣﺞ ﻭﺍﻟﺘﺨﻠﻲ ﻋﻦ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻤﺜﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻘﺪ والتقييم ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻟﺼﺎﻟﺢ جملة من ﺍﻟﻜﻔﺎﺀﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺔ لتلبية ﺣﺎﺟﻴﺎﺕ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﺸﻐﻞ .
إنّ المقصود بأزمة المدرسة هو عدمُ تملّك المتعلّمين الحدَّ الأدنى من الكفايات الأساسيّة في القراءة والكتابة والحساب، وارتفاع نِسب الرّسوب والانقطاع المدرسيّ الذي فاق 100 ألف تلميذ سنويا. فجل الأنظمة التعليميّة في البلدان التابعة تتخبط في الركض وراء أنظمة دولٍ المركز التي كانت سبّاقة في تجديد مناهجها التعليميّة. كما أنّها مجبَرٌة على مسايرة إملاءات دولٍ أو مؤسسات مانحة. فكانت بعضُ المناهج مسقَطة وذاتَ نجاعة محدودة، دون القدرة على مسايرة التطوّرات السريعة التي يعرفها العالم، خصوصًا في المجال التكنولوجيّ. فتعليمُ الغد لن يكون هدفه تحصيل المعرفة، بل الوصول إلى مصادرها وتوظيفها في حلّ مشاكل المجتمع ورفع قدرات أفراده العلميّة والعمليّة فقد أبرزت نتائج البرنامج العالميّ لتقويم مكتسبات التلاميذ لسنة 2015 (P.I.S.A)، وهو برنامجٌ يقيس قدرةَ التلاميذ في سنّ الخامسة عشرة على استخدام معارفهم ومهاراتِهم في القراءة والرياضيّات والعلوم لمواجهة تحدّيات الحياة الحقيقيّة، تصنيف تونسَ من ضمن الدول الخمس الأخيرة. وهذا يؤكّد أنّ المنظومة التربويّة عليلة. فالتلميذ في تونس قادر على تكرار ما تعلّمه (بضاعتكم ردت إليكم) ولكنه غير قادر على المشاركةَ في المهامّ التي تتطلّب منه تفكيرا إبداعيًا. إضافة إلى ضعف الانضباط (اعتداء الأولياء على المربين في المدارس الابتدائية واعتداء التلاميذ على المربين في المعاهد الثانوية). فالتلميذ أصبح لا يشعر بالانتماء إلى مدرسته أو معهده. كما أن العلاقة بين المدرّس والتلميذ بقيت بحكم المحيط والبنية التحتية وغيرها من العوامل علاقة عمودية غير قادرة على تحفيز التلميذ أو ترغيبه في الإقبال طوعا عن المؤسسة التربوية. وهو ما يفسّر ارتفاعَ عدد المنقطعين كما أن تراجعَ مستوى الإعداديّات والمعاهد يعود بمعنى ما إلى بعث المعاهد النموذجيّة منذ السنة الدراسيّة 1983-1984، وهي معاهدُ تضمّ المتميِّزين من التلاميذ وساهمتْ في الحدّ من التنافس في بقيّة المؤسّسات بعد تجريدها منهم.
فالمدرِّسون في مختلف المراحل التعليميّة من أهمّ مكوِّنات الموارد البشريّة. وتُمْكن دراسةُ دورهم من خلال مجموعةٍ من العمليّات، أبرزُها: التكوينُ الأساسيّ، والتعيين، والتنظيم، والتأطير، والتخطيط، والتقويم، بهدف تنمية قدراتهم وتطوير كفاءاتهم وتحفيزِهم بما يستجيب لتحقيق الأنشطة والمهامّ الموكلة إليهم بالنَّجاعة والسرعة المطلوبتيْن. إلا أن الملاحظ أنه في السنوات الأخيرة، وبعد التخلي عن مدارس ترشيح المعلمين في إطار الضغط على الميزانيات المخصصة للتربية والتعليم، تمّت العودةُ إلى صيغة الانتداب (التعيين) المباشر كلّيًّا عبر الملفّات، واستنادًا إلى مقاييسَ تراعي السّنَّ وأقدميّةَ الحصول على الشهادة ومدّةَ النيابة التي قضاها المترشِّح في التدريس بصفة نائب، بالإضافة إلى الوضع الاجتماعيّ والأسريّ. وهكذا أصبح التعيينُ للتدريس ذا صبغةٍ اجتماعيّة بدلًا من الاعتماد على الجدارة العلميّة والبيداغوجيّة. ومن هنا يُمْكن ملاحظةُ قطيعةٍ شبهِ تامّةٍ بين التقارير والدراسات والتصريحات الرسميّة، وكذلك توصيات اللجان المختصّة التي تُولي التكوينَ الأساسيَّ مكانةً مركزيّةً في عمليّات الإصلاح التربويّ، من جهة، وبين السياسات المتَّبعة التي تتجاهل هذا التكوينَ أو تهمِّشه إنْ وُجد، من جهةٍ ثانية. فالمدرسة التونسيّة تشكو من إطار تدريسٍ يفتقر الكثيرُ منه إلى هويّةٍ مهنيّة.
وهذه الأسباب وغيرها كثير يجعل من مطلب إصلاح المنظومة التربوية على رأس المطالب التي على ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻣﻦ ﺃﺣﺰﺍﺏ ﻭﻧﻘﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ رفعها من أجل ﺇﻳﻼﺀ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ المنزلة التي هو بها جدير لنشر ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻋﻠﻰ آﻓﺔ ﺍﻷﻣﻴﺔ ﻭﺧﻠﻖ ﻣﻮﺍﻃﻦ ﻣﺘﻌﻠﻢ، ﻣﺜﻘﻒ، ﻣﺘﺸﺒﻊ ﺑﺎﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻨﻘﺪﻱ ﻭﻣﻨﻔﺘﺢ ﻋﻠﻰ ﺍﻧﺠﺎﺯﺍﺕ ﺍﻻﻧﺴﺎﻧﻴﺔ. ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﺍﻟﺘﺰﻣﺖ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﺸﻮﺩﺓ ﺑﻮﺍﺟﺒﺎﺗﻬﺎ ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﻭﻓﺮﺕ لأجيال المتعلمين ﺍﻟﻤﺴﺘﻠﺰﻣﺎﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺔ ﻣﻦ ﺇﻃﺎﺭﺍﺕ ﻭتجهيزات ﻭﻣﻨﺎﺥ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﻭ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

سبعة عشر − 9 =

إلى الأعلى