الرئيسية / صوت العالم / “مواطنو الرايخ”: أهو صيد ثمين أم عمليّة دعائيّة ؟
“مواطنو الرايخ”: أهو صيد ثمين أم عمليّة دعائيّة ؟

“مواطنو الرايخ”: أهو صيد ثمين أم عمليّة دعائيّة ؟

تعريب وتعليق إبراهيم العثماني

[ في بداية شهر ديسمبر2022 هاجمت مجموعة نازيّة- جديدة البرلمان الألماني راغبة في القيام بانقلاب وتغيير هيأة الدّولة. وقد أثار هذا الحدث انتباه الرأي العام الألماني والعالمي نظرا إلى وقوع مثل هذا الحدث في ألمانيا بالذّات وإلى التّصدّي السّريع له وإفشاله في المهد. ولكنْ للحكاية وجه آخر يكشفه هذا المقال الّذي ارتأينا تعريبه وتقديمه إلى القارئ العربي ليطّلع على دور المخابرات وأجهزة الأمن الرّسمية في صناعة الإرهاب والإرهابيّين، وليتيقّن مرّة أخرى أنّ المجموعات الإرهابيّة أكانت غربيّة أم شرقيّة (القاعدة والدّواعش …إلخ) هي عُرضة للاختراق الأمني الّذي لايواجهها إلاّ إذا تجاوزت الخطوط الحمراء الّتي يرسمها لها، كما أنّ هذه القوى الإرهابيّة جُعلت لخدمة الغرب والقوى الاستعماريّة وتخريب الشّعوب والإطاحة بالنّظم الّتي لاتخدم مصالح هذه القوى.
والمقال الموسوم ب”مواطنو الرايخ: أهو صيد ثمين أم عمليّة دعائيّة ؟” أصدرته منظّمة بناء الحزب الشيوعي لعمّال ألمانيا ونقله إلى الفرنسيّة حزب العمال الشيوعي الفرنسي ونشره على موقعه الخاص بتاريخ 15 ديسمبر2022. إ. ع]

شنّ يوم الأربعاء7ديسمبر2022، 3000 شرطي ووحدات مكافحة الإرهاب حملات تفتيش دقيق طالت أكثر من 150 موقعا في الوسط الإرهابي لليمين المتطرّف المرتبط ب”مواطنو الرايخ”. وقد هنّأت نانسي فايزر المنتسبة إلى الحزب الاشتراكي الدّيمقراطي والوزيرة الفيدراليّة للدّاخليّة نفسها بأنّ “دولة القانون” كانت قد أثبتت أنّها قويّة في مواجهة أعداء الدّيمقراطيّة. وأبرزت وسائل الإعلام هذه القضيّة في صفحاتها الأولى.

إرهاب اليمين المتطرّف- سيل طويل من الدّماء !
ليس إرهاب اليمين المتطرّف جديدا في ألمانيا، فله تاريخ طويل مرتبط بتأسيس الجمهوريّة الفيدراليّة، وحَظِيَ على الدّوام بدعم الدّولة. وهكذا بعثت وكالة المخابرات المركزيّة (سي.أي. أي) وحكومة أدناور(1)، بدءا بسنة 1948، “مجموعات مكافحة البربريّة” الّتي شنّت هجمات إرهابيّة في جمهوريّة ألمانيا الدّيمقراطيّة. وكان بندا المنتمي إلى الاتّحاد المسيحي الدّيمقراطي ووزير الدّاخليّة عضوا مؤسّسا، وهوإرهابي بوصفه وزيرا لداخليّة جمهوريّة ألمانيا الفيدراليّة !
وفي سنوات السّبعينات ألحقت مجموعة “هوفمان” شبه العسكريّة أضرارا جسيمة[ بعدّة مصالح] إذ كانت تُجري جهرا تدريبات عسكريّة في معسكرات للتّدريب على مصفّحات القوّات المسلّحة المهملة. وقد استمرّت علاقاتها بأجهزة الدّولة وطيدة إلى أن تمّ حظرها نهائيّا تحت ضغط الرّاي العام سنة 1980.
ثمّ تتالى ظهورعدّة مجموعات صغيرة الحجم من بينها المجموعة السريّة القوميّة الاشتراكيّة الّتي جابت ربوع ألمانيا مقترفة الاغتيال تلو الاغتيال. وهذه المجموعة تتحدّرمن المجموعة النازيّة الجديدة لألمانيا الشّرقيّة ( أمن أمّة تيرينغ) الّتي أنشأها مُخبرمن الإدارة الفيدراليّة لحماية الدّستور. وقد كوفئ بأكثرمن 200.000 مارك أُخذت من خِزانة هذه الإدارة. ومن بين 140 إلى 160 عضوا كان أربعون منهم مخبري المصالح السرّيّة وكانوا يؤجّرون من هذه الأموال. وبوسعنا أن نقول إذن إنّ الإدارة الفيدراليّة لحماية الدّستور قد ساهمت مساهمة فعّالة في بناء شبكة إرهابيّة. و”مواطنو الرّايخ” وشبكتهم الإرهابيّة ينضافون إلى هذه المجموعات. وقد أثبتت مثل هذه المجموعات وأسلحتها، عديد المرّات، أنّها شديدة الخطورة.

نحن نبارك إذن اعتقال هؤلاء المجرمين.
الدّولة هي دوما سند لهم !
كانت الدّولة كذلك “ممثّلة” لدى”مواطنوالرّايخ” الّذين انكشف أمرهم حاليّا كما كان شأن المجموعات الإرهابيّة الّتي سبق ذكرها.
وكان أحد المتخصّصين في التّطرّف اليميني العامل في مصلحة الدّولة التّابعة لشرطة مقاومة الإجرام في منطقة ساكس السّفلى في صلب المجموعة الإرهابيّة !ويُشتبه في أنّه حذّرالوسط الإرهابي لليمين المتطرّف من تدخّل البوليس والمصالح السريّة.
وقد يكون أحد النّقباء الّذي يُعتبر بمثابة قائد”الفرع العسكري” للمجموعة مرتبطا بمجموعة”مواطنوالرايخ”.
[أمّا] العقيد (أدر) القائد السّابق لفيلق رامي الرمانات المصفّحة112 لريجن، والقائد السّابق لعمليّة كفور(2) للجيش الفيدرالي الألماني في كوسوفو وضابط عمليّة الرّبط مع حلف شمال الأطلس(3) في جورجيا بعد أن غادر الجيش فقد كان أحد القادة العسكريّين للقوّات الإرهابيّة.
يتّضح [إذن] أنّ الدّولة الألمانيّة هي بالتّأكيد ملاذ آمن لمثل هؤلاء الأشخاص الّذين قد يتولّون حتّى مواقع قياديّة شأنهم شأن مجمل حالات المجموعات الإرهابيّة لليمين المتطرّف والمجموعات الفاشيّة الّتي سبق ذكرها.

ومن البديهي أن تتلقّى هذه المجموعات مساعدة من وكالات الدّولة الفيدراليّة إلى يوم النّاس هذا. وهكذا فإنّ العقيد أيدر صاحب الحنكة “سافر في إجازة” إلى إيطاليا. وقبل أسبوع على تنفيذ الحملة على الجماعة هاتف جارته من هناك قائلا لها:قد تداهم الشّرطة الجماعة الأسبوع المقبل، وإن استنطقتك فكوني لطيفة معها”. وكان ينوي وجود ملاذ له في إيطاليا مع حكومتها الجديدة الفاشيّة. لكنّ هذه الحكومة لاتريد أن تعاكس ألمانيا شريكها الإمبريالي الأكبر. لذا سلّمته إلى بلده.

عمليّة أمنيّة أم استعراض إعلامي؟
أثناء عمليّات المداهمة كالتي ذكرنا اعتادت الشّرطة أن تصطحب معها صحفيّين تنتقيهم بعناية فائقة لكنّهم لايكونون على بيّنة بالتّفاصيل مسبقا. وأثناء الحملة على تنظيم “مواطنوالرّايخ” كان الوضع مختلفا شديد الاختلاف وقد دُعيت عديد الصّحف والقنوات التّلفزيّة إلى المشاركة في الحملة. وفي أروقة البرلمان كانت مئات الشّخصيّات قد علمت بالعمليّة الّتي ستنفّذ. وفعلا كان ممثّلووسائل الإعلام حاضرين في المائة وخمسين موقعا الّتي وقع تفتيشها.
إنّه لجليّ أنّ مثل هذا السّلوك المتّبع قد سمح كذلك لعديد الإرهابيّين من اليمين المتطرّف بأن يعلموا بالعمليّة قبل وقوعها وبأن يزيلوا الموادّ الّتي تعرّضهم للخطر كما هو حال العقيد إيدر.

السّؤال هو كالآتي: بم كان الأمر يتعلّق فعلا؟ هل كان يتعلّق بضربة موجعة سُدّدت إلى الحركة المرتبطة بإرهاب اليمين المتطرّف أم كانت الحكومة تريد إنجازتحقيق صحفي رائع لتثبت للجمهور، بكلّ فخر واعتزاز، أنّ الدّولة الألمانيّة تقاوم بكلّ حزم اليمين المتطرّف؟
في الحقيقة كيف نستطيع أن نصدّق شخصا مثل المستشارأولف شولز الّذي يستقبل” الحكومة الجديدة الّتي يقودها الفاشيّون في إيطاليا”، والّذي يتعامل مع العربيّة السّعوديّة وقطر والدّكتاتور أردوغان أنّه يقاوم نازيّي اليمين المتطرّف مقاومة فعليّة؟

لاثقة إطلاقا في هذه الدّولة !
تكشف التّجربة المكتسبة منذ تأسيس جمهوريّة ألمانيا الفيدراليّة أنّنا لانستطيع أن نثق إطلاقا في هذه الدّولة. فقد بناها النّازيّون الّذين كانوا يتقلّدون مسؤوليّات في أجهزتها وقد تمكّنت القوى الفاشيّة من النموّ والازدهارفي ظلّها. وقد ظلّ الوضع على حاله إلى يوم النّاس هذا كما تثبت ذلك عديد المجموعات الإرهابيّة لليمين المتطرّف في السّنوات الأخيرة، وكذلك الأحداث الغريبة الّتي رافقت حاليّا عمليّة مداهمة”مواطنوالرايخ”.
إنّ مقاومة الفاشيّة والرّجعيّة يجب أن تعتمد على الطّبقة العاملة والشّعب !إنّنا لانستطيع أن نقاوم مقاومة فعّالة الانحراف اليميني لجمهوريّة ألمانيا الفيدراليّة وجهاز الدّولة إلاّضمن جبهة قويّة تضمّ كلّ القوى المناهضة للفاشيّة.

الهــــــــــوامش:
1) كونراد أدوناور(1876-1967Konrad Adenawer) أوّل مستشارألماني فيدرالي لجمهوريّة ألمانيا الفيدراليّة من سنة 1949إلى سنة1963. وقد كان وراء نهضة ألمانيا واندماجها في الفضاء الأطلسي الأروبي.
2) كفور(Kfor-Kosovo Force) هي قوّة مسلّحة متعدّدة الجنسيّات ركّزها حلف شمال الأطلس في كوسوفو لتحقيق محيط آمن وضمان حريّة التّنقّل.
3) حلف شمال الأطلس(OTAN –organisation du traité de l’atlantique du nord) منظّمة عسكريّة للتّعاون المتبادل بين الدّول الغربيّة والتّصدّي لأيّ عدوان يطال إحداها. وقد تأسّس هذا الحلف في أفريل 1949 وظلّ، لعدّة سنوات، يواجه حلف فرسوفيا الّذي تفكّك مع تفكّك المعسكر الاشتراكي.
« Citoyens du Reich » :gros coup defilet ou opération médiatique ?

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

أربعة × 5 =

إلى الأعلى