الرئيسية / صوت الوطن / الذكرى 71 لاغتيال حشاد : الاتّحاد في مواجهة محاولة اغتيال رمزي جديدة
الذكرى 71 لاغتيال حشاد : الاتّحاد في مواجهة محاولة اغتيال رمزي جديدة

الذكرى 71 لاغتيال حشاد : الاتّحاد في مواجهة محاولة اغتيال رمزي جديدة

حبيب الزموري

يستعدّ النقابيات والنقابيون في تونس لإحياء الذكرى 71 لاغتيال الزعيم النقابي والوطني فرحات حشاد في ظرفية تُعتبر دون مبالغة من أقسى الظرفيات التي مرّت على الاتحاد العام التونسي للشغل طيلة تاريخه نظرا للأزمة الشاملة التي تردّت فيها البلاد والتي ما فتئت تتفاقم ونظرا كذلك للوضع النقابي الداخلي للاتحاد العام التونسي للشغل.

فمن زاوية تداعيات الوضع العام بالبلاد على المنظمة الشغيلة، فإنّ هذه الأخيرة وجدت نفسها مرّة أخرى محصورة في دور جدار الصّد لغضب واحتقان مئات الآلاف من الشغّالين بالفكر والساعد الذي كان من المفترض أن يتوجّه مباشرة ضدّ السلطة، المسؤول الرئيسي عن الأزمة والمتسبّب الأوّل في انهيار مقدرتهم الشرائية وتدهور ظروف عيشهم. وقد لعبت السلطة الحاكمة بمختلف منظوماتها منذ 2011 على تغذية هذا الدور الذي يلعبه الاتحاد العام التونسي للشغل كممتصّ للصدمات الاجتماعية وحتى السياسية في بعض المراحل دون أن تنتبه القيادة النقابية إلى خطورة هذا الدور لا سيّما في مواجهة قواعدها التي تعتبر المتضرر الأكبر من سياسات مختلف من مرّ على السلطة وآخرهم قيس سعيد، وتركزت عملية ضرب الاتحاد وإلهائه عن لعب دوره الاجتماعي والسياسي الحقيقي على ثلاث واجهات رئيسية :

1. ضرب المصداقية التفاوضية للاتحاد العام التونسي للشغل عبر تعطيل عملية الحوار الاجتماعي وتسريحها وفق نسق مدروس يُفرغ عملية التفاوض والاتفاقيات المبرمة من محتواها ليجد الاتحاد نفسه غارقا في دائرة مفرغة من التفاوض لإبرام الاتفاقيات والعودة إلى التفاوض لتفعيل تلك الاتفاقيات وهو ما كان له انعكاسات وخيمة على مصداقية الهياكل النقابية أمام منظوريها.

2. عملية قصف دعائي وإعلامي بالإشاعات والأخبار الزائفة فهو “سبب خراب البلاد” و”بؤرة للفساد” و”وكر للتطرف اليساري”، الخ. حملات، لم يسبق لها مثيل حتى في ذروة الأزمة مع السلطة في جانفي 1978، تعرّض لها النقابيون والنقابيات منذ 2011 وتواصلت حتى بعد انقلاب 25 جويلية 2021 رغم مساندة قيادة الاتحاد في البداية للمسار الانقلابي الذي دشّنه قيس سعيد. وقد اتّخذت عملية تهرئة الاتحاد أبعادا جديدة مع قيس سعيّد الذي يسعى جاهدا إلى سحب البساط تماما من تحت أقدام المنظمة وإعلان نفسه الزعيم الملهم والأب الروحي للطبقة العاملة، الذي لا يحتاج إلى وسيط بينه وبينها، وقد وصل به الأمر إلى التصريح علنا بأنّ الدولة لا تدار بالاتفاقيات (في إشارة إلى الاتفاقيات المبرمة بين الاتحاد والحكومة) بل بالقوانين.

3. عملية اختراق لهياكل الاتحاد لا تختلف عن سابقاتها في عهد النهضة وما قبلها سوى في عمقها حيث تمكّن الطابور الخامس النقابي الملتحق بمسار سعيّد من احتلال مواقع متقدمة في الهياكل النقابية وتمكّن من إرباكها في علاقة بالموقف من السلطة، وحتى في اللحظات التي تعرّض فيها النقابيون للإيقافات والسّجن والطرد من العمل بقيت سلطات القرار داخل المنظمة متردّدة مكبلة بالخوف على الوحدة النقابية المزعومة.
لقد سعت كلّ الأحزاب الحاكمة منذ 2011 إلى رمي القنبلة الاقتصادية والاجتماعية في بطحاء محمد علي لتنفجر في وجه الاتحاد العام التونسي للشغل. ولكن الوضع يختلف مع قيس سعيد الذي يسعى إلى إلغاء الدور الاجتماعي والسياسي للاتحاد تماما في سياق رؤيته للحكم القائمة على إلغاء كافة الوسائط السياسية والمدنية بين الدولة والمجتمع وبما أنّ الدولة تتجسد في شخصه فإننا نجد أنفسنا في مواجهة نسخة فاشية جديدة تقتبس رؤيتها من مقولات الفاشية الكلاسيكية “فكل شيء يوجد ضمن الدولة ولا يوجد أيّ نشاط بشري خارجها. فلا المجموعات : أحزاب سياسية، جمعيات، نقابات، طبقات… يمكن لهم الوجود خارج الدولة… وتجاهل وحدة الدولة التي تصهر الطبقات في كتلة اقتصادية وروحية واحدة، ولنفس الأسباب تعادي الفاشية الحركة النقابية” (موسوليني : مذهب الفاشية 1930) إنّ هذا التجانس الخطير بين خطاب قيس سعيد وخطاب أحد رموز الفاشية في القرن العشرين حول تقديس الدولة وفرض هيمنتها المطلقة على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ليس محض صدفة بل يحمل في طيّاته مشروعا فاشيّا بصدد التشكّل ويقف الاتحاد العام التونسي للشغل في الصفّ الأول في مرمى نيران هذا المشروع رغم سعي قيادة الاتحاد إلى تأجيل الحسم في العلاقة بهذا المشروع الخطير على مستقبل البلاد بحجّة أنّ الوضع العام للبلاد لا يحتمل الصّدام مع السلطة القائمة وأنّ المواجهة مع السلطة ستكون ضريبتها باهظة على الطبقات الشعبيّة وستعصف بالمفاوضات الاجتماعية رغم تلاعب السلطة بشكلها ومحتواها.

لكن السبب الحقيقي لعدم فكّ الارتباط بالسلطة القائمة من قِبل سلطات القرار داخل الاتحاد رغم تتالي الضّربات هو الوضع الداخلي للمنظمة الشّغيلة المثخن بتداعيات الأدوار التي لعبها منذ 2011 والتي لم تخضع للتقييم الموضوعي داخل الأطر النقابيّة وبتداعيات المؤتمر الوطني الأخير والخشية كل الخشية أن تجد قيادة الاتحاد نفسها قيادةً دون قواعد لا سيّما أنّ المحطات الأخيرة، سواء في علاقة بالإضراب العام الأخير في القطاع العام أو في علاقة بدعم القضية الفلسطينية أو غيرها من الإضرابات القطاعية، قد كشفت تراجعا في القدرة على التّعبئة كما كشفت ضعف الرّوح النضالية داخل هياكل الاتحاد.

إنّ إحياء ذكرى اغتيال الزعيم النقابي والوطني والمؤسّس فرحات حشاد هذه السّنة لا ينبغي أن تمرّ كغيرها من الاحتفاليات الماضية التي لم يتورّع رموز السلطة، بمن فيهم قيس سعيد، عن توظيفها والرّكوب عليها، لا بدّ أن يستعيد النقابيّون والنقابيات ذكرى زعيمهم شكلا ومضمونا :

– فلا مجال لحضور من لا يتورّع عن ضرب الاتحاد تلميحا أو تصريحا لفعاليات إحياء الذكرى لترويج صورة إعلامية سوقيّة.

– لا مجال لخنق الذكرى في أطر بروتوكولية، لا بدّ من إعادة الزعيم في ذكرى اغتياله إلى حاضنته الشعبية والوطنية وليس النقابية فحسب.
– لا بدّ من إعادة الاعتبار للقيم النقابية والوطنية التي استشهد في سبيلها فرحات حشاد في ظرفية طغت فيها قيم اليأس والإحباط والشك في المسؤولية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل.
– التسلح بقيم التضحية ونكران الذات والمثابرة التي ميّزت مسيرة فرحات حشاد في مواجهة جبروت الاستعمار ورأس المال والتسلّح بها في مواجهة المدّ الفاشي الذي يهدّد الأخضر واليابس في بلادنا.

فلتكن الذكرى الــ 71 فرصة لبعث روح ونفَس جديدين في هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل وفي صدور مناضلاته ومناضليه لخلع التردّد والإحباط الذي يكبّلهم في مواجهة أعداء الطبقة العاملة والثّورة المسروقة من الرجعيّين والشعوبيّين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

2 × اثنان =

إلى الأعلى