الرئيسية / صوت الوطن / المرسوم عدد 54 لسنة 2022 : نصّ لا دستوري وزجري ومعاد لحرية التعبير
المرسوم عدد 54 لسنة 2022 : نصّ لا دستوري وزجري ومعاد لحرية التعبير

المرسوم عدد 54 لسنة 2022 : نصّ لا دستوري وزجري ومعاد لحرية التعبير

الأستاذ محمود مطير

عوّض المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المؤرخ في 13 سبتمبر 2022 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتّصلة بأنظمة المعلومات والاتصال أحكام الفصلين 199 مكرر و199 ثالثا من المجلة الجزائية.

ويمثّل الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر2021 المرجع القانوني لهذا المرسوم. وقد حصل إجماع على أنّ هذا الأمر لا دستوري وعلى هذا الأساس فإنّ المرسوم عدد 54 يعتبر بدوره غير دستوري.
وقد ورد هذا المرسوم في 38 فصلا ضمن أربعة أبواب، تعلق الباب الرابع منه بتعداد الجرائم وعقوباتها ويتضح بمجرد قراءة النص أنه نص زجري إذ وسّع في ميدان الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال وشدد العقوبات لمرتكبيها.

وأخيرا تبين لنا أنّ الفصل 24 من المرسوم الذي أثار ضجة كبيرة في البلاد يبدو معاد لحرية التعبير نظرا لكونه ضبط عقوبة شديدة لجرائم تبدو بسيطة.

1. اتخذ رئيس الجمهورية بتاريخ 25 جويلية 2021 جملة من القرارات اعتمادا على أحكام الفصل 80 من الدستور.
وتمثلت أهم القرارات المتخذة بتاريخ 25 جويلية 2021 والتي تم تجسيمها بالأمر عدد 117 لسنة 2021 بتاريخ 22 سبتمبر 2021 يتعلق بتدابير استثنائية في :
– تجميد أعمال مجلس نواب الشعب وقيام رئيس الجمهورية بدور المشرّع عن طريق المراسيم.
– إقالة رئيس الحكومة وتولي رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية كاملة وذلك بتعيين رئيس حكومة جديد وحكومة جديدة تحت إمرة رئيس الجمهورية.
نلاحظ أنّ الأحكام الواردة بالأمر المذكور تمثل تنظيما للسلط العمومية وهي بالتالي بمثابة الدستور المؤقت في فترة الإجراءات الاستثنائية بما أنّ هذا الأمر يضبط المهام التشريعية التي ترجع لرئيس الدولة عبر المراسيم ومهام السلطة التنفيذية التي يمارسها أيضا رئيس الدولة.
صدر الأمر المذكور في ظل دستور 2014 بعد أن تم تجميد مجلس نواب الشعب المنتخب سنة 2019 وقد ألغى الأمر أغلب أحكام الدستور وحل محله وبالتالي فإنّ هذا الأمر نص لا دستوري باعتباره خرق القواعد الدستورية السارية المفعول آنذاك وتجاوزها.
وقد تأسس المرسوم عدد54 لسنة 2022 على أحكام الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر2021 المشار إليه أعلاه وبما أنّ هذا الأمر نص لا دستوري فإنّ المرسوم عدد 54 يصبح بدوره بالضرورة لا دستوريا.

2. ألغى المرسوم عدد 54 لسنة 2022 الفصلين 199 مكرر و199 ثالثا من المجلة الجزائية وهما فصلان يتعلقان بنفس الموضوع أي زجر الجرائم السيبرنية أو المعلوماتية الذين أقرهما المشرع منذ سنة 1999 غير أنّ المرسوم وسّع ميدان التجريم وشدّد العقوبات.
ومن هذا المنطلق يعتبر المرسوم زجريا بمعنى أنه لم يكن له هدف معالجة إشكاليات تتعلق بميدان قطاع اقتصادي مهم بقدر ما كان هدفه الزجر والعقاب فالمجلة الجزائية في فصليها المذكورين آنفا وإن كانت بدورها زجرية إلا أنها اقتصرت على معاقبة الجرائم التالية فحسب :
– النفاذ أو البقاء بصفة غير شرعية بكامل أو بجزء من نظام البرمجيات والبيانات المعلوماتية.
– إفساد أو تدمير البيانات الموجودة بالنظام المذكور عن قصد أو غير قصد.
– إدخال بيانات بنظام معالجات معلوماتية بصفة غير شرعية من شأنها إفساد البيانات التي يحتوي عليها البرنامج.
– إدخال تغيير على محتوى وثائق معلوماتية أو الكترونية أصلها صحيح شريطة حصول ضرر للغير كمسك أو استعمال عن قصد الوثائق المذكورة.
وتتراوح العقوبة بين شهرين وخمسة أعوام سجنا وخطية من ألف إلى خمسة آلاف دينار مع إمكانية مضاعفة هذه العقوبة في بعض الحالات.
أمّا المرسوم عدد 54 فقد تضمّن جرائم متعددة تتمثل خاصة في :
– تعمد النفاذ أو البقاء بدون وجه حق لكامل نظام معلومات أو جزء منه.
– تعمد بدون وجه حق إنتاج أو بيع أو توريد أو توزيع أو توفير أو عرض أو الحصول أو حيازة جهاز أو برنامج معلوماتي صمّم أو طوّع بغرض ارتكاب الجرائم المنصوص عليها بالمرسوم أو كلمة عبور أو نفاذ أو أيّ بيانات معلوماتية مماثلة تمكّن من النفاذ إلى كامل نظام معلومات أو جزء منه بغرض ارتكاب الجرائم المنصوص عليها بالمرسوم.
– تعمد بدون وجه حق استخدام وسائل تقنية لاعتراض بيانات اتصال بمناسبة إرسال غير موجه للعموم داخل نظام معلومات أو انطلاقا منه أو في اتجاهه.
– تعمد بدون وجه حق إعاقة عمل نظام معلومات بإدخال بيانات معلوماتية أو إرسالها أو إلحاق ضرر بها أو تغييرها أو فسخها أو إلغائها أو تدميرها.
– تعمد بدون وجه حق إعاقة عمل نظام معلومات بإدخال بيانات معلوماتية أو إرسالها أو إلحاق ضرر بها أو تغييرها أو فسخها أو إلغائها أو تدميرها أو باستعمال أيّ وسيلة الكترونية أخرى.
– تعمد اختلاس بيانات معلوماتية على ملك الغير.
– تعمد إلحاق الضرر بالذمة المالية للغير بإدخال بيانات معلوماتية أو تغييرها أو فسخها أو إلغائها أو بالاعتداء بأيّ وجه كان على نظام معلومات قاصدا بذلك الحصول على منافع مادية أو اقتصادية لنفسه أو لغيره.
– تعمد ارتكاب تدليس من شأنه إلحاق ضرر وذلك بإدخال بيانات معلوماتية أو تغييرها أو فسخها أو إلغائها و ترتب عن هذا التدليس إنشاء بيانات غير صحيحة قصد اعتمادها كما لو كانت صحيحة.
– تعمد استعمال الشبكات وأنظمة معلومات واتصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال أو إعداد أخبار و بيانات أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبا للغير بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بثّ الرعب بين السكان.
– تعمد استعمال أنظمة معلومات لنشر أو إشاعة أخبار أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو بيانات تتضمن معطيات شخصية أو نسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته أو الإضرار به ماديا و معنويا أو التحريض على الاعتداء عليه أو الحث على خطاب الكراهية.
– استعمال منظومة معلومات لانتهاك حقوق النشر.
وتتراوح العقوبة من شهر إلى ستة أعوام سجنا وخطية تتراوح بين 10.000,000د و 50.000,000د وفي كل الحالات المحاولة موجبة لنفس عقاب الجريمة المنصوص عليها بالمرسوم.

كما تسحب العقوبات المالية التي ينص عليها المرسوم على الذوات المعنوية ويكون العقاب بخطية تساوي خمس مرات قيمة الخطية المستوجبة للذوات الطبيعية. كما يمكن للمحكمة أن تقضي بحرمان الذات المعنوية من مباشرة نشاطها لمدة تصل خمسة أعوام وأن تقضي بحلها. ولا يمنع ذلك من توسيع العقوبات على ممثلي الذوات المعنوية المقررة بالمرسوم على ممثلي الذوات المعنوية أو مسيريها الذين ثبتت مسؤوليتهم الشخصية عن الأفعال المستوجبة لها.

3. وقد أثار الفصل 24 من المرسوم عدد 54 بصفة خاصة اهتمام الرأي العام التونسي كما أثار جدلا واسعا في الأوساط الحقوقية باعتباره نصا يهدد حرية التعبير.
وقد نص هذا الفصل على عقوبة بالسجن مدة خمسة أعوام وخطية قدرها 50.000,000د لكلّ من ارتكب إحدى الجريمتين التاليتين :
– تعمد استعمال الشبكات وأنظمة معلومات واتصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال أو إعداد أخبار وبيانات أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبا للغير بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان.
– تعمد استعمال أنظمة معلومات لنشر أو إشاعة أخبار أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو بيانات تتضمن معطيات شخصية أو نسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته أو الإضرار به ماديا ومعنويا أو التحريض على الاعتداء عليه أو الحث على خطاب الكراهية.

هذا النص كان سببا مباشرا لتتبع عديد الناشطين السياسيين والصحافيين والحقوقيين لمجرّد نشر تدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي دون أن يمثل ذلك أيّ خطر على الأمن العام أو أيّ ضرر بالغير لذا تمّ اعتبار الفصل 24 من المرسوم بصورة خاصة نصا معاد لحرية التعبير.
والمفروض أنّ الجرائم المنصوص عليها صلب الفصل 24 من المرسوم عدد 54 تقع تحت طائلة المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.
وقد طالبت الأحزاب والمنظمات وجمعيات عدة بإلغاء المرسوم عدد 54 وخاصة الفصل 24 منه نظرا لما يمثله من خطورة وتهديد للحرية لكن تبدو تلبية هذا المطلب بعيدة المنال ذلك أنّ هذا المرسوم يمثل آلية مهمة في خدمة السلطة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×