الرئيسية / صوت الوطن / الشعبوية خطوة متقدّمة في إجهاض المسار الثوري
الشعبوية خطوة متقدّمة في إجهاض المسار الثوري

الشعبوية خطوة متقدّمة في إجهاض المسار الثوري

علي البعزاوي

يقال أنه جاء من خارج “السيستام” وأنه سينتصر لقضايا الشعب والبلاد وأنه الشخص النظيف الذي لم يتلوّث بغبار الأحزاب الباحثة عن المواقع والغنائم وأنه سيحارب الفساد والفاسدين ويدكّ حصون النهضة الظلامية ويطهّر البلاد من براثن “العشرية السوداء”!!

 هذه السّردية جلبت له طيفا واسعا من المساندين، من الأحزاب والمنظمات والأفراد والفعاليات، التي عبّرت عن الولاء والتأييد “للمنقذ” الجديد للبلاد لكنها تقلّصت وتراجعت مع مرور الوقت على وقع ما حصل ويحصل في البلاد من اعتداءٍ على الحريات وعلى استقلالية الهيئات الانتخابية والقضائية وغيرها وعلى وقع ما وقع تكريسه من سياسات لاشعبيّة ولاوطنية خادمة لمصالح كبار البورجوازيين وكبرى الشركات والمؤسّسات الاستعمارية، ترجمتْها ميزانيات التقشّف والتجويع بدءً بميزانية 2022 وانتهاء بالمشروع المقدّم حاليا على أنظار مجلس نواب الرئيس، مرورا بميزانية 2023. علما وأن كل هذه الميزانيات لم تغلق في إبّانها وتطلّب الأمر ميزانيات تكميلية لسدّ الثغرات الناجمة عن تعطْل تدفّق القروض الأجنبية.

من أي زاوية نحكم على المشروع الشّعبوي؟

لم ننخدع، نحن في حزب العمال، بالشعارات المرفوعة إيمانا منّا بأنّ التقييم والحكم على من هم في السلطة، إيجابا أو سلبا، رهين الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات والبرامج التي ينتهجونها ويكرّسونها على أرض الواقع. كنا مقتنعين منذ البداية بأن الصراع الإخواني الشعبوي انطلق حول الصلاحيات والنفوذ واحتكار السلطة وليس حول البرامج والسياسات، قبل أن يمرّ إلى معركة كسر العظام التي انتهت بانقلاب 25 جويلية الذي اعتبرناه في الإبّان انقلابا على المسار الثوري وعلى المكتسبات التي حقّقها الشعب التونسي بالنضال والتضحيات وقوافل الشهداء والجرحى. هذا النضال الذي استمرّ دون توقّف ولو بحالات مختلفة من الصعود والتراجع حتى عشيّة الانقلاب عندما استغلّ الرئيس قيس سعيد تلك الاحتجاجات للإعلان على إجراءاته الاستثنائية، وقام بتجميد نشاط مجلس نواب الشعب ثم حلّ حكومة المشيشي سيئة الذكر، هذه الحكومة التي اختار قيس سعيد رئيسها الذي انقلب عليه وخيّر التعامل مع الأغلبية البرلمانية بقيادة حركة النهضة.

إن أولى الإجراءات التي اتّخذها المنقلب هي التنكر للقانون 39 المتعلّق بتشغيل المعطلين من حملة الشهادات العليا الذي سنّه البرلمان السابق بحساباتٍ ووقّع عليه الرئيس نفسه. وشكّلت ميزانية 2022 مؤشّرا جدّيا وحاسما كون نفس الخيارات والسياسات ستتواصل وأن المطلوب من خلالها تحميل الشعب التونسي بكل طبقاته وفئاته تبعات الأزمة الخانقة التي هي في الجوهر أزمة خيارات وأنه لا حلول جديّة لقضايا الشعب والبلاد في ظل الحكم الشعبوي الذي لا يختلف من حيث التوجّهات العامة والسياسات عن المنظومات التي حكمت قبله.

السّعي المحموم لغلق قوس الثورة!!

لقد تعمّقت جراح الشعب التونسي جرّاء الخيارات والقوانين الجائرة من خلال المواصلة في رفع الدعم عن المحروقات والمواد الحياتية من غذاءٍ ودواءٍ وغيرها وتجميد الأجور ودهورة الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وبيئة… هذا إلى جانب اختلال التوازنات المالية جرّاء التوريد العشوائي وشحّ السّيولة المالية وعدم القدرة على تعبئة الموارد في ظلّ الرّكود الاقتصادي وتراجع نِسب النمو وخلق الثروة.

كل منظومات الإنتاج تعطّلت واصبح الحل رهين الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي يسمح للحكومة بتوريد الحاجيات الأساسية، التي لم تعد تنتج وطنيا، من سميد وقمح وسكر وزيت نباتي وحليب وعلف وغيرها. فانتقلنا من أزمة السيولة المالية إلى أزمة أخطر وهي أزمة شحّ وندرة المواد الحياتية الاساسية التي يمكن أن تتطور نحو المجاعة والفوضى. لقد أصبح التونسيات والتونسيون يعيشون على وقع الطوابير الطويلة أمام المغازات والمخابز للحصول على مواد العيش المفقودة أو التي ترِد بكمّيات لا تفي بالحاجة نتيجة عدم القدرة على توريد الكمْيات الضرورية المطلوبة.

في مثل هذه الظروف وبدل الانفتاح على المنظمات الوطنية والأحزاب التي لم ترفض الانقلاب ودعت إلى حوار وطني ظنًّا منها أن الحوار الوطني يساعد على بلورة الحلول الدّنيا الممكنة برسم مسارٍ تشاركيّ جديد يُخرج البلاد من أزمتها، مارست الشعبوية سياسة في والهروب إلى الأمام ومضت بالسرعة القصوى في الإعداد لإرساء مؤسسات الحكم الشعبوي الاستبدادي الجديدة ووقع الزج بعديد المعارضين في السجن (قضية التآمر على أمن الدولة) وحوصرت الجمعيات والمنظمات المستقلة وحوكم عديد الصحافيين والمحامين والنقابّيين والنشطاء في اعتداءٍ صارخ على حرّية النشاط والتعبير التي فرضتها ثورة الشعب التونسي كأحد أهم المكاسب المحقّقة.

لقد بات واضحا لكل ذي عقل أن الشعبوية لا تبحث عن حلول للأزمة العميقة والشاملة التي ضربت البلاد ولا عن معالجة الإشكاليات التي فشلت في حلها الحكومات السابقة وفي مقدمتها إرساء اقتصاد منتج للثروة وذا قدرة تشغيلية عالية وإرساء منظومات صحية وتربوية وبيئية تلبي الأدنى من حاجيات الأغلبية الشعبية إلى جانب معالجة ملفات الاغتيالات والتسفير إلى بؤر التوتر والاقتصاد الموازي المرتبط بالإرهاب وتكريس الديمقراطية وتوسيعها حتى تستفيد منها الأغلبية الشعبية.

لقد جاءت الشعبوية إلى الحكم لتكرّس مصالح البورجوازية الكمبرادورية على حساب مصالح الأغلبية الشعبية وتواصل في نفس الخيارات القديمة التي ثار ضدها الشعب التونسي سواء في عهد بن علي أو في ظل حكم الترويكا وحكومة النهضة/النداء وحكومتي الفخفاخ والمشيشي التي تشترك جميعها في انتهاج نفس الخيارات والسياسات النيوليبرالية المُملاة من صندوق النقد الدولي ومن القوى الاستعمارية التي تهيمن على بلادنا والتي دعّمت سياسة “الانتقال الديمقراطي” مقابل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في بلادنا.

الديمقراطية الليبرالية الشكلية المأزومة التي تكرست بعد 2011 لم تعد مُجدية وباتت مرفوضة من قبل اللوبيات والأقليات الأكثر ثراء والأجهزة المرتبطة بها ومطلوب رأسها قبل ان تتهيأ الظروف الموضوعية والذاتية للمرور إلى ديمقراطية شعبية تنسف وبلا رٍججعة منظومات العمالة والاستغلال والفساد. والشعبوية هي رأس حربة هذا المشروع وقائدته من أجل تصفية كل المكاسب والعودة بالبلاد إلى مربّع الاستبداد وخدمة مصالح البورجوازية الكبيرة العميلة وداعميها من القوى والمؤسسات الامبريالية بقشرةٍ وشكلٍ جديدين للسلطة، يشكّلان البناء القاعدي الشعبوي الاستبدادي على شاكلة اللجان الشعبية “القذّافية”.

لقد عاش المسار الثوري في تونس على وقع صراع دام بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة من 2011 إلى اليوم، وهو يعيش في الفترة الحالية إحدى حلقاته التي يبدو من خلالها أن الكفة راجحة لصالح الثورة المضادة بقيادة الشعبوية المسنودة من الأجهزة الصّلبة ومن الدولة العميقة، رغم أن الصراع لم يُحسم نهائيا لصالحها خاصة وأنها تغرق في وحل الأزمة العميقة والشاملة التي ربّما تعيد قوى الثورة والتقدّم إلى موقع الهجوم وتعديل موازين القوى لصالحها ولصالح الشعب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×