الرئيسية / صوت العالم / هل تغيّرت التناقضات الأساسية لعصرنا؟
هل تغيّرت التناقضات الأساسية لعصرنا؟

هل تغيّرت التناقضات الأساسية لعصرنا؟

مرتضى العبيدي

ما تزال التناقضات الأساسية للرأسمالية التي حددتها الماركسية اللينينيّة منذ قرابة القرن قائمة : التناقض بين رأس المال والعمل، التناقض بين الشّعوب والأمم المضطهدة والإمبريالية، والتناقض بين البرجوازيات، والاحتكارات ومختلف القوى الإمبريالية فيما بينها.

التّناقض بين رأس المال والعمل
إنّ علاقات الإنتاج الرأسمالية التي تؤدّي إلى استغلال عمل الآخرين هي نفسها التي تجعل التّراكم الرأسمالي ممكنًا، وهي التي تؤدّي إلى ظهور الطبقات الاجتماعية الأساسية: الطبقة العاملة والبرجوازية. ففي مختلف أنحاء العالم، يتمّ استغلال الملايين من العمّال في جميع فروع الاقتصاد، بأجور بالكاد تكفي للبقاء على قيد الحياة، بينما تعمل الغالبية العظمى في ظروف أسوأ، في القطاع غير المهيكل.

ففي الولايات المتحدة، تحقق محاصيل الولايات الجنوبية إنتاجية عالية وحجمًا كبيرا بفضل عمل ملايين العمال الموسميّين الذين يصلون من المكسيك لتلقّي أجور الفقر والتي، إلى جانب ارتفاع أسعار المنتجات الحاصلة، توفر لأصحاب رأس المال فائض القيمة، فيتمكّنون من تجميع ثروة هائلة.

كما تتمتّع روسيا، والصّين بشكل أساسي، وكذلك الشركات الموجودة في البلدان المسماة بـ”النمور الآسيوية” بقدرة تنافسية قوية لمنتجاتها على أساس ظروف العمل غير الإنسانية لعمال شركاتهم، مع ساعات عمل تمتدّ على كامل أيام الأسبوع، بأكثر من ثماني ساعات لليوم وبأجور منخفضة للغاية.

إنّ تراكم الثروة من قبل أباطرة المليارديرات ممكن فقط بسبب معاناة الملايين والملايين من العمال في جميع أنحاء العالم. إذ بلغت ثروة أغنى مائتي شخص على هذا الكوكب، في شهر أفريل 2022 مبلغ 5.48 تريليون دولار، وهو مبلغ يساوي الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا اللاتينية بأكملها والذي يبلغ 5.42 تريليون دولار، والذي يصل إلى هذا المستوى بفضل جهود 667 مليون شخص يسكنون هذه الأراضي. إنّ الفجوة بين مالكي رأس المال والعمال، تصل إلى مستوى من الضّخامة بحيث يصعب تخيّلها، وهي تظهر قدرة الرأسمالية على توليد عدم المساواة. بينما 13.8٪ من سكّان أمريكا اللاتينية، أي أكثر من 92 مليون شخص، و1.3 مليار في العالم، يكافحون ضدّ الفقر، بدولار أو أقل في اليوم.

هذه اللامساواة الهائلة، المميزة للرأسمالية، والتي يمكن التحقق منها في جميع أنحاء العالم، هي مجال خصب للاستياء الذي يتم التعبير عنه في ردود الفعل الشعبية الهامة في أجزاء كثيرة من العالم، حيث يشتد الصراع الطبقي ويظهر في الإضرابات العمالية في جميع القارات، وفي المسيرات النسائية، وفي مطالب السكان الأصليين، وفي نضال الشباب من أجل الدفاع عن الطبيعة.

شعوب ضد الإمبريالية
كما تقوم الاحتكارات مع حكوماتها، بالإضافة إلى استغلال عمالها، باستغلال الموارد الطبيعية لبقية البلدان التي تربطها بها علاقة هيمنة بفضل الضغوط السياسية التي من بينها شروط الإقراض التي تؤثر بحدّة على البلدان التابعة، لدرجة المساس بسيادتها. إذ يبلغ الدين الخارجي للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط 8.7 تريليون دولار.
إنّ صراع الاحتكارات على الأسواق له تأثير قوي على القرارات السياسية لجميع البلدان التي تضغط عليها للحصول على امتيازات اقتصادية، مما يؤدي في النهاية إلى إلحاق الضرر بالسكان. تؤثر بلدان ما يسمى بـ “العالم الأول” على مصالح واقتصاد البلدان الأخرى، وتعيد إنتاج التفاوتات وتُفاقمها في البلدان التي، تصدر المواد الخام بأسعار منخفضة ثم تستورد الشوكولاتة والمنتجات المصنّعة في مختبرات متطورة، بأسعار مرتفعة جدا، فتعمّق بذلك التبعية.
كما تتعرّض الطبيعة إلى الاستغلال المفرط، لدرجة أنها لم تعد قادرة على الاستجابة لمستوى الاستهلاك الذي تتطلّبه الرأسمالية. فتغيّر المناخ على كوكب الأرض هو نتيجة لذلك، بينما تؤثّر هذه التغيّرات على المستوى القطري على جودة المياه، والتصحّر ويُعدّ فقدان آلاف الهكتارات كلّ عام من غابات الأمازون مثلا مثالًا مؤلمًا على عملية تهديد الحياة على هذا الكوكب.

التناقضات بين القوى الإمبريالية
لكن الشره الإمبريالي يسبب توترات بين الدول الإمبريالية. فالحرب بين روسيا وأوكرانيا تندرج ضمن هذا الإطار، لكنها ليست الوحيدة، فإذا كانت تمثل التعبير المسلح على هذه الصراعات، فالصراعات الأخرى التي تجري في أجزاء مختلفة من العالم فهي تعبير بحدّة أقل على هذه التناقضات.
وفي خضمّ هذه الصراعات، تحافظ الولايات المتحدة، التي كانت في السابق القوة العظمى بلا منازع، على نفوذها من خلال قوتها العسكرية، لكنها في العقود الأخيرة فقدت نفوذها الاقتصادي لصالح الصين، التي أصبحت “مصنع العالم”، مما يقوض بشكل خطير قدرة الإمبرياليّات الأخرى على الحفاظ على مناطق نفوذها.
ففي عام 2021، صدرت الولايات المتحدة بما قيمته 2.52 تريليون دولار بينما صدرت الصين بما قيمته 6.14 تريليون دولار، وهذا البلد لديه فائض تجاري قدره 685.470 مليون دولار، في حين أنّ الولايات المتّحدة لديها عجز قدره 859.100 مليون. وهذا يظهر أن الولايات المتحدة قد توقفت عن السيطرة التجارية على هذا الكوكب، ومع ذلك، ماتزال الإمبريالية الأمريكية هي العدوّ الرئيسي للشعوب.
إنّ حلف الناتو هو تعبير عن الاتّفاقات التي توصّلت إليها الإمبريالية للدفاع عن مصالحها وأسواقها والصّراع من أجل السيطرة على أسواق جديدة. إنّ كتلة الناتو، التي تضمّ الولايات المتحدة، تقف في وجه كتلة روسيا ـ الصين.
كل هذه المعطيات تؤكد كل يوم تواصل التناقضات الأساسية لعصرنا، وتؤكد أنّ الحاجة إلى تغيير اجتماعي عميق بات أمرا ملحّا.
عن صحيفة “إلى الأمام” (بتصرف)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×