الرئيسية / صوت العالم / جيوش المرتزقة، أدوات لتنفيذ سياسات الدول الإمبريالية
جيوش المرتزقة، أدوات لتنفيذ سياسات الدول الإمبريالية

جيوش المرتزقة، أدوات لتنفيذ سياسات الدول الإمبريالية

بقلم مرتضى العبيدي

خلال شهر جوان/يونيو 2023، أعلنت مجموعة فاغنر التمرّد على قيادة الجيش الروسي متهمة إياها بالبيروقراطية وبالتلكؤ في تزويد المجموعة بالعتاد اللازم لنشاطها في أوكرانيا، وسارع بوتين بالتدخل لتهدئة الوضع قبل أن يُنشر خبر وفاة قائد المجموعة Yevgeny Prigozhin في حادث طائرة. ووفر هذا الحدث فرصة للصحافة الغربية للتهجم على وجود مثل هذه الشركات الخاصة في المجال الأمني والعسكري، وكأن فاغنر هي الشركة الأولى في هذا القطاع.

لكن بالرجوع الى الوقائع، ومنذ ما يقرب من 20 عامًا، وتحديدا في شهر أفريل 2004، نتذكّر أن التلفزات بثت صورا من سجن أبو غريب في العراق في جميع أنحاء العالم، حيث كان الجنود الأمريكيون يعبّرون عن الفرح والسرور وهم يقفون بجانب أجساد السجناء العارية الذين، ظلوا مقنعين وموثوقين بأطواق من الحديد، مع أسلاك متصلة بأعضائهم التناسلية وكانوا محاطين بكلاب تهددهم. وكشف التحقيق في القضية أنه بالإضافة إلى أفراد من الجيش الأمريكي، كان يوجد بينهم موظفو “شركات عسكرية وأمنية خاصة”. وبعد ثلاث سنوات من هذا الحادث، وخلال إطلاق نار في بغداد، قتل خلاله 17 مدنيا عراقيا، اتضح أن “بلاك ووتر” (Blackwater)، وهي شركة عسكرية تستخدمها وزارة الدفاع الأمريكية، مسؤولة عن الحدث. وكان اسم “الشركات العسكرية والأمنية الخاصة” (EMSP) هو الشكل التجاري الذي تعمل تحت غطائه جيوش المرتزقة.
وقد جلب نشاط جيوش المرتزقة الانتباه في الأشهر الأخيرة بسبب الحادث السياسي العسكري الخطير بين الجيش الخاص بقيادة يفغيني بريغوزين (Yevgeny Prigozhin) وحكومة فلاديمير بوتين في روسيا. وتطلق الصحافة الغربية عند نقلها للأحداث على تصنيف قوات بريغوزين بالمرتزقة. أما الصحافة الروسية، فتتحدث دائمًا عن “مجموعة فاغنر” (Wagner). ومهما كان الاسم، فإننا أمام شركات خاصة تجعل من الحرب مجالا لنشاطها.
فمثلما توجد احتكارات كبيرة تصنع أسلحة من جميع الأنواع للحروب التي يمكن أن تدمّر البشرية، هناك أيضًا شركات توفر مقاتلين لمثل هذه الحروب. وتدعم بعض الدول الامبريالية هذه الشركات والقطاع الخاص عموما في هذه الحروب العدوانية، إن لقمع الانتفاضات الشعبية، أو لحماية عمل الشركات العابرة للأوطان في استغلال الموارد الطبيعية في البلدان التابعة. إنها أدوات للاحتكارات الخاصة الكبرى والدول الرأسمالية. وهي شركات تتصرّف في مليارات الدولارات، وهي مرتكزة في عدة بلدان.
إن جيش مرتزقة “فاغنر” هو الأكبر في روسيا، لكنه ليس الوحيد، إذ توجد أيضا “باتريوت” (Patriot)، “سلافونيك كوربس” (Slavonik Corps)، “بوتوك أو ريدوت” (Potok o REDUT) من بين الشركات التي شاركت في العديد من النزاعات المسلحة في مناطق قريبة من روسيا، وفي الشرق الأوسط وأفريقيا. كما أن وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويغو (Sergei Shoigu)، هو أيضًا جزء من هذا المشروع، وبالتالي فهو جزء من منافسة “فاغنر”؛ وهو يملك منظمة “باتريوت”، وهي منظمة أصغر بكثير من “فاغنر”، ولكنها تلعب أيضًا دورًا مهمًا في العمليات العسكرية الروسية. ويتنافس الإثنان على عقود الدولة. هذا من شأنه أن يفسر التناقضات والمعارك التي تمّ الإعلان عنها، وهو يظهر قبل كل شيء التناقضات الموجودة بين شرائح الأوليغرشية التي تنتمي لنفس دائرة السلطة مثل بوتين.
أمّا الدولة التي بها أكبر عدد من الجيوش المرتزقة فهي الولايات المتحدة حيث ولدت “بلاكووتر” (Blackwater)، الأشهر في العالم، والتي غيرت اسمها إلى “أكاديمي” (Academy) وهي الآن مكونة من عشر شركات صغيرة. ومهما كان حجم “فاغنر” كبيرا، فليس لديه القدرة القتالية والخبرة والانتشار مثل “بلاك ووتر”، التي ذهبت إلى العراق وأفغانستان والكثير من الأماكن في أفريقيا. وهي تتألف من محترفين مؤهلين تأهيلا عاليا يحلّون ويرحلون بموجب عقود ولا حسب النزاعات. وهم يرتبطون بوكالة المخابرات المركزية وأجهزة استخبارات أخرى، كما يشرح ذلك إغناسيو مونتيس دي أوكا (Ignacio Montes De Oca)، صحفي أرجنتيني متخصص في العلاقات الدولية.
ومن بين الشركات العسكرية والأمنية الخاصة الأخرى المعروفة في الولايات المتحدة، شركة “كيلوج براون آند روتس” (Kellog Brown & Roots)، “كيه بي آر” (KBR) المتفرعة عن “هاليبيرتون ” (Halliburton)، “دي بي إيه براون آند روتس سيرفيسز” (Brown & Roots Services) سابقًا؛ وقد عملت مع الجيش الأمريكي في أفغانستان وكرواتيا وكوسوفو والكويت والسعودية والصومال. أمّا DynCorp فهي شركة أخرى تصدرت عناوين الصحف بسبب أدائها، فقد سافرت إلى العراق لتدريب قوات الشرطة العراقية؛ كما قامت بتدريب القوات شبه العسكرية الكولومبية وأجرت تحقيقات ضد المنظمات المتمردة في هذا البلد. وبناءً على معلومات خاطئة قدمتها للدولة، قصفت القوات الجوية الكولومبية مناطق بأكملها ممّا تسبب في مقتل آلاف من السكان المدنيين.
عندما كانت DynCorp تعمل في البوسنة، كانت متورطة في فضيحة عبودية جنسية، واتهم بعض مرتزقتها باغتصاب وبيع وشراء الفتيات دون سن الثانية عشرة والاتجار غير المشروع بالأسلحة: ولم تتم مقاضاة أحد على هذه الجرائم. معظم هذه الشركات ركزت مقراتها في ولاية فرجينيا، أين يقع البانتاغون، أو نقلتها إلى ولايات قريبة مثل “نورث كارولينا” أو كاليفورنيا لتسهيل الأعمال.
إن تصرفات هذه المجموعات من المرتزقة تستجيب للسياسة الخارجية التي وضعتها دول القوى الرأسمالية. فهي تعزز عمل القوات العسكرية الرسمية عند الحاجة، وتقوم بأعمال عسكرية عندما تكون هنالك حاجة إلى إخفاء المشاركة الرسمية لبلد ما. فتسمح أفعالهم للحكومات بالتحايل على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وكذلك اللوائح المحلية. وهكذا تصبح الأعمال التي يتم تنفيذها، والجرائم المرتكبة، وانتهاكات حقوق الإنسان خارجة عن المسؤولية الرسمية للدول التي تتمركز فيها الجيوش الخاصة.
وتسمح لنا إحدى حلقات حرب البلقان بفهم ذلك جيدًا. ففي عام 1994، طلبت الحكومة الكرواتية من حكومة الولايات المتحدة مساعدتها على “تحديث قواتها المسلحة”. كانت الحكومة الأمريكية قد وافقت على تقديم المساعدة، لكن الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة حال دون اتخاذ إجراء رسمي. فتمّ نقل المسؤولية إلى الموارد المهنية العسكرية (MRPI)وتم تدريب الجيش الكرواتي لأشهر من قبل هذه الشركة. وفي شهر أوت 1995، شن الجيش الكرواتي هجومًا عسكريًا لاستعادة كرايينا (Krajina)، وهي منطقة يحتلها صرب البوسنة، في عملية تنطوي على إعدامات بإجراءات موجزة، إذ تمت العودة إلى القصف العشوائي والتطهير العرقي في المنطقة. تم تدريب هؤلاء القادة العسكريين في جميع المجالات من قبل MPRI الأمريكية. وبالطبع ادّعت حكومة الولايات المتحدة أن لا علاقة لها بهذه الشركة. وفي شهر أوت 1996، حصلت MPRI نفسها على عقد جديد لتدريب القوات المسلحة، ولكن هذه المرة مع اتحاد البوسنة والهرسك.
هكذا إذن تتحايل الدول الامبريالية على القوانين التي وضعتها بنفسها في المنتظم الأممي أو في غيره من الهيئات لتمارس عربدتها على الشعوب المقهورة وتُديم استعبادها بحماية حكامها الفاسدين وببث التفرقة بين فئات الشعب الواحد وجرّها إلى الاقتتال في حروب أهلية رجعية لا أوّل لها ولا آخر، من أجل الاستفراد بثرواتها ومواصلة نهبها بصفة أفظع ممّا كانت عليه زمن الاستعمار المباشر. وهو ما يجعل من مطلب إجلاء القوات الأجنبية مهما كان الغطاء الذي تتدثر به من أراضي جميع البلدان الرازحة تحتها مطلبا شرعيا وملحا لجميع الشعوب التواقة للحرية والسلام.

إلى الأعلى
×