بقلم : كوثر الباجي
لم يعد من الممكن قراءة فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد كتعثر دبلوماسي عابر، بل كترجمة مكثّفة لصراع تاريخي بين مشروعين متناقضين: مشروع إمبريالي يسعى إلى إعادة إنتاج هيمنته على مفاصل الاقتصاد العالمي، ومشروع إقليمي صاعد يحاول كسر هذه الهيمنة عبر إعادة توظيف الجغرافيا والسيادة الوطنية. ففي هذا السياق، تتحول المفاوضات من أداة لتسوية النزاعات إلى ساحة صراع بحد ذاتها، حيث تتواجه الإرادات لا لتقديم تنازلات، بل لفرض وقائع جديدة على الأرض.
لقد دفعت إيران كلفة باهظة في هذا المسار، من دماء ودمار وحصار اقتصادي خانق، ما يجعل هذه المفاوضات بالنسبة لها مسألة وجودية لا تقبل التفريط. وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، نفسها أمام مأزق مزدوج: تصعيد عسكري واقتصادي لم يحقق أهدافه الاستراتيجية، وعجز عن فرض شروطه دون المخاطرة بانفجار إقليمي واسع. وبين هذين الحدّين، تتقدم الحرب كامتداد طبيعي لفشل السياسة، لا كبديل عنها.
وفي ظل هذا الانسداد، لم تعد الجغرافيا مجرد إطار للصراع، بل تحولت إلى أداة إنتاج للقوة، خاصة مع صعود دور مضيق هرمز وباب المندب في إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي. وهنا، يتداخل الاقتصادي بالعسكري، ويتحول التحكم في الممرات البحرية إلى شكل من أشكال السيطرة على الدورة الرأسمالية العالمية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها: إما إعادة التفاوض على أسس جديدة، أو الانزلاق نحو حرب تعيد رسم خرائط النفوذ بالقوة.
أولاً: المفاوضات كصراع وجودي: من منطق التنازل إلى منطق إعادة توزيع القوة
لا يمكن فهم المفاوضات إلا باعتبارها انعكاساً لصراع مادي حول النفوذ والثروة والهيمنة. فإيران، التي واجهت عقوداً من الحصار والعقوبات، لم تدخل هذه المفاوضات من موقع ضعف، بل من موقع قوة نسبية راكمتها عبر الصمود وإعادة توظيف مواردها الجيوسياسية. لقد دفعت طهران ثمناً باهظاً—بشرياً واقتصادياً—ما جعل أي تنازل جوهري يُعدّ تهديداً مباشراً لبنيتها السياسية والاجتماعية.
في المقابل، سعت الولايات المتحدة إلى فرض شروط تعكس استمرار هيمنتها على النظام العالمي، غير أن هذه الشروط اصطدمت بتحولات عميقة في موازين القوى. فالمفاوضات لم تعد تدور حول “تفكيك برنامج نووي”، بل حول إعادة تعريف من يمتلك الحق في التحكم في الموارد الاستراتيجية ومسارات التجارة العالمية.
إن فشل هذه المفاوضات يعكس، في جوهره، انتقال الصراع من مرحلة الضغط إلى مرحلة كسر الإرادات، حيث لم يعد أي من الطرفين مستعداً لتقديم تنازلات دون مقابل استراتيجي واضح. وهو ما يجعل العودة إلى طاولة الحوار، في ظل نفس الشروط، أمراً أقرب إلى إعادة إنتاج الأزمة لا حلها.
ثانياً: الجغرافيا كسلاح: مضيق هرمز وباب المندب وإعادة إنتاج القوة
في قلب هذا الصراع، تبرز الجغرافيا كأداة حاسمة لإعادة تشكيل موازين القوى. فقد نجحت إيران في تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط استراتيجية، خاصة عبر سيطرتها الفعلية أو غير المباشرة على مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة تقارب 20% من التجارة النفطية العالمية. هذه السيطرة لا تمثل فقط مورداً اقتصادياً محتملاً، بل تمنح طهران قدرة غير مسبوقة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يتعزز هذا النفوذ مع امتداد محور المقاومة نحو ، عبر الجبهة اليمنية، مما يفتح المجال أمام التحكم في ما يقارب 40% من طرق التجارة البحرية العالمية. هنا، تتحول الجغرافيا إلى أداة إنتاج للقوة، لا مجرد معطى طبيعي، في انسجام مع التحليل الماركسي الذي يرى أن السيطرة على وسائل الإنتاج—بما فيها طرق التجارة—تشكل أساس الهيمنة.
في هذا السياق، يبدو قرار الولايات المتحدة بطرح فكرة حصار مضيق هرمز من الخارج تعبيراً عن تخبط استراتيجي، إذ أن مثل هذا الإجراء لا يضر بإيران فقط، بل يضرب أيضاً حلفاء واشنطن، خاصة دول الخليج التي تعتمد بشكل أساسي على تصدير النفط عبر هذا الممر. وهو ما يكشف تناقضاً بنيوياً في السياسات الأمريكية، حيث تتحول أدوات الضغط إلى عوامل تقويض للهيمنة نفسها.
كما أن تهديد إيران باستخدام وسائل ردع غير مسبوقة في حال استئناف الحرب —مثل الألغام الذكية أو الأسلحة غير المعلنة— مؤكدة امتلاك وسائل قتالية يعكس انتقالها إلى مرحلة جديدة من الصراع، حيث يتم توظيف الابتكار العسكري كوسيلة لتعويض الفجوة في القدرات التقليدية، فبينما أعلن الجيش الأمريكي عن فرض سيطرته عن خليج عمان وبحر العرب شرق المضيق مع التأكيد شمولها كل السفن والتصدي بالقوة لأي تجاوز وتدمير الزوارق التابعة للحرس الثوري ما جعل وزارة الدفاع الإيراني تهدد بأن أي تدخل عسكري سيؤدي إلى تصعيد خطير يهدد أمن الطاقة العالمية
وهو ما يربك الحسابات الأمريكية ويحدّ من قدرتها على فرض سيطرتها.
ثالثاً: أزمة الهيمنة الأمريكية وتفكك المحور الصهيو-أمريكي
إن التطورات الراهنة تكشف عن أزمة عميقة في بنية الهيمنة الأمريكية، ليس فقط على المستوى الدولي، بل أيضاً داخل منظومة تحالفاتها. فقد أدى الخطاب العدائي والمتقلب إلى تآكل الثقة مع الحلفاء التقليديين، سواء داخل أو في منطقة الخليج، مما يجعل إعادة بناء هذه التحالفات مهمة معقدة تتطلب إعادة ترتيب شاملة للأوراق.
على الصعيد الداخلي، تواجه الإدارة الأمريكية أزمة متعددة الأبعاد، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع التوترات الاجتماعية، في ظل تراجع شعبية القيادة السياسية وتصاعد الاحتجاجات ضد سياسات الحرب. وتشير تقارير صحفية، من بينها ما نشرته The New York Times، إلى أن السياسات الحالية قد ترتد سلباً على المصالح الأمريكية، في ما يشبه “إطلاق النار على القدم”.
أما على مستوى المحور الصهيو-أمريكي، فإن الوضع لا يبدو أفضل حالاً. فحكومة نتنياهو تجد نفسها في سباق مع الزمن لتحقيق “انتصارات” عسكرية تعوض أزماتها الداخلية، في ظل استنزاف قدراتها الدفاعية وتزايد الضغوط على الجبهة الداخلية. وهو ما يدفعها إلى تصعيد العمليات العسكرية، سواء في لبنان أو غيره، في محاولة لإعادة فرض معادلة ردع جديدة.
غير أن هذا التصعيد يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب بشكل يصعب السيطرة عليه، خاصة إذا ما قررت إيران الرد بشكل مباشر. وفي هذه الحالة، قد نشهد حرباً متعددة الجبهات، تتداخل فيها القوى الإقليمية والدولية، وتكون لها تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تتجاوز 150 دولاراً للبرميل، وما يرافق ذلك من موجات تضخم تضرب الاقتصادات الغربية.
لحظة تاريخية لإعادة تشكيل التوازنات
في الختام، نحن أمام لحظة تاريخية تتجاوز حدود الصراع التقليدي، حيث يتم إعادة تشكيل موازين القوى على أسس جديدة. لقد نجحت إيران، إلى حد كبير، في تحويل الجغرافيا إلى أداة قوة، وفي فرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاهله في معادلة الشرق الأوسط. في المقابل، تبدو الولايات المتحدة في حالة بحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، دون أن تتخلى عن منطق الهيمنة الذي لم يعد قادراً على إنتاج نفس النتائج.
في هذا السياق، لا يعود السؤال: هل ستندلع الحرب؟ بل: من يمتلك القدرة على تحمل كلفتها، ومن سيخرج منها بإعادة تعريف موقعه في النظام العالمي؟
إنها لحظة يُعاد فيها رسم الحدود بين من يفرض الشروط ومن يُجبر على القبول بها، بين من يملك أدوات القوة ومن يسعى لإعادة إنتاجها في عالم يتغير بسرعة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
