بقلم : حَمَّه الهَمَّامي
في مثل هذا اليوم من سنة 1965 شهدت جمهورية الدومينيكان بأمريكا الوسطى انتفاضة شعبيّة، مثّل الشباب محرّكها الأساسي، ضدّ الانقلاب الذي استهدف الرئيس الشرعي المنتخب بتدبير من المخابرات الأمريكية وعملائها. فما كان من الولايات المتحدة إلّا أن قامت يوم 28 أفريل 1965 بإنزال عسكري ضخم قوامه 42 ألف جندي لإخماد هذه الانتفاضة الشعبيّة واحتلال البلاد. وقد أدّى هذا التدخّل إلى استشهاد حوالي 3000 دومينيكي وهو ما أثار احتجاجات وانتقادات عالميّة إذ رأى فيه الرأي العام الدولي الديمقراطي التقدّمي عودة إلى “دبلوماسيّة الزوارق الحربيّة” الأمريكية. ومنذ ذلك الوقت عُمّد يوم 24 أفريل يوما عالميّا للشبيبة المناهضة للإمبرياليّة يخرج فيه الشباب في مختلف القارات للاحتجاج على التدخلات والحروب الامبريالية.
واليوم وبعد 61 سنة بالكامل من الإنزال الأمريكي في جمهورية الدومينيكان يخرج الشباب العالمي للتنديد مرّة أخرى وكالمعتاد برأس حربة الإمبريالية العالمية، الولايات المتحدة الأمريكية التي تشنّ، بمعيّة ربيبتها الصهيونيّة، منذ نهاية فيفري المنقضي، حربا عدوانيّة على إيران من أجل تغيير نظامها بالقوّة الغاشمة وتفكيك وحدتها والسيطرة على ثرواتها. وقد بات واضحا أنّ هذا العدوان يأتي في سياق حرب الإبادة التي تُشنّ منذ أكتوبر 2023 على الشعب الفلسطيني وما تلاها من اعتداءات مستمرة على لبنان وسوريا والعراق واليمن وفق مخطّط يهدف إلى تمزيق المنطقة وإعادة ترتيبها على أسس دينيّة وطائفية وأثنيّة لإخضاعها مجدّدا للهيمنة الأمريكيّة واستبعاد المنافسين الصيني والروسي وفرض الكيان الصهيوني قوّة متفوّقة ليقوم بدور الحارس الإقليمي.
إنّ تاريخ الولايات المتحدة ملطّخ بدماء الشعوب فمنذ أن تأسّست رسميا في 4 جويلية/يوليو 1776 قامت بـما يقارب 225 حربا وتدخّلا عسكريا مباشرا، وهو ما يعني أنّها قضّت حوالي 225 سنة من عمرها في الحروب، بعضها داخلي وبعضها خارجي. وقد ارتكبت خلال هذه الحروب أبشع الجرائم كانت أولها الإبادة الجماعيّة واسعة النطاق ضد السكان الأصليين التي ارتكبها المهاجرون الأوروبيون ثم حكومة الولايات المتحدة فيما بين 1492 و1900. ويقدّر ضحايا هذه الإبادة التي استعملت فيها كل الوسائل (قتل مباشر، تجويع، تهجير…) بنحو 55 مليون شخصا أي حوالي 96 بالمائة من السكّان الأصليّين. ومن تلك الجرائم البشعة أيضا قتل حوالي 4 ملايين فيتنامي فيما بين 1965 و1975 وهو ما يعادل ثمن سكان البلاد وقتها. كما أنّ حرب الولايات المتحدة على العراق أدّت إلى مقتل ما لا يقلّ عن مليون شخص من بينهم عدد كبير من الأطفال سواء بسبب الحرب أو بسبب العقوبات والحصار. أمّا الحرب الأمريكية الأطلسية على أفغانستان (2001-2021) فقد أدت إلى مقتل ما لا يقلّ عن 200 ألف أفغاني سواء نتيجة القتل المباشر أو نتيجة الجوع والمرض الناجمين عن سياسات متعمّدة من المحتلين. وفي آخر حرب إبادة شنّها الكيان الصهيوني على غزّة بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية فقد بلغ عدد الضحايا ما لا يقلّ عن 72560 شهيد و172317 جريحا منذ 7 أكتوبر 2023. يضاف إلى كلّ ذلك انفراد الولايات المتحدة باستعمال السلاح النووي ضد اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهو ما أدّى إلى سقوط 140 ألف قتيل في هيروشيما و74 ألف قتيل في ناغازاكي فيما بين أوت وديسمبر 1945. هذا عدا القتلى الذين سقطوا في السنوات اللاحقة بسبب السرطان والأمراض الإشعاعيّة.
هذه فكرة عن السجلّ الدمويّ للإمبرياليّة الأمريكيّة التي تسعى اليوم بكلّ الوسائل وفي مقدمتها التدخلات والحروب العسكرية إلى الحفاظ على هيمنتها على العالم وهو ما يمثّل تهديدا جديا للسلم العالمي خاصة مع استيلاء أكثر العناصر تطرفا على السلطة في واشنطن بقيادة الفاشي/النازي دونالد ترامب. إن مجموعة “ماغا“ (لنجعل أمريكا عظيمة مجدّدا) هم في الحقيقة ممثلو أشرس الكارتيلات الأمريكية وأكثرها وحشيّة وعنصريّة وعدوانيّة وهي كارتيل الصناعات العسكرية وكارتيل النفط وكارتيل التكنولوجيات الحديثة التي تقع بين قبضة الطغمة المالية الأمريكية ناهيك أنّ أغنى 1% من الأسر الأمريكية يستحوذ على 31% من إجمالي ثروة الأسر في البلاد. إن هذه الطغمة التي بلغت درجة غير مسبوقة من التعفّن لا وسيلة لها للحفاظ على هيمنتها في الداخل الأمريكي وفي الخارج إلّا عن طريق القوة والعنف: التضييق على الحريات والحقوق الفردية والعامة والهجوم على الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغالبية العمال والكادحين والعنصرية ضدّ السود والمهاجرين والأقليات وعسكرة الاقتصاد في الداخل وشن الحروب التجارية والاقتصادية والعسكرية في الخارج لا لمواجهة المنافسيْن التقليديين (الصين الصاعدة وروسيا العائدة) والحدّ من توسعهما فحسب بل حتّى لمواجهة الحلفاء التقليديين صلب حلف الناتو.
في هذا اليوم العالمي لمناهضة الإمبرياليّة يمكننا تأكيد أنّ الإنسانيّة تمرّ بمرحلة في غاية التعقيد والخطورة. إن العدوان على إيران وشعوب المنطقة ينذر في كلّ لحظة بانفجار مواجهة كونيّة ستكون الشعوب مرّة أخرى ضحيتها الأولى. إن مصلحة شعوب منطقتنا وشعوب العالم بأسره تكمن في وقف العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران وفلسطين ولبنان والعراق واليمن وسوريا للحيلولة دون وقوع تلك المواجهة.
إن شعوب المنطقة ومن بينها شعبنا لا مصلحة لها في وجود قواعد أمريكيّة ولا في عقد اتفاقيات ومعاهدات عسكرية وأمنية مع واشنطن، كما أن لا مصلحة لها في أي تقارب أو تطبيع مع الكيان الصهيوني التوسعي النازي الذي لن تعرف المنطقة أي استقرار بتواصل وجوده، فقد وجد أصلا ليكون ذراع القوى الامبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة في الهيمنة على المنطقة. ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التعويل على أنظمة العمالة والخيانة لتحقيق أهداف شعوبنا في التحرّر والاستقلال والحرىّة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لأنّ هذه الأنظمة نُصّبت أصلا لخدمة مصالح تلك القوى الامبريالية والصهيونية والأقليات المحلية المرتبطة عضويا بها. وهو ما يشهد به سلوكها المتواطئ اليوم تجاه الحرب العدوانيّة على إيران ولبنان وتجاه حرب الإبادة التي تُشنّ على الشعب الفلسطيي. كما يشهد به سلوكها تجاه شعوبها التي تمنع حتّى من التعبير عن تضامنها مع ضحايا هذه الحروب.
إنّ المقاومة هي السلاح الوحيد ضد الامبريالية والصهيونيّة وعملائهما في المنطقة فلتحوّل شعوبنا أراضيها إلى نار مشتعلة تحت أقدامهما ولتطرد كل القواعد والشركات الأمريكية الغربيّة ولتغلق كل سفارات الكيان الصهيوني وتتصدّى لكل تطبيع معه ولتغلق الباب أمام أي هيمنة جديدة لأي قوّة من القوى الامبريالية الكبرى المتنافسة على الهيمنة على منطقتنا.
وليكن شبابنا في تونس في هذه المناسبة في طليعة النضال من أجل إلغاء كل الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة ومن أجل تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني ووقف العدوان على إيران ولبنان ووضع حدّ لحرب الإبادة على الشعب الفلسطيني.
“أمريكا هِيّة، هيّة، أمريكا رأس الحيّة“
فلنقطع رأس الحيّة
تونس في 24 أفريل 2024
صوت الشعب صوت الحقيقة
