بقلم : عبد الرزاق حراث
يعتقد البعض أن الهجوم الصهيوأمريكي على إيران صراع أمني، أو نووي، أو من أجل نشر الديمقراطية الأمريكية المزعومة، كالديمقراطية التي بشرت بها في العدوان على العراق وأفغانستان. ثم لا ننسى دعمها للمجاميع الإرهابية السلفية التي دمرت سوريا وقامت بتقسيم السوريين وهيأت سوريا كأرضية خصبة للاقتتال الأهلي وانتشار الفوضى وحولت الدولة السورية إلى مجال مفتوح للتدخل الأجنبي وقاعدة عسكرية يهيمن عليها الكيان الصهيوني. وها هي الآن ومنذ أكثر من 40يوما تشن عدوانا سافرا على إيران وتعد لحرب تعتبر من أحدث الحروب الرأسمالية تطورا ووحشية، أصبح فيها التدمير صناعة مزدهرة، باستعمال أحدث وسائل الحرب والدمار ذات الكلفة العالية. فلماذا يريدون إسقاط إيران؟
النظام النيوليبرالي يكشف مآرب الامبرياليين
لقد قوض النظام النيوليبرالي إصلاحات ما بعد الحرب الكونية الثانية على الصعيد العالمي، إذ تقلصت الإصلاحات في المجالات الاجتماعية وانخفضت سياسة الإنفاق في مجال الصحة والتعليم اللذين شهدا ومنذ العشرية الفارطة تراجعا كبيرا وملحوظا، فأصبحت الحماية الاجتماعية مهددة ويدفع المواطنون أثمانا باهظة لتعويض تكلفة العلاج والتنقل والسكن، وهكذا تكون قد سقطت مقولة (دولة الرفاه) لا سيما أمام أفواج الآلاف من المهاجرين الذين يتخذون من أوربا قبلة لهم. ولكن مع تفاقم أزمة الطاقة والتوزيع الغير متكافئ للثروات وتعمق التناقض بين رأس المال والعمل، توسعت الهوة بين الجنوب والشمال واحتد الصراع بين الشرق والغرب وتعمقت التناقضات داخل المعسكر الإمبريالي نفسه، المعسكر الذي تسيطر عليه الإمبريالية الأمريكية عسكريا واقتصاديا، وعن طريق الهيمنة على الطرق البحرية والمواصلات وذلك بسنّ رسومات ڨمرڨية ارتفعت في عهدة ترامب وأصبحت تهدد الملاحة والتجارة العالميتين.
لقد أصبحت الرساميل في هجرة دائمة لهذا المركز الإمبريالي أو ذاك ولم يعد هناك استقرار لمنظومات الإنتاج العالمية. وإن كانت تلك هي السمة الأساسية للنظام الرأسمالي ألا أنها في هذه المرحلة ضاعفت الأزمات في عديد الفروع من الإنتاج الصناعي الضخمة، وفي عديد البلدان المتقدمة كما في دول الأطراف التي تعاني وتكابد من الاستبداد والتبعية. ومن أجل الخروج من تلك الأزمات سارعت عديد الدول لسياسة الخصخصه باسم التحرر من القيود وهي في الحقيقة لا تسعى ألا للربح وتعويض خسائرها على حساب المكاسب الاجتماعية وبالتالي التجارة الحرة، واقتصاد الفوضى أصبح هو المبدأ الأساسي للمجتمع فازدهرت تجارة الحرب والتدمير، وأصبح أنتاج الأسلحة لا يهدف إلى الدفاع عن الأوطان، بل إلى تحقيق أرباح للشركات المنتجة للسلاح، وأصبح العالم يعيش على وقع مخاطر التسلح والحروب.
فما هي طبيعة هذه الحرب؟
إن الحرب كنتاج موضوعي لتطور الرأسمالية، كما أكد فلاديمير لينين في مؤلفه الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، “أن الحرب لا تنشأ نتيجة قرارات سياسية معزولة أو نزاعات قومية مجرده بل هي نتاج مباشر للتناقضات البنيوية داخل النظام الرأسمالي الذي يحكمه عدد ضئيل ومحدود من القوى الرأسمالية الكبرى، ضمن مرحلة الاحتكارات، وفي هذا السياق تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة تقسيم العالم بين هذه القوى، سواء من خلال السيطرة على المستعمرات أو الهيمنة على الموارد الطبيعية والأسواق العالمية وهو ما حصل في الحرب العالمية الأولى التي لم تكن لا من أجل الحرية ولا من أجل الدفاع عن الأوطان، بل كانت صراعا بين امبراطوريات امبريالية تتقاسم العالم فيما بينها ” وبالتالي فإن الهدف من الحرب والعدوان على إيران هو نهب ثرواته ومقدراته واستعماره وتقسيمه ضمن خطة استراتيجية لإعادة تقسيم الأدوار والمنطقة عموما، ثم قطع الإمداد الطاقي للصين وروسيا. والتحكم في حركة العبور عبر مضيق هرمز الحيوي.
تكلفة الحرب تكشف ملامح الدمار والوحشية الأمريكية
ارتفعت أسهم شركات “لوكهيد مارتن” ونورثرون غرومان“RTX بنسبة 4-6% محققة قيمة للمساهمين بنسبة تتراوح بين 25و30 مليار دولار في صفقة واحدة كما ارتفعت أسهم شركة RTX المصنعة لصواريخ توماهاوك والتي استُعملت على نطاق واسع في إيران، بنسبة 110% منذ عام 2023، كما يسعى البنتاغون الأمريكي للحصول على 200 مليار دولار إضافية لتمويل استمرار الحرب على إيران وذلك بإضافة مبلغ 1,5 تريليون دولار. إن هذه الحرب وإن كشفت على وحشية ونوايا العدوان الهمجي على إيران، تعكس في نفس الوقت عن أزمة هيكلية متواصلة للنظام الإمبريالي الذي يسيطر عليه ويديره كما أسلفنا عدد محدود من الشركات الاحتكارية الكبرى والتي تقيم مجمّعا صناعيا عسكريا حسب وصف الدكتور –ديساي– تستغله وتتغذى عليه شركات هذا المجمع –الشركات والاحتكارات– بكل شراهة، ولكن الأسلحة التي لا تكلف إلا جزءا بسيطا من أسعار تكلفتها وتباع بأسعار خيالية معلنه، يتحمل دافعو الضرائب تسديد تكاليفها. إن الحرب والعدوان على إيران يندرج في هذا السياق، فالامبريالية الأمريكية تريد الخروج من أزمتها عن طريق الهيمنة المطلقة على البترول الإيراني وحرمان إيران من حقها في الدفاع عن سيادتها والتصرف في مواردها البترولية ومدخراتها بكل سيادية. إلا أن صراع الولايات المتحدة مع الصين ألقى” بظلاله” على إيران، عدوانا سافرا واعتداء فظيعا في حق أمة ذات سيادة، وإن كان هذا العدوان هو نتيجة حتمية لطبيعة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، بين الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان تعدان لمشروع الشرق أوسط الجديد من جهة و بين إيران الدولة التي تملك مخزونا واحتياطيا كبيرا من البترول وقوة عسكرية لا يستهان بها، أصبحت تزعج الأمريكيين والصهاينة على حد السواء، حيث تتناقض مصالح إيران مع مصالح المشروع الصهيوني في المنطقة. ولهذه الأسباب شنت الإمبريالية الأمريكية الحرب على إيران ولكن إيران كان لها رأي آخر، سلاح متعادل آخر، مكنها من خوض معركة دفاعية من طراز جديد، طراز حديث لم تشهد حروب التاريخ مثيلا له، في أسلوب الدفاع واستعمال الجغرافيا كسلاح لا يعادله سلاح.
لن تنتهي الحرب في نظام عالمي لا يقوم إلا على النهب والاستغلال والحرب إلا ضمن اتحاد عالمي تقوده القوى الثورية وقوى التحرر فالإرادة لا تقهر عندما تتوحد وتتراص ضد الوحوش الإمبريالية الضارية، والاستغلال والحرب إلا ضمن اتحاد عالمي للشعوب تقوده الطبقة العاملة والشغيلة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
