بقلم كمال عمروسية
من أبرز ملامح عقيدة الحرب عند ابن منظور ما جاء في كتابه “لسان العرب” حين عرّفها بأنها “نقيض السلم”، ولعل التعريف الأشهر لمفهوم عقيدة الحرب الدائمة اقترن برواية 1984 للكاتب البريطاني جورج اورويل إذ يلخص جوهر الفكرة في إبقاء “الدولة” أو “النظام” في حالة حرب مستمرة ودائمة وليس بالضرورة الغاية من ذلك تحقيق نصر بقدر ما هو تحقيق لأهداف داخلية وخارجية يحددها مهندسو وأباطرة وأمراء الحروب. هذا ويمكن أن تكون الحرب دفاعية أو اقتصادية أو هجومية ذات أهداف توسعية واستعمارية وتسلطية، وهي الحرب التي يشنها الكيان الاستيطاني منذ 1948 حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر على المنطقة العربية وبذلك يعد هذا الصراع نموذجا مثاليا عن النزاع طويل الأمد وتجسيدا عمليا للحرب الدائمة التي يخوضها كيان استعماري بدعم من القوى الإمبريالية من ناحية، وأمام صمت مخجل من الأنظمة العربية من ناحية ثانية.
لقد بدأت العقيدة العسكرية للكيان الصهيوني في التبلور والتطور بالنظر للصراع المفتوح في المنطقة. فلئن كانت مع بداية الاحتلال ترتكز على الدفاع عن الأراضي التي استولت عليها، فإن دافيد بن غوريون أول رئيس حكومة ووزير الدفاع يعتبر بمثابة الأب الروحي للعقيدة العسكرية الأولى التي اعتبرت أن مساحة “إسرائيل” صغيرة ومحدودة تحيط بها دول عربية من كل مكان تمثل خطرا قائما على أمنها وسلامها، لذلك وجب تحويل مناطق الاشتباك إلى أراضي الأعداء مع شن ضربات أمنية وعسكرية استباقية وتطوير جهاز المخابرات وتوفير وتطوير القدرات العسكرية بما يتلاءم وحجم المخاطر الخارجية وهزم الدول العربية. في هذا السياق جرت حرب العدوان الثلاثي سنة 1956 وكذلك حرب الأيام الستة سنة 1967.
لئن لم يحقق هجوم العدوان الثلاثي على مصر طيلة أسابيع نتائج عسكرية وسياسية هائلة فإن حرب الأيام الستة قد أحدثت تغييرا مهمّا في ميزان القوى لفائدة الكيان الصهيوني، إذ تمكن من احتلال سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان وقطاع غزة ونشأ عن ذلك تحول استراتيجي كبير في طبيعة الصراع، وخلق إمكانات وآفاق أخرى للعقل العسكري الاستعماري الذي تعززت بداخله الأفكار التوسعية ونشطت على أجنداته حمى الاستحواذ والاستئثار على باقي أراضي وخيرات شعوب المنطقة، مع مزيد تكريس للهيمنة الصهيونية، مستفيدة أساسا مع التحالف المتين مع الإمبريالية الأمريكية وتعززت وجهة النظر المعادية للسلام والمتعطشة للحروب والدمار والدماء، ولعل ما يؤكد ذلك التصريح الشهير لـ”موشي ديان” أواخر سنة 1967 إذ أعلن أن “شرم الشيخ دون سلام أفضل من سلام دون شرم الشيخ” وذلك يعكس بوضوح العقلية السائدة والمهيمنة داخل قيادة الكيان.
إن بناء جيش نظامي قوي مع إقامة جيش احتياطي كبير دفاعا عن الرقعة الجغرافية الصغيرة أصبح غير ذي جدوى ولا يستجيب لتطلعات عتاة الاستعماريين، فهناك تحول مهم في أسس العقيدة العسكرية للكيان، من عقيدة الدفاع بواسطة الردع والضربات الاستباقية إلى احتلال أراضي عربية أخرى والهيمنة عليها، وقد مثل اجتياح بيروت سنة 1982 واحتلال أول عاصمة عربية حدثا فارقا يعكس تصعيدا كبيرا من ناحية ويكشف عن انتقال الصراع من حدود تقليدية إلى عمق دول عربية من ناحية ثانية.
لقد ظل الكيان الصهيوني في إطار صراعه العربي ينوع ويعدد من استراتيجياته مثل الردع والاحتواء إلى جز العشب وهذه الأخيرة تعد تكريسا عمليا على عقيدة الحرب الدائمة، بما أن الصراع مستمر ولا يوجد حسم نهائي وهي تخول للآلة العسكرية الصهيونية توجيه ضربات عسكرية بين الحين والآخر لإضعاف محاور المقاومة ومربعات الممانعة وتمنع قوى الحرية والتحرير في فلسطين ولبنان من تطوير قدراتها العسكرية، ومثلما يتم جز العشب كلما نما من جديد يتمّ توجيه ضربات دورية ومتكررة ضد خصوم معينين بهدف إضعافهم وإنهاكهم، هذا وقد استمر الأمر على هذا الحال حتى بلغنا موعد 7 أكتوبر 2023.
لا يمثل هذا التاريخ مجرد حدث عسكري، بل إنه فتح الصراع العربي الصهيوني على سيناريوهات أخرى وأطاح بسردية ظلت اللوبيات الصهيونية والأمريكية لعقود تروّج لها وتسعى إلى ترسيخها مفادها أن القوة العسكرية الإسرائيلية لا تقهر ولا تجابه، وهو ما فندته المقاومة الفلسطينية التي باغتت عدوها ووجهت له ضربة موجعة دفعته إلى إعادة قراءة حساباته من جديد بعد أن بثت فيه الرعب، مما دفع الصهاينة إلى التساؤل حول جدوى نظرية الردع المستندة إلى فكرة العداء الدائم والهدنة المؤقتة، وتعقب المخاطر والعمل على إزالتها كلما أوشكت على التشكل. إن هذه الاستراتيجيا ضمن مقاربة الحرب الدائمة أصبحت عاجزة وفقا للمعطيات داخل ساحات القتال، لذلك أضحى مهمّا عوضاً عن الفعل الانتقامي، تطوير العقيدة العسكرية تكريسا للحرب الدائمة وقد أمّن ذلك النقاش منتدى فكريا نظمته قيادة الجيش برئاسة الجنرال “إيال زامير” وذلك استجابة لتطلعات القيادة السياسية اليمينية المتطرفة التي تسعى إلى استبدال إدارة الصراع التقليدية بعقيدة إنهاء التهديدات وذلك من خلال برامج تهدف إلى نسف المقاومة الفلسطينية والإجهاز على حركة حماس والإطاحة بالقدرات العسكرية لحزب الله، وهو ما دفع بالكيان الصهيوني إلى إقامة وإطلاق حرب شاملة على قطاع غزة وتعقب قيادات المقاومة، ثم الهجوم لاحقا على حزب الله وتصفية قياداته واغتيال أمينه العام الشهيد حسن نصر الله، ثم شن حرب بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية على إيران في محاولة لإسقاط نظامها السياسي.
إن إدارة الكيان في نظرها لن يكون هناك سلام للدولة العبرية إلا من خلال تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد أو ما يسمى بإسرائيل الكبرى وذلك من خلال تغيير الخارطة الجغرافية والسياسية في المنطقة وإسقاط محاور المقاومة وشطب القضية الفلسطينية من على أجندات المجتمع والهيئات الدولية مع مواصلة تفتيت وتجزئة الدول العربية ونزع أسلحتها والقضاء على أي قوة عسكرية في الإقليم، حتى تصبح هيمنة الكيان الصهيوني معطى ماديا وملموسا وتزول بذلك كل المخاطر من حوله، ولبلوغ ذلك كان لا بدّ من تحريك الآلة العسكرية في أكثر من قطر، إلا أن الواقع يكشف بأن هذه الاستراتيجيا وغيرها بصدد التكسر أمام صمود أصحاب القضايا العادلة، فلا حركة حماس تم اجتثاثها ولا حزب الله نُسفت قدراته العسكرية والتنظيمية ولا المقاومة اختفت واندثرت ولا الحرب على إيران حققت أهدافها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
