بقلم : الشاذلي المغراوي
مرّ يوم 12 ماي مرور الكرام وكأنه يوم كسائر الأيام في تاريخ تونس، فاقدا لدى الأجيال الصاعدة لأيّ رمزية، وهو اليوم الذي شهد سنة 1881 إمضاء “معاهدة الحماية” بين فرنسا القوة الاستعمارية وباي تونس محمد الصادق، الباي الثاني عشر في السلالة الحسينية والذي حكم تونس من سنة 1859 إلى حين وفاته سنة 1882.
وهو نفس اليوم الذي جعل منه بورقيبة سنة 1964 – بصفة رمزية – يوما “للجلاء الزراعي” حيث أمضى في نفس المكان (قصر باردو) وعلى نفس الطاولة مرسوم تأميم الأراضي التونسية التي كانت حدّ تلك اللحظة على ملك المعمّرين الفرنسيين، لتشكّل فيما بعد ما يُعرف بالأراضي الدولية التي ستنبني عليها كل السياسات الفلاحية منذ ذلك الوقت.
وقد تعرّضت جريدة صوت الشعب في أعداد سابقة (أنظر عددي 53 و54 الصادرين في نوفمبر وديسمبر 2024) إلى تاريخ هذه الأراضي ووضعها الراهن المزري، والذي جعل التونسيين اليوم يفتقدون للأمن الغذائي وللسيادة الغذائية وهو ما سنتعرض إليه ولو جزئيا في ما يلي:
ما زالت الفلاحة تمثل عصب الاقتصاد التونسي. كيف لا وقد كانت تونس التي تلقّب بـ“مطمورة روما” تتوفر على جملة من العوامل تؤهل فلاحتها لهذه المكانة في الدورة الاقتصادية. فعلاوة على الموقع الجغرافي والمناخي المميّز تتمتع بمساحات كبيرة من الأراضي الخصبة وبتنوع كبير للمنتوجات الفلاحية المرتبطة بالمناطق المناخية (الشمال الغربي، الشمال الشرفي، الوسط، الواحات ومناطق الجنوب الأخرى). ورغم ذلك فإن تونس ومنذ فترة ما قبل الاستعمار المباشر لا تحقق اكتفاءها الذاتي الغذائي بسبب المنوال المتبع في مجال التنمية الاقتصادية عموما وفي مجال الفلاحي أيضا. حيث كانت ثروات البلاد بيد حفنة من كبار الأثرياء المحليين الذين يقومون بدور الوكيل لدى الدول الأجنبية والاحتكارات العالمية ويفرّطون لصالحهم في خيرات البلاد وثرواتها.
إن القطاع الفلاحي لا يزال تقليديا رغم بعض مظاهر العصرنة حيث يبقى مرتبط بالعوامل الطبيعية التي أصبحت متقلبة بحكم ما لحق المناخ من تخريب. ممّا ساهم في التأثير السلبي على الإنتاج الفلاحي خاصة في السنوات الأخيرة المتسمة بتواتر الجفاف. أمّا الموسم الفلاحي الحالي الذي اتّسم عموما بعامل مناخي جيّد، وهو ما جعل الخبراء يتوقعون أن يكون موسما قياسيا حيث يقدرون الحصول على نسبة تتراوح بين60 و65% من حاجات البلاد… إلا أنّ ما يلاحظ هو عدم عناية الدولة بهذا القطاع عبر توفير الدعم لصغار الفلاحين ومساعدتهم بالقروض الميسّرة لتحسين استغلال أراضيهم… فإرجاء بداية الموسم الذي بدأ متأخرا نسبيا نتيجة عدم توفر البذور الممتازة ممّا أدّى إلى المضاربة واحتكار كبار الفلاحين لتلك البذور المتوفرة بقلة، ما جعل الصغار منهم يتذمرون، إذ لم يتمكنوا من زراعة أراضيهم إلا في وقت متأخر وبعد عناء شديد وبحث مستمر للحصول على حاجياتهم الأمر الذي جعل البعض منهم يتخلى عن استغلال كل الأرض أو بما توفر من بذور حتى تلك التي لا تناسب المناخ.
والأمر لا ينحصر في مدى توفر البذور فقط، بل تجاوز ذلك للبحث عن الأسمدة والتي بدورها تخضع للاحتكار والمضاربة وهو ما جعل العديد من صغار الفلاحين يكتفون بالقليل المتوفر وبالتالي لم يقع تسميد كل الأرض أو رشها بما تستحقه. وبالطبع سينعكس كل ذلك على المنتوج من حيث الوفرة والجودة… فالفلاح الصغير يعاني الأمرّين في الحصول على البذور والأسمدة وفي حراثة أرضه نتيجة ضعف إمكانياته رغم تشدّق الدولة بالحديث على العناية بتلك الفئة ومراهنتها على الفلاحة. فها هي تساعد ما سُمّي بالشركات الأهلية بالتمويل اللازم ولا تلتفت لفقراء الفلاحين وصغارهم. والأمر لا يتعلق بالزراعات الكبرى فقط بل يشمل كذلك زراعة الباكورات… وهكذا يبقى صغار الفلاحين عرضة للنهب والابتزاز. ولا تقتصر مشاكل الفلاح عند البذر فقط بل تتفاقم معاناته كذلك عند جمع المحصول. فها أنّ موسم الحصاد على أبواب الانطلاق و يُرجى أن يكون المحصول قياسيا، إلا أن العوائق والصعوبات العادية والمتكررة تؤرق الفلاحين منها على سبيل المثال لا الحصر عدم توفر آلات الحصاد وارتفاع أسعارها. فصغار الفلاحين عليهم أن ينتظروا حتى ينهي الكبار جمع محاصيلهم وبذلك يكون منتوجهم عرضة لبعض المخاطر كالحرائق أو العوامل الطبيعية كالأمطار والْبَرَدْ في بعض مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي. وقد تعرّضت محاصيل بعض الغلال إلى الإتلاف على غرار المشمش والخوخ بجهة القيروان وبعض الغلال الأخرى بالشمال الغربي إضافة إلى إتلاف بعض الأعلاف وفسادها. كما تُطرح بحدّة من سنة إلى أخرى مسألة التخزين خاصة عند وفرة المحصول فيبقى جزء منه عرضة للتلف. والأمر لا يتعلق بالحبوب فقط بل كذلك بالغلال التي تتعرض للتلف فيُعرّض بالتالي أصحابها، وخاصة محدودي الإمكانيات والذين يتعذر عليهم تأمينها، إلى خسائر فادحة. وهو ما يتسبب على مستوى السوق في ارتفاع مشط للأسعار الذي ينعكس سلبا في نهاية التحليل على المستهلك… هذا المسار العام الذي يمسّ كل حلقات الإنتاج وفروعه والذي أدّى ويؤدي دائما إلى عجز الفلاحة التونسية عن تحقيق اكتفاءها الذاتي الغذائي.
وحتى عندما تتوفر الصابة، يتدخل المضاربون ويفوّتون فيها للمؤسسات والشركات والدول الأجنبية ولا يتمتع بها المواطن التونسي (انظر احتياجات منتجي الزيتون والتمور هذه السنة، والدولة تفاخر بنسبة التصدير رغم قلة العائدات المالية). وبذلك فإن الوضعية الهيكلة التي تعاني منها الفلاحة في تونس تعود إلى المنوال التنموي المعتمد والقائم على تحكم حفنة من المحتكرين في مقدرات البلاد على حساب سيادة الشعب الذي حكم عليه بالمعاناة والاستجداء في كل الأحوال سواء في سنوات الجفاف أو الرخاء… ولذلك إذا أردنا النهوض بفلاحتنا فعلينا أن نعمد إلى إصلاح زراعي لإنقاذ الريف والنهضة بالفلاحين. فتونس البلد الفلاحي بامتياز لما فيه من خيرات وثروات وإمكانيات فإنه يستورد جزءا هاما من غذائه بأسعار باهظة بسبب السياسة القائمة على نهب الريف دون العمل على تطويره. وإذا أرادت تونس القطع مع تلك السياسة فعليها أن:
-
تقوم بإصلاح زراعي لفائدة الفلاحين الصغار والفقراء لتأمين نهضتهم وتحريرهم من استغلال كبار الملاكين ومافيا المضاربة.
-
تسوية وضعية ما يسمّى بالأراضي الاشتراكية.
-
استرجاع الضيعات الفلاحية الدولية المُفَوّتُ فيها وإعادة تنظيمها لتشكل النواة المتقدمة للفلاحة التونسية.
-
توفير الأرض للفلاحين الفقراء ومساعدتهم على استغلالها والاستقرار فيها.
-
بعث شركات للخدمات الفلاحية التابعة للدولة لتوفير للفلاحين خدمات بأسعار معقولة (الحراثة/الحصاد/النقل) توفير البذور والأسمدة بأسعار معقولة.
-
توفير القروض للفلاحين الصغار بفوائض ضعيفة.
-
التخفيض من الضرائب المسلطة على المنتوج النباتي أو الحيواني.
-
تشجيع صغار الفلاحين ماديا وتقنيا على الاستثمار الجماعي لأراضيهم للحدّ من تشتت الملكية وتحسين المسالك الفلاحية الضرورية.
-
ضبط خطة وطنية لإحياء البذور المحلية.
-
بعث مراكز دراسات وأبحاث في مختلف الجهات لتطوير الإنتاج.
صوت الشعب صوت الحقيقة
