بقلم جيلاني الهمامي
في ساعة متأخرة من مساء يوم الجمعة 21 أوت الماضي أصدر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني Mark Carney أوامره لأعضاء الفريق الكندي المفاوض بتوقيف المباحثات مع الإدارة الأمريكية والمغادرة والعودة فورا إلى التراب الكندي. هكذا أعلن رسميا عن فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وجارتها كندا فيما كان الطرفان يتطلعان إلى التوصل إلى اتفاق قبل حلول يوم 22 من الشهر وتلافي تطبيق قرار ترامب القاضي بالترفيع في الرسوم على العديد من البضائع الكندية إلى 50%.
لقد استمرت المفاوضات شهرا كاملا حول جملة من الملفات التجارية والاقتصادية كانت لو نجحت أن ترسي اتفاق منطقة تبادل حر بين البلدين ولكن الاشتراطات الأمريكية المجحفة كما وصفها رئيس الوزراء الكندي التي حكمت على هذه المفاوضات في نهاية المطاف بالفشل.
مباشرة إثر إعلان كندا عن قرارها “المفاجئ” علّق الرئيس الأمريكي بقوله “كندا هي أسوأ بلد يمكنك التفاوض معه” ونشر على منصته المعروفة Truth Social تدوينة قال فيها “لسنا في حاجة لكندا، بل هي في حاجة إلينا” واصفا المسؤولين الكنديين بأنهم مجرد مهرجين “clowns”.
بالتوازي مع ذلك سارع بالإعلان عن الترفيع ابتداء من غرة جانفي القادم في قيمة الرسوم القمرقية من 25% إلى 50% بالنسبة للعديد من الصادرات الكندية نحو أمريكا في مجالات الإسمنت والحديد والصلب وصناعة السيارات والسيارات الكهربائية وطائفة أخرى من المواد التي تستوردها أمريكا من الجارة كندا.
ردا على ذلك سارع رئيس الوزراء الكندي بالقول “الولايات المتحدة تطلب الكثير ولا تعطي إلا القليل” مضيفا أنها “تتعامل معنا على أننا فرع تابع لها ولن نقبل ذلك”، معلنا قراره بالمعاملة بالمثل والترفيع ابتداء من يوم 8 سبتمبر القادم الرسوم القمرقية من 15 إلى 50% على البضائع والمواد الموردة من أمريكا مثل الحديد والصلب والحليب ومشتقاه والمعدات الفلاحية وصناعة الورق والالكترونيات والتجهيزات المنزلية ملوحا بتوظيف نفس الرسوم أو الزيادات فيها بالقدر الذي يقرره ترامب.
الملف التجاري والخلافات
فور عودة ترامب إلى البيت الأبيض في جانفي 2025 أعلن فرض رسوم قمرقية جديدة على عدد من البلدان بما في دلك كندا وبذلك سقطت اتفاقية التبادل الحرّ بين البلدين بمعية المكسيك. علاوة على ذلك لوّح بضمّ كندا كولاية جديدة في اتحاد الولايات الأمريكية. وابتداء من فيفري 2025 انطلقت الإدارة الأمريكية في تطبيق رسوم بـ 25% على جميع البضائع الكندية باستثناء النفط والطاقة بنسبة 10%. وقد برّر قيس سعيد في البداية بأسباب سياسية وأمنية في إشارة مسألة تدفق الهجرة غير الشرعية والتهريب المخدرات من كندا إلى التراب الأمريكي.
وقد نتج عن هذه الضغوط اضطراب الوضع السياسي في كندا حيث أجبرت حكومة ترودو Trudeau على الاستقالة وتنظيم انتخابات جديدة جاءت بحكومة كارني Carney الحالية.
وقد ردت كندا في الإبان باتخاذ إجراءات مضادة وفرض رسوم بنفس القدر (25%) على البضائع الأمريكية بلغت قيمتها 150 مليار دولار. هكذا نشأت أزمة في العلاقات التجارية بين البلدين كان من المأمول أن تتوصل المفاوضات الأخيرة إلى تجاوزها بشكل شامل وإرساء منطقة تبادل حُرّ غير أن الأمور انتهت يوم 21 أوت الماضي إلى مأزق أعمق من ذي قبل ويمكن القول إلى أخطر أزمة تاريخية في علاقات البلدين.
أزمة جديدة بـ”نكهة” جديدة
تبدو أزمة العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ظاهريا أنها أزمة تجارية تتعلق برسوم ورسوم مضادة “دولار بدولار” ولكن التصعيد الذي تشهده منذ مدة وانتقل إلى مستوى أرقى من “الاشتباك” مباشرة بعد انسحاب كندا من مفاوضات واشنطن الأخيرة يجعلها تكشف عن طبيعة أخطر وأشمل تهم السيادة الوطنية وسلاسل التوريد والتبادل.
من التفاصيل “الطريفة” أن أعلن ترامب يوم 27 أوت، من جانب واحد، تغيير اسم “بحيرة انتاريو” Ontario الكندية إلى “بحيرة أمريكا” Lake America وهو قرار يتعدى مغزاه مجرد “النزعة الانتقامية” لدى ترامب إلى الكشف عن أبعاد أعمق. فعلى المستوى التجاري البحت فإن إخضاع قطاعات السيارات وقطع الغيار وقطاع الصناعات الثقيلة أي قطاعات التعدين، الحديد والصلب والألمنيوم والنحاس، إلى نسبة الرسوم الجديدة (50%) هو مردّ الأزمة التاريخي وجوهرها باعتباره يهدف إلى تركيع كندا وإجبارها على القبول بإغراق أسواقها بالبضائع الأمريكية الصناعية منها والفلاحية (المشروبات الكحولية الأمريكية إلى جانب الإلكترونيات وصناعة السيارات والتجهيزات المنزلية الخ…).
ما وراء الواجهة التجارية المباشرة تكشف هذه الأزمة عن واقع مساعي أمريكا إلى فرض شروط على كندا بخصوص حقها في عقد اتفاقيات تجارية مستقلة مع بلدان أخرى مثل الصين ودول آسيا الأخرى. وقد عبّرت كندا بمناسبة مقاطعة المفاوضات الأخيرة عن رفضها القوي لذلك واعتبرته تدخلا في شؤونها ومساسا بسيادتها الوطنية.
وبنفس المناسبة عبرت كندا عن رفضها بنفس القدر من التصميم والقوة الضغوط الأمريكية من أجل التضييق على استعمال اللغة الفرنسية في ولاية الكيبيك والخصوصيات الثقافية في عموم كندا معتبرة ذلك مرة أخرى اعتداء على سيادتها.
وفوق كل ذلك فإن المفاوضات الأخيرة كشفت عن المساعي الأمريكية لنسف أسس الاتفاقية المسماة USMCA (United States Mexico Canada Agreement) ومحاولة وضع تصور جديد لهذه الاتفاقية أو إلغائها تماما وتعويضها بما يفيد زعزعة قواعد التجارة الدولية.
إن ذهاب ترامب إلى استعمال المادة 338 من قانون التعريفات القمرقية الأمريكي لعام 130 واستغلال الصلاحيات التي يمنحها إياه يعكس نزعته العدوانية إذ أن استعجال اللجوء لهذه المادة يستبطن أن كندا قد أثبتت حقا إلحاق الضرر بالاقتصاد الأمريكي وهي ذات الذريعة التي سمحت له بجملة العدوانات التي قام بها في حق الكثير من الشعوب (فنزويلا وإيران وفلسطين والمكسيك وقروينلاند الخ…).
إن هذا الاستخدام للمادة 338 المذكور لأول مرة تاريخيا من طرف الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب واستهتاره بقرارات المحكمة الأمريكية العليا الصادرة في وقت سابق ضد قرارات رسوم شبيهة الرسوم التي أعلنها هذه الأيام إنما يؤكد أن النظام التجاري الدولي وقواعد المنظمة العالمية للتجارة قد انقرض أو هو على أهبة الانقراض ليحل محله نظام منطق القوة والقهر الذي يتماشى ومنطق الصراعات الامبريالية السائد من سنوات.
صوت الشعب صوت الحقيقة
