بقلم فتحي المرايجي
ثالثا: أي أفق لإنقاذ الجمهورية؟
إن أزمة الجمهورية التونسية ليست مجرد أزمة نصوص دستورية أو توزيع للصلاحيات بين السلطات، بل هي، في جوهرها، أزمة دولة وأزمة مشروع مجتمعي. فالجمهورية لا تستقيم بمجرد وجود دستور أو انتخابات دورية، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين الحرية والعدالة الاجتماعية، وبين الشرعية الشعبية والشرعية الدستورية، وبين الحقوق السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وتكشف التجربة التاريخية أن الجمهورية البرجوازية، رغم ما حققته من تقدم مقارنة بالنظام الملكي، ظلت محكومة بمنطق التفاوت الطبقي وهيمنة رأس المال على القرار الاقتصادي والسياسي. لذلك بقيت الديمقراطية، في كثير من الأحيان، محصورة في بعدها التمثيلي، بينما ظلت الأغلبية الشعبية، وخاصة العمال والكادحون، بعيدة عن المشاركة الفعلية في صنع القرار الاقتصادي والاجتماعي.
لقد أظهرت الثورة التونسية أن الجماهير لم تطالب فقط بحرية التعبير أو بتغيير الحكام، وإنما رفعت أيضا شعارات التشغيل والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية. غير أن جزءا كبيرا من هذه المطالب بقي دون تحقيق، الأمر الذي ساهم في تعميق الإحباط الشعبي وخلق بيئة ملائمة لصعود الخطابات الشعبوية التي قدمت نفسها بديلا عن الديمقراطية التمثيلية دون أن تقدم حلولا جذرية للتناقضات الاقتصادية والاجتماعية.
وفى هذا السياق تبرز أهمية إعادة الاعتبار لدور الجماهير الشعبية باعتبارها صاحبة المصلحة الحقيقية في الدفاع عن الجمهورية والحريات والمكاسب الاجتماعية. فالمواطن ليس مجرد ناخب يُستدعى دوريا إلى صناديق الاقتراع، بل هو فاعل سياسي واجتماعي يمارس رقابته على السلطة، وينظم نضالاته للدفاع عن حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وتُعدّ الاحتجاجات السلمية، والاعتصامات، والإضرابات، والعمل النقابي، والنشاط الحقوقي والمدني، أشكالا مشروعة للنضال الشعبي في مواجهة السياسات المعادية لمصالح الأغلبية، وفي التصدي للنزعات الشعبوية والاستبدادية وما يرافقها من تضييق على الحريات العامة والفردية، واستهداف للقوى الديمقراطية، وتفكيك للأجسام الوسيطة، وتغذية لخطابات التخوين والإقصاء التي تُمهّد، في هذا التصور، لانزلاقات ذات طابع فاشي.
وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن مقاومة الحكم الشعبوي لا تُختزل في الاستحقاقات الانتخابية، بل تستوجب تصعيد النضال الجماهيري المنظم، وتوسيع فضاءات المقاومة المدنية والاجتماعية، وتطوير أشكال التضامن بين مختلف الفئات المتضررة من السياسات القائمة. وقد برهنت التحركات الاجتماعية التي شهدتها تونس، دفاعًا عن الحق في الماء والكهرباء، ومن أجل التشغيل والتنمية والخدمات العمومية، على أن الجماهير لا تزال قادرة على فرض مطالبها وانتزاع حقوقها رغم محاولات القمع والتضييق كما ان المسؤولية التاريخية للقوى الثورية والديمقراطية والتقدمية تتمثل في تجاوز التشتت والخلافات الثانوية، وبناء أوسع جبهة نضالية على قاعدة برنامج وطني ديمقراطي واجتماعي، يوحد نضالات العمال والكادحين والشباب والنساء وسائر الفئات الشعبية، ويواجه الاستبداد والشعبوية والهيمنة الرأسمالية التابعة، ويفتح الطريق أمام تغيير ديمقراطي جذري يضع السلطة والثروة في خدمة الشعب، باعتبار أن الديمقراطية الشعبية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني تمثل الأفق الذي تناضل من أجله هذه القوى.
إن استعادة الجمهورية ثم تطويرها لا يقتضي فقط إعادة بناء المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية، وضمان استقلال القضاء، وحماية حرية الإعلام، واحترام استقلالية الأحزاب والمنظمات الوطنية والجمعيات، باعتبارها مكونات أساسية لأي نظام جمهوري ديمقراطي.
لان هذه الإصلاحات لا تمثل سوى الحد الأدنى من شروط بناء دولة القانون، لأنها لا تعالج بمفردها جذور الأزمة الاجتماعية والاقتصادية. فالديمقراطية السياسية لا تبلغ مداها الكامل إذا بقيت الثروة والقرار الاقتصادي محتكرين من قبل أقلية، بينما تعاني الأغلبية من البطالة والفقر والتهميش. ولهذا فإن التطور التاريخي للديمقراطية لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الجمهورية الليبرالية، بل يتجه نحو الديمقراطية الشعبية في أفق الاشتراكية، باعتبارها شكلا من أشكال التنظيم السياسي والاقتصادي الذي يسعى إلى توسيع المشاركة الشعبية في إدارة الدولة والاقتصاد، وربط الحقوق السياسية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتمكين العمال والكادحين وسائر الفئات المنتجة من الإسهام الفعلي في صنع القرار ومراقبة السلطة.
ومن هذا المنطلق فإن مستقبل تونس، في هذا التصور، لا يكمن في العودة إلى السلطوية، ولا في الاكتفاء بالديمقراطية الليبرالية البرجوازية، وإنما في بناء جمهورية ديمقراطية شعبية، تمثل شكلاً من أشكال سلطة الشعب بقيادة الطبقات الكادحة، وتقوم على التحالف بين العمال والفلاحين وسائر الفئات المنتجة، وتُخضع وسائل الإنتاج والقطاعات الاستراتيجية للمصلحة العامة، وتقضي على الاستغلال والهيمنة الطبقية، بما يمهد للانتقال نحو الاشتراكية، ويحقق السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
خاتمة
تكشف التجربة التاريخية أن النظام الجمهوري لم ينشأ، في أصله، استجابة لتطلعات العمال والكادحين، بل كان ثمرة انتصار البرجوازية على النظام الإقطاعي، فأسس لدولة حديثة تقوم على المواطنة والمساواة القانونية وحماية الملكية الخاصة، دون أن ينهى التفاوتات الطبقية أو يحقق العدالة الاجتماعية.
وفي تونس، حافظت الجمهورية منذ سنة 1957 على شكلها القانوني، لكنها شهدت تحولات متباينة في مضمونها، بين بناء الدولة التونسية، وتركيز السلطة، ثم محاولة الانتقال الديمقراطي بعد ثورة 2011، قبل أن تدخل منذ 25 جويلية 2021 مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تركيز السلطة، وإضعاف جانب من الضمانات الدستورية والمؤسساتية التي يقوم عليها النظام الجمهوري.
وتؤكد هذه التجربة أن الديمقراطية لا تختزل في الانتخابات، وأن الجمهورية لا تستقيم بمجرد وجود مؤسسات شكلية، بل تحتاج إلى قضاء مستقل، وفصل حقيقي بين السلطات، ومجتمع مدني قوي، وأحزاب ومنظمات مستقلة، وثقافة سياسية تقوم على المواطنة والمساءلة واحترام الحقوق والحريات.
كما تؤكد هذه التجربة أن التحرر السياسي يظل ناقصا ما لم يقترن بالتحرر الاقتصادي والاجتماعي، وأن بناء مجتمع أكثر عدالة يقتضي توسيع المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام وربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية.
لذلك، فإن مستقبل الجمهورية التونسية يظل رهينا بقدرة التونسيات والتونسيين على بناء دولة قانون ومؤسسات، وفي الوقت نفسه فتح أفق لنموذج تنموي واجتماعي أكثر عدلا، يضمن الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية، ويجعل السيادة الشعبية ممارسة فعلية لا مجرد مبدأ دستوري، حتى تصبح الجمهورية دولة لكل المواطنين، لا أداة في خدمة فئة أو طبقة أو فردا.
صوت الشعب صوت الحقيقة
