بقلم حسين الذوادي
دخلت تونس مرحلة ديموغرافيّة جديدة تختلف جذريّا عن المرحلة الّتي عرفتها البلاد منذ عقد السّتّينيّات، فالمسألة لم تعد تتمثّل في ارتفاع عدد السّكّان وضغط النّموّ الدّيموغرافي على الموارد، وإنّما في انخفاض الخصوبة، وتقلّص قاعدة الهرم السّكّانيّ، وتسارع الشّيخوخة، وتراجع حجم الأجيال الشّابّة، بالتّوازي مع بطالة مرتفعة وهجرة جزء من قوّة العمل الشّابّة (1)(2).
بلغ عدد سكّان تونس حسب التّعداد العامّ للسّكّان والسُّكنى لسنة 2024 نحو 11.972.169 نسمة، وأظهرت نتائج التّعداد تغيّرا واضحا في تركيبة السّكّان حسب العمر (1)، كما تكشف التّقديرات السّكّانيّة الرسميّة المنشورة سنة 2026 أنّ مؤشّر الخصوبة انخفض من أكثر من ثلاثة أطفال للمرأة سنة 1994 إلى 1.54 طفل سنة 2024، وأنّ التحوّل الدّيموغرافي في تونس كان أسرع وأعمق ممّا كانت تشير إليه التّقديرات السّابقة (2). ولا ينبغي التّعامل مع هذه المعطيات باعتبارها مجرّد مشكلة في عدد الولادات، فالولادة هي النّتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من الشّروط الاجتماعيّة والاقتصاديّة الّتي تسبقها، فالإنسان لا يعيش خارج المجتمع، والأسرة لا تتكوّن خارج شروط العمل والسَّكن والدّخل والتّعليم والصّحّة والرّعاية، والطّفل لا يصبح جزء من قوّة العمل المستقبليّة بمجرّد ولادته، وإنّما يحتاج إلى سنوات من التّربية والتّعليم والصحّة والتّكوين، ولذلك فإنّ انخفاض الخصوبة لا يمكن تفسيره تفسيرا جديّا إذا عُزل عن الطّريقة الّتي أصبح بها المجتمع التّونسي ينتج موارده، ويعيد توزيعها، ويعيد إنتاج قوّة العمل داخله، ذلك أنّ المجتمع الّذي يريد استمرار أجياله يحتاج إلى إنتاج شيئين في الوقت نفسه: وسائل العيش من جهة، والإنسان القادر على استعمالها وإنتاجها من جهة أخرى.
البطالة: المرآة التي تكشف اختلال التوازنات
ولهذا فإنّ إعادة إنتاج السّكّان ليست عمليّة بيولوجيّة فقط، بل هي عمليّة اجتماعيّة واقتصاديّة كاملة. فعندما يصبح الحصول على العمل المستقرّ أكثر صعوبة، ويصبح السّكن المستقلّ أكثر كلفة، وتصبح رعاية الأطفال عبئا كبيرا على الأسرة، ويطول الانتقال من التّعليم إلى العمل، فإنّ تكوين الأسرة نفسها يصبح أكثر صعوبة، ومن هنا ينبغي أن يُفهم الانخفاض الدّيموغرافي بوصفه أحد التّعبيرات عن اختلال أوسع في شروط إعادة إنتاج المجتمع. وتكشف سوق العمل عن أحد أهمّ جذور هذا الاختلال، ففي الثّلاثيّ الأوّل من سنة 2026 بلغ عدد العاطلين في تونس 641.7 ألف شخص، وبلغ معدّل البطالة 15٪، بينما بلغ معدّل البطالة لدى الشّباب بين 15 و24 سنة 37.5٪، وبلغ لدى حاملي الشهادات العليا 24.2٪ (3)، والأكثر دلالة أنّ بطالة حاملي الشّهادات العليا بلغت 32٪ لدى النّساء مقابل 14.2٪ لدى الرّجال (3)، ولا تعني هذه الأرقام أنّ كلّ معطّل يؤجّل الزّواج أو الإنجاب بالضّرورة، كما أنّها لا تثبت وحدها علاقة سببيّة ميكانيكيّة بين تغييب حقّ الشّغل وانخفاض الخصوبة، لكنّها تكشف تناقضا اجتماعيّا واضحا: المجتمع يكوّن أجيالا أكثر تعلّما، ويضخّ كلّ سنة أعدادا جديدة من الشّابات والشّبّان في سوق العمل، بينما لا يخلق النظام القائم ومنواله الاقتصاديّ مواقع عمل مستقرّة ومنتجة تستوعب هذه القوّة البشريّة بالسّرعة نفسها. ونتيجة لذلك يصبح الانتقال من المدرسة والجامعة إلى الحياة الاقتصاديّة طريقا مجهولا طويلا وغير مضمون، ويظهر هذا التّناقض بصورة خاصّة لدى الشّابّات ؛ فارتفاع المستوى المعرفي للنّساء وتوسّع حضورهنّ في التّعليم والعمل جعلهنّ جزءا أساسيّا من قوّة العمل السّائدة، لكنّ استمرار جزء كبير من أعباء الرّعاية والعمل المنزليّ داخل الأسرة يجعل دخول المرأة إلى العمل المأجور لا يعني بالضّرورة تخلّصها من العمل المنزليّ، وهكذا تجد المرأة نفسها أمام عبء مزدوج: العمل المأجور من جهة، والعمل المنزليّ والرّعاية من جهة أخرى، وعندما تكون فرص العمل نفسها محدودة أو هشّة، تصبح الكلفة الاجتماعيّة والاقتصاديّة للأمومة أكثر ثقلا.
التغييرات تطال مفهوم الأسرة
وهنا يتغيّر مفهوم الأسرة تدريجيّا، فالأسرة التّونسيّة في الوقت الرّاهن لم تعد تعتمد على نفس الشُّروط الّتي كانت تعتمد عليها الأسرة الممتدّة في الماضي، فقد أصبحت حاجاتها أكثر ارتباطا بالمال والسّوق والخدمات. ذلك أنّ السّكن يحتاج إلى دخل، والتّعليم يحتاج إلى موارد، والنّقل يحتاج إلى المال، والعلاج يحتاج إلى الإنفاق، ورعاية الطّفل تحتاج إلى وقت وخدمات، والاستقلال عن الأسرة الأصليّة يحتاج إلى مسكن ودخل منتظم، وكلّما اتّسعت حاجات الأسرة الحديثة دون أن تتّسع في المقابل قدرة المجتمع على توفير العمل والخدمات، أصبحت عمليّة تكوين الأسرة أكثر صعوبة. ومن هنا يمكن فهم التحوّل الّذي أصاب الزّواج الّذي لا يمكن اختزاله في العامل الاقتصاديّ، لأنّه علاقة اجتماعيّة وإنسانيّة وثقافيّة وقيميّة، لكنّ شروط الدّخول إليه أصبحت في حالات كثيرة مرتبطة بصورة مباشرة بالقدرة على تحمّل أعبائه الماديّة. فالشّابة والشّابّ لا يواجهان تكاليف الزّواج فقط، وإنّما يواجهان أيضا مسألة السّكن والعمل والنّفقات المستقبليّة، ويضاف إلى ذلك عبء آخر للشّابّة الّتي تواجه في الوقت نفسه مسألة الاستقلال الاقتصاديّ وإمكان الجمع بين العمل والأمومة والرّعاية، ولذلك يتحوّل الزّواج في بعض الحالات من علاقة اجتماعيّة إلى ما يشبه مشروعا اقتصاديّا طويل الأجل تُحسب كلفته ومخاطره قبل الإقدام عليه. ولا يعني ذلك أنّ النّاس أصبحوا “سماسرة” بطبيعتهم، وإنّما يعني أنّ النّظام السّياسيّ الّذي يجعل الوصول إلى الحقوق الأساسيّة مرتبطا بدرجة كبيرة بالحسابات الذّاتيّة هو الّذي يدفع جانبا هامّا من المجتمع إلى التّفكير بمنطق فردانيّ يجعلهم يظنّون أنّ كلّ وجودهم هو واجبات وأنّ من واجباتهم تحمّل تكاليف المستقبل، ولهذا فكلّما كان العمل غير مستقرّ، والسّكن مكلفا، والرّعاية محدودة، يصبح تكوين الأسرة قرارا محفوفا بمخاطر اقتصاديّة أكبر.
عندما يصبح السكن عائقا أمام تكوين الأسر الحديثة
وتحتلّ مسألة السّكن موقعا مركزيّا ضمن هذا التّناقض، غير أنّ التّعامل مع إحصائيّات ملكيّة المساكن يحتاج إلى قدر كبير من التّدقيق ؛ فقد أظهر تعداد سنة 2024 معطيات مرتفعة نسبيّا حول ملكيّة الأسر لمساكنها، لكنّ ملكيّة الأسرة للمسكن إحصائيّا لا تعني بالضّرورة أنّ كلّ فرد من أفراد الجيل الجديد يمتلك مسكنا مستقلًّا في الواقع (1) ؛ فقد تكون الملكيّة مسجّلة باسم أحد أفراد الأسرة، وقد يمتلك فرد واحد أكثر من عقار، وقد تعيش عدّة أجيال في المسكن نفسه، ولذلك فإنّ ملكيّة المساكن في الإحصائيّات لا تعكس وحدها القدرة الفعليّة للجيل الجديد على الاستقلال السّكني، كما أنّ نوع المسكن ومساحته وموقعه وتجهيزاته وكلفته مقارنة بالدّخل تُعتبر عوامل أساسيّة في تحديد القدرة الفعليّة على تكوين أسرة مستقلّة، وهذه الجوانب لا تختزلها نسب الملكيّة الإجماليّة وحدها لأنّها تكون في كثير من الأحيان أداة إخفاء وتمويه وخادمة للطّبقة المهيمنة بجهازها السّياسيّ. وهكذا يتحوّل السَّكن من مسألة عقاريّة إلى مسألة ديموغرافيّة، فإذا بقي الشّاب أو الشّابة مرتبطين بالسَّكن العائلي بسبب العجز عن تحمّل كلفة مسكن مستقلّ، يتأخّر الاستقلال الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وإذا تأخّر الاستقلال، يصبح تكوين الأسرة الجديدة أصعب. وليس معنى ذلك أنّ تأخّر الزواج ينتج آليّا عن السَّكن، وإنّما يُعتبر السّكن أحد الشُّروط الماديّة الّتي تتفاعل مع العمل والدّخل وبقيّة الشّروط.
الإنجاب، الأمومة وتنشئة الأطفال
وينطبق الأمر نفسه على الطّفل، فالإنجاب ليس مجرّد تحمّل كلفة الولادة، بل تحمّل كلفة سنوات طويلة من الرّعاية والصحّة والتّعليم والنّقل والتّغذية، ولذلك فإنّ السّياسة الّتي تريد معالجة الأزمة الدّيموغرافيّة عبر منح ماليّة صغيرة عند الولادة فقط تتعامل مع آخر حلقة في السّلسلة وتترك الحلقات السّابقة دون تغيير، فالمشكلة الّتي تواجه الأسرة تتمثّل في مجموع الكلفة الماديّة والزّمنيّة والاجتماعيّة اللّازمة لتربية الطّفل وضمان مستقبله. ومن هنا تصبح الخدمات الاجتماعيّة جزء من السّياسة الدّيموغرافيّة نفسها، فالحضانة العموميّة أو المدعومة، والمطاعم المدرسيّة، والنّقل المدرسيّ، والرّعاية الصحيّة، والتّعليم العمومي الجيّد، والرّياضة والتّرفيه ليست امتيازات منفصلة عن المسألة السّكّانيّة؛ إنّها وسائل تخفّض الكلفة الفرديّة لإعادة إنتاج قوّة العمل، وتسمح للأسرة بأن تنجب وتربّي دون أن تتحمّل وحدها كلّ الأعباء، وهذا يقود مباشرة إلى وضع المرأة. فلا يمكن بناء سياسة ديموغرافيّة تقدّميّة على حساب استقلال المرأة، وليس المطلوب دفع النساء إلى الإنجاب، وإنّما إزالة الظّروف الّتي تجعل الجمع بين العمل والأمومة أكثر صعوبة، فكلّ سياسة تشجّع الإنجاب دون توفير حضانات وخدمات صحيّة وتعليميّة وسكن مناسب ستعيد إنتاج العبء نفسه داخل الأسرة، وغالبا ما ستعيد تحميل المرأة الجزء الأكبر منه، ولهذا ينبغي أن يكون تحويل قسم متزايد من أعمال الرّعاية الضروريّة من عبء خاصّ تتحمّله الأسرة وحدها والمرأة بشكل خاصّ إلى خدمات اجتماعيّة منظّمة ؛ فالحضانة، والرّعاية الصحيّة، ورعاية المسنّين، والمطاعم المدرسيّة، والنّقل الجماعيّ ليست مجرّد خدمات استهلاكيّة، بل وسائل لتحرير الوقت الاجتماعيّ، وخصوصا وقت النساء، وتوسيع القدرة الفعليّة على العمل والإنتاج.
عندما يكف التعليم عن فتح آفاق المستقبل
ومن هنا نصل إلى التّعليم، لأنّه يمثّل الحلقة الّتي تربط الطّفل بقوّة العمل المستقبليّة، فالطّفل الّذي ينقطع مبكّرا عن الدّراسة لا يخسر فرصة تعليميّة فحسب ؛ بل يخسره كامل المجتمع حين يدخل سوق العمل غالبا بمهارات أضعف، وتصبح قدرته على الحصول على عمل مستقرّ أقلّ، ويصبح احتمال بقائه في دائرة الهشاشة أكبر، وفي المقابل فإنّ المجتمع يخسر جزء من الاستثمار الّذي وضعه في تكوينه، ولهذا يجب ألّا تُعالج ظاهرة الانقطاع المبكّر عن الدّراسة باعتبارها مشكلة تربويّة منعزلة، بل المطلوب هو ربط المدرسة والتّكوين المهنيّ والإنتاج، ويجب أن يكون أمام التّلميذ الّذي لا يستطيع مواصلة التعلّم مسار تكوين حقيقيّ يقوده إلى مهنة، وأمام خرّيج التّكوين مؤسّسة أو قطاع اقتصاديّ قادر على تشغيله وتتحمّل الدّولة مسؤوليّة ذلك، فالتّعليم الّذي لا يجد امتداده في الإنتاج يترك تناقضا بين ما ينتجه النّظام التّعليمي وبين ما يستطيع الاقتصاد توظيفه.
الهجرة كنتيجة حتمية للسياسات المتبعة
وهذا يقود إلى الهجرة، فحين يُكوِّنُ المجتمع شابّة أو شابّا ثمّ لا يجدان فرصة حقيقيّة لاستعمال قدراتهما، تصبح الهجرة أحد الخيارات المتاحة أمامهما. ولا يجوز اختزال الهجرة في أحكام أخلاقويّة من قبيل “الحرقة” أو نقص الوطنيّة ؛ فالإنسان عبر التّاريخ يبحث عن ظروف أفضل عندما تكون إمكاناته غير مستعملة في مجتمعه. وقد خصّص المعهد الوطني للإحصاء ضمن تحليلات تعداد 2024 منشورا خاصّا بالهجرة، إلى جانب منشورات خاصّة بالشّباب والطّفولة والسّكن وكبار السّن، بما يسمح بدراسة الظاهرة ضمن البناء السّكّاني والاجتماعيّ العامّ (4)، لذلك لا يمكن مواجهة الهجرة بالمنع أو بالخطاب الأخلاقي وحده، بل يكمن الحلّ الحقيقيّ في تطوير القدرة الإنتاجيّة المحليّة، فإذا كان الاقتصاد قادرا على خلق عمل منتج ومستقرّ، يصبح البقاء أكثر جاذبيّة، وإذا بقيت قطاعات واسعة عاجزة عن خلق قيمة حياتيّة مضافة وكافية، فسوف يستمرّ الضّغط نحو الهجرة مهما تغيّرت القوانين والإجراءات.
في ضرورة مراجعة سياسات التشغيل
ومن هنا تظهر ضرورة الانتقال من سياسة تشغيل تقوم أساسا على تحميل الشّابات والشّبّان مسؤوليّة انتظار القطاع الخاصّ كي يستوعب قوّة العمل، إلى سياسة إنتاجيّة تقود فيها الدّولة عمليّة الاستثمار في القطاعات ذات الأولويّة، باستعمال الأدوات الّتي تملكها من أجل توجيه الموارد المحدودة نحو إنتاج حقيقيّ. كما لا تحتاج تونس في المرحلة الانتقاليّة إلى محاولة بناء كلّ شيء دفعة واحدة، فالمطلوب هو اختيار قطاعات تجمع بين ثلاثة شروط: حاجة اجتماعيّة واضحة، وإمكانيّة خلق فرص عمل، وإمكانيّة رفع الإنتاج الوطنيّ، اِعتمادا على ما هو متاح. وقد قدّم حزب العمّال برنامجا لكيفيّة توفير الموارد الكافية لتوفير التّمويل الضّروريّ للمرحلة الانتقاليّة (5)، والمعيار هنا ليس عدد الوظائف التي يمكن للدّولة الإعلان عنها بشكل مجرّد لا يشير إلى النّوع ولا إلى اِستمراريّتها، وإنّما عدد الوظائف المنتجة الّتي تزيد القدرة الاجتماعيّة على إنتاج الثّروة. فالخطّة الّتي توظّف أعدادا كبيرة دون زيادة الإنتاج ستتحوّل إلى عبء على المجتمع، بينما تستطيع الخطّة الّتي تربط التّشغيل بالإنتاج توسيع قاعدة الموارد التي تموّل بها الحاجات الاجتماعيّة بشكل منظّم ومهيكل.
المصادر:
(1) المعهد الوطني للإحصاء، التعداد العام للسُّكّان والسُّكنى لسنة 2024 – الموازنة الديموغرافيّة، منشور رسمي، 17 ماي 2025.
(2) المعهد الوطني للإحصاء، التقديرات السُّكّانيّة للفترة 2025–2054، منشور رسمي، 15 ماي 2026. عنوان الوثيقة الفرنسيّة (Projection de la population).
(3) المعهد الوطني للإحصاء، مؤشّرات التشغيل والبطالة – الثلاثي الأوّل 2026، منشور بالعربيّة والفرنسيّة، 15 ماي 2026. مؤشّرات التشغيل والبطالة – الثلاثي الأوّل 2026.
(4) المعهد الوطني للإحصاء، منشورات وتحليلات تعداد 2024.
صوت الشعب صوت الحقيقة
