الرئيسية / صوت العالم / الحصار المالي كبديل عن الحرب على إيران
الحصار المالي كبديل عن الحرب على إيران

الحصار المالي كبديل عن الحرب على إيران

  بقلم الشاذلي المغراوي

في عالم السياسة الدولية المعاصر، لم تعد الحروب تُخاض فقط بالدبابات والطائرات؛ بل أصبحت غرف المقاصة الإلكترونية والتحويلات البنكية ساحات معارك لا تقل ضراوة. وتُمثّل الحالة الإيرانية النموذج الأبرز لما يمكن تسميته بـ الحرب الناعمة القاتلة، حيث تحول الحصار المالي والاقتصادي من مجرد أداة ضغط دبلوماسية إلى بديل استراتيجي متكامل عن المواجهة العسكرية المباشرة.

السلاح الصامت: شلّ الشرايين المالية والأرقام الصادمة

تعتمد استراتيجية الحصار المالي على قطع الشرايين الحيوية للاقتصاد الإيراني بدلاً من قصف منشآته. وتتمثل هذه الآلية في عزل طهران عن نظام سويفت” (SWIFT) العالمي، وتجميد أصولها في الخارج، وفرض عقوبات ثانويةصارمة تطال أي شركة أو دولة تجرؤ على شراء النفط الإيراني.

هذا الحصار ترجمته الأرقام بوضوح؛ فقد انقضت معدلات تحميل النفط الخام الإيراني بشكل حاد لتصل مؤخراً إلى حوالي 259 ألف إلى 287 ألف برميل يومياً فقط، مقارنة بنحو 2 مليون برميل يومياً قبل اشتداد موجات التضييق والحصار، وهو ما يعني تجفيف ما يقرب من 90% من قدرة طهران على التصدير النفطي التقليدي علناً. هذا الحصار جعل من الدولار الأمريكي سلاحاً عابراً للقارات، قادراً على ملاحقة أي معاملة تجارية لإيران حول العالم، مما فرض عليها عزلة مالية غير مسبوقة.

لماذا فضّل الغرب الأرقامعلى الرصاص؟

إن اللجوء إلى خيار الحصار المالي كبديل للحرب المسلحة لم يكن خياراً أخلاقياً، بل فرضته حسابات كلفة ومصالح دقيقة. فالمواجهة العسكرية المباشرة مع دولة بحجم إيران تمتلك حلفاء إقليميين تعني الدخول في نفق مظلم من الخسائر البشرية والمادية الهائلة.

علاوة على ذلك، فإن خيار الحرب يهدد أمن الطاقة العالمي بشكل مباشر؛ فالأرقام تشير إلى أن أي رصاصة تُطلق في الخليج وتهدد مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء ضخم من إمدادات الطاقة العالميةقد تدفع بأسعار النفط لتقفز فوق حاجز 90 إلى 120 دولاراً للبرميل، مما يتسبب في شلل تضخمي يضرب الاقتصاد العالمي الحذر. في المقابل، يوفر الحصار المالي وسيلة ضغط مستمرة، خانقة، وقليلة التكلفة المباشرة للبنوك الغربية، ويسهل تسويقها دولياً تحت غطاء الدبلوماسية.

بين اقتصاد المقاومةوالتوجه شرقاً

على الجانب الآخر، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي أمام هذا الضغط الخانق. فرغم أن الحصار دفع بمعدلات التضخم السنوي في إيران للارتفاع إلى مستويات قياسية تخطت حاجز 87.9% (مع تجاوز تضخم المواد الغذائية حاجز 105%)، وانهيار القوة الشرائية للمواطن العادي، إلا أن النظام الإيراني طور استراتيجيات صمود تُعرف بـ اقتصاد المقاومة“.

شمل ذلك تفعيل شبكات التفاف مالي معقدة، والاعتماد على مقايضة البضائع، والارتماء أكثر في الأحضان الآسيوية عبر تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الصين وروسيا، والاعتماد على ناقلات نفط صغيرة تتحرك عبر طرق بحرية ملتوية للتهرب من الرقابة الدولية.

سلاح ذو حدين يهز عرش الدولار

في الختام، يثبت الواقع أن الحصار المالي نجح بالفعل في كبح جماح الاقتصاد الإيراني ودفعه لطاولة المفاوضات في محطات تاريخية معينة، لكنه عجز عن تحقيق تغيير جذري في سلوك النظام أو شل قدراته بالكامل.

أكثر من ذلك، بدأ هذا السلاح يستنزف قوته الذاتية؛ فالإفراط في استخدام العقوبات المالية دفع إيران، ومعها قوى دولية كبرى كالصين وروسيا، إلى تسريع بناء أنظمة مالية موازية والتبادل بالعملات المحلية. وهو ما يعني أن الحصار الذي أُريد منه حماية النظام الدولي الحالي، قد يكون المسمار الأول في نعش الهيمنة المطلقة للدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي؟

إلى الأعلى
×