الرئيسية / صوت الوطن / المجلس الأعلى للتربية والتعليم: حلّ لأزمة التربية أم تعميق لها؟
المجلس الأعلى للتربية والتعليم: حلّ لأزمة التربية أم تعميق لها؟

المجلس الأعلى للتربية والتعليم: حلّ لأزمة التربية أم تعميق لها؟

بقلم : علي الجلولي

أخيرا، وبعد قرابة عامين، أصدر سيادته بالرائد الرسمي ليوم 14 أوت الجاري القرار الخاص بضبط تركيبة المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وتسمية كاتبه العام، وتحديد موعد اجتماعه الأول المتزامن مع يوم العلم لهذا العام 17 أوت. وبطبيعة الحال لم يفهم أحد لماذا هذا الصدور الآن مثلما لم يفهم محتوى مهمات المجلس. وفيما انبرى جزء من الرأي العام إلى إبداء الرأي في التركيبة وفي قدرات أعضائها، وفي السر وراء إعادة محمد علي البوغديري، الوزير السابق للتربية الذي أقيل بعد عام وأيام من تكليفه بالحقيبة والتي ترافقت مع لغط كبير رغم تفانيه (أي البوغديري) في ضرب النقابات وهو القادم من بطحاء محمد علي بعد تحمل مسؤوليات متقدمة جهويا ومركزيا. ذهب لفيف غير قليل من متتبعي الشأن التربوي إلى التشاؤم من بعث هذا المجلس خوفا من أن يطال العبث الشعبوي المرفق التربوي وهو الذي يعيش بطبعه وضعا مأزوما إلى أقصى درجات التأزم.

إن صياغة موقف من بعث هذه الهيئة الدستوريةيقتضي العودة لما تمّ ضبطه من وظائف ومهمات لهذا الهيكل.

مهمات المجلس الأعلى للتربية والتعليم

بالعودة إلى الإطار التشريعي لهذا المجلس والوارد في المرسوم عدد 2 الصادر في الرائد الرسمي بتاريخ 16 سبتمبر 2024 والذي يضبط تركيبة المجلس واختصاصاته وطرق سيره. أمّا عن التركيبة (الفصل 3) فإضافة إلى تسعة أعضاء معيّنين من طرف رئيس الدولة باقتراح من الوزراء المعنيين، فإن وزراء التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والتشغيل والتكوين المهني والشباب والرياضة والأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن والشؤون الثقافية والشؤون الدينية، هم أعضاء بالصفة ويتوّلون تباعا رئاسة المجلس لمدة ستة أشهر لكل منهم. يضاف إليهم رئيس هيئة الخبراء ورئيس هيئة التقييم وممثل عن النقابة الأكثر تمثيلا، يدعى لحضور الاجتماعات التي تطرح فيها مسائل ذات صلة بالحق النقابي في قطاعه.

واضح إذا من منطوق النص أن التركيبة وفضلا عن كونها معينة بالتمام والكمال، وحتى الممثل الذي تختاره هيئته وهو النقابة الأكثر تمثيلا، فإن حضوره ودوره لا يرتبط بالمهمات الأصلية للمجلس أي التي تهمّ الشأن التربوي والتعليمي، بل يحضر حين يدعى للإدلاء برأيه في المسائل النقابية التي تهمّ القطاع الذي ينتمي إليه، وليس مجمل القطاعات التربوية، بما يعني أن بقية الأسلاك التربوية من التعليم الأساسي إلى العالي لن يكون لها صوت في هذا المجلس، علما وأن المهمات التي تضبطها فصول الأمر المنظم للصلاحيات لا تتعرض للشأن النقابي. هذا يعني فعليا أن القطاع الأكثر تمثيلا والمرجح أن يكون التعليم الثانوي أو التعليم الأساسي، لن يتمثل في هذا المجلس أو سيكون حضوره محدودا وشكليا وعرضيا. وللمجلس بعث لجان قارة أو مؤقتة، كما يستعين بهيئة للخبراء متكونة من 14 عضوا من ذوي الخبرة التربوية (15 سنة على الأقل) منهم أربعة متفقدين بيداغوجيين متقاعدين على الأقل. كما يستعين بهيئة للتقييم تتكون من 9 أعضاء لا تقل خبرتهم عن 20 عاما. والمجلس يختار أعضاء الهيئتين من بين المترشحين عبر لجنة تحدث للغرض، وتدوم العضوية 3 سنوات تمدد مرة واحدة.

أمّا عن المهمات التي ضبطها الفصلان 12 و13 فهي التداول في كل المسائل المعروضة أمامه، وهي:

  • إبداء الرأي فيما يعرضه عليه رئيس الدولة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس الجهات والأقاليم.

  • التعهد التلقائي بما يدخل في خانة اهتماماته: الخطط الوطنية الكبرى في مجال التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل.

  • التداول في التقارير والتوصيات المقدمة من هيئة الخبراء وهيئة التقييم.

  • إعداد تقرير سنوي حول أعماله ينشر في الرائد الرسمي.

المجلس الجديد هيكل استشاري صوري

يتضح من خلال التركيبة والمهمات التي ضبطها مرسوم رئاسي أن هذا المجلس لن يكون إلا مجلسا صوريا لا يتجاوز دوره النظر فيما يعرض عليه، وبالتالي لن يكون سوى مكتب تسجيل ذي رأي استشاري. ولما كانت تركيبة هيئة المجلس تركيبة معينة فإن فضاء التحرك لن يكون مستقلا وسياديا، بل سيكون في حدود الضوابط المرسومة. إن تجربة المجالس العليا في بلادنا وفي العالم تؤكد أن فاعليتها مرتبطة رأسا بطبيعة تكليفها. وإذا كان هذا التكليف في إطار التعيين لا في سياق الصفة المهنية، بل في سياق تعيين كفاءات، فإن جوهر هذا التكليف لن يكون إلا الاحتكام لمنطق المبايعة والتبعية. يضاف إلى ذلك طبيعة النظام القائم وهو نظام حكم فردي مطلق، فإن دور مجلس التربية والتعليم لن يكون سوى الخضوع إلى منطق الحاكم بأمره الذي لا صوت إلا صوته ولا رأي إلا رأيه. لذلك فإن انحرافا كبيرا طبع النقاش حول إعلان تركيبة المجلس وتحديد موعد انطلاقه حول كفاءة الشخصيات المعينة وقدراتها واختصاصاتها. إن الأمر يتجاوز هذا الجانب إلى طبيعة المجلس وحدود مهامه، وهي كما وضحنا مهمات محددة ومحدودة ومؤطرة بحواجز مباشرة وغير مباشرة مما سيعيق هذا المجلس وسيحوّله إلى مجلس فاقد للأدوار الفعلية التي يتطلبها النظر في المرفق التربوي اليوم الذي يعيش أعمق أزماته وأحدها.

أمّا إذا نظرنا إلى عمل المجلس من جهة طبيعة الجهات التي ستوجه له المشاريع للنظر، فهي جميعها جهات غير حاملة لرؤية جدية لحل أزمة التربية والتعليم، فلا الرئاسة ولا مجلسي باردو لهم ما يقدمون في الشأن التربوي ولا غيره من مرافق الخدمة العامة التي تعرف جميعها الانحدار والعجز مثل مرافق الصحة والنقل والسكن والبيئة والثقافة… لذلك يسود الإحباط في الأوساط التربوية التي تلمس يوميا عملية التصفية الممنهجة للمدرسة العمومية.

ماذا تحتاج التربية والتعليم في بلادنا؟

يعتبر الاتفاق واسعا بين المكونات التربوية على تقدير حجم الأزمة العميقة والشاملة التي تطال مرفق التربية والتعليم بكل درجاته ومستوياته. ولئن لعبت النقابات تاريخيا دورا تعبويا وتأطيريا مهما وواسعا لبلورة المطالب التربوية لا في شقها المادي فحسب، بل أيضا وأساسا في شقها المعنوي والمضموني الذي يهم السياسة التربوية بمختلف جوانبها وتفاصيلها، فإن استهداف هذا الأطر النقابية في إطار العداء للأجسام الوسيطة التي يتمّ تصفيتها، فإن الفاعلين التربويين أصبحوا اليوم مجردين تقريبا من أطر التمثيل الحاملة لمقارباتهم وتصوراتهم وبدائلهم وهو ما وسّع إمكانات تدخل الخطاب الشعبوي التدميري الذي لخصه قيس سعيد بقوله في خطابه في يوم العلم الأخير إن الشعب هو الذي يختار ملامح التعليم، وهو كلام وإن كان براقا في ظاهره، فإنه خطاب مغالط وخطير على المرفق التربوي. إن الشأن التربوي هو شأن مجتمعي دون شك، ومن علامات تقدم المجتمعات اهتمامها بالتربية ونقاشها العمومي لوضعها، لكن أن يتمّ السطو على هذا الأفق بممارسات شعبوية مثل الاستشارة الإلكترونية التي انتظمت منذ سنتين والتي احتكمت إلى منطق تصفوي سياسوي جرّ حتى التلاميذ القصر لتعمير استمارات إلكترونية حول مستقبل التعليم مناهج ومضامين وآفاق، وجرّ أولياء لتعمير الاستمارات عوضا عنهم للتلاعب في الأرقام لا غير والإيهام بالنجاح غير المحدود لهذه الاستشارة التي لا يعلم أحد عمّا أسفرت عنه سوى الوزير السابق، الكاتب العام الحالي لمجلس التربية محمد علي البوغديري ورئيسه الذي قدم له تقريرا لم ينشر إلى اليوم.

إن أخطر ما يهدد المرفق التربوي اليوم هو المعالجة الشعبوية اليمينية المحافظة التي لن تزيد أزمته إلا مزيدا من التأزم. إن التربية والتعليم هي الوجه الآخر للمجتمع والشعب والبلاد، هي المعبّر عن تطلعاته التحررية أو عن آفاقه المظلمة باسم الهوية والخصوصية والعنتريات الموغلة في الرجعية. إن مهمة المربين ومن خلالهم كل قوى التقدم اليوم هي التمترس للدفاع عن التعليم العمومي، المجاني، الديمقراطي وعن الثقافة الوطنية النيرة والعقلانية والتقدمية.

إلى الأعلى
×