بقلم عمار عمروسية
تزايدت في الأسابيع الأخيرة مؤشرات كثيرة طالت مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إلى الاعتقاد بأن بلادنا قد دخلت من الباب الكبير إلى مشارف منطقة الهزّات والاضطرابات التي من الممكن جدّا أن تعيد رسم ملامح المشهد العام بما يفتح أفقا جديدا أمام متغيّرات مختلفة وحتّى متناقضة قد تصل مستوياتها القصوى ضمن ثنائية إمّا ولوج طور جديد أكثر وحشية وهمجية قياسا بما هو سائد أو إحياء المسار الثوري المعطّب ومدّه بمقوّمات نهوض جديد من أجل تحقيق الأهداف المباشرة والاستراتيجية لثورة الحرية والكرامة المغدورة.
فالبلد على حدّ تعبير البعض على صفيح ساخن ينذر بالانفجار في أيّ وقت وبأيّ قادح قد يبدو بسيطا، وهي لدى آخرين عبارة عن مرجل يغلي تشتدّ حرارته من جهة بالإخفاقات المتواصلة لمنظومة الحكم الغارقة في تكريس سياسات القهر والتنكيل ومن جهة ثانية بمشاعر الغضب من تقهقر الأوضاع والنقمة المتنامية على المنظومة القائمة خصوصا بعد صائفة العطش والظلام التي رفعت من وتائر الحراك الاجتماعي ودفعته إلى مستويات غير مألوفة في هذا الفصل.
تتدحرج الدولة تحت حكم “قيس سعيد” بخطى متسارعة نحو خانة الدولة الفاشلة غير القادرة على تأمين أبسط حاجيات الشعب الحيوية مثل الماء والنور الكهربائي والكثير من الأدوية لبعض الأمراض المستعصية والمزمنة زيادة عن تفاقم آفة البطالة في صفوف مئات آلاف من أصحاب الشهائد العليا وسواهم، وبالتوازي مع ذلك، رغم حرارة هذه الصائفة ونواميسها القائمة على التراخي والهدوء، وجد طيف واسع من الضحايا أنفسهم مجبرين على مغادرة دوائر التشكي والخوف وملامسة ميادين الحراك والاحتجاج بوسائل وأساليب مختلفة أجبرت السلطة على كبح جماح لجوءها المفرط لأساليب البطش والتنكيل إذ أنها اكتفت على غير العادة بملازمة الفرجة على احتجاجات مجموعات الغضب بالليل والنهار على امتداد جغرافيا البلد، أكثر من ذلك فالسلطة الغاشمة التّي كثيرا ما حرصت على صون قوّتها التي لا تقهر وجدت نفسها مجبرة على التراجع وإطلاق سراح شبيبة منطقة “برج الرأس” بولاية “المهدية”.
ينهض مثلما أسلف ضحايا التهميش والإهمال وتتقاطع حركات الاحتجاج النقابي المنظم مع روافد عديدة فيها أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل، المصممين على وضع حدّ لوعود التسويف والتحايل ونصب أعينهم تفعيل القانون 18، وفيها حراك عملة شركات البيئة والغراسة في ولايات عديدة (قفصة، تطاوين، قبلي الخ…) لضمان مورد رزقهم وتعطيل التلويح بقطع أرزاقهم تحت قناع الإحالة على التقاعد المبكر…
كثيرون يعتقدون بأنّ حراك هذه الصائفة ليس سوى مقدّمات لخريف الغضب الأوسع والأشدّ بالنّظر لعوامل عديدة فيها اشتداد القبضة الأمنية الثقيلة على الفضاء العام وتوالد المشكلات الاجتماعية بالتزامن مع العودة الدراسية زيادة عن الروزنامة الثقيلة من ناحية للإضرابات المعلنة من قبل قطاعات وازنة بالاتحاد العام التونسي للشغل (إضراب البنوك لمدّة 5 أيام، إضراب النقل، إضراب 3 أيام لعمال شركة فسفاط قفصة، إضراب عمال البلدية..) ومن جهة أخرى لقرارات قادمة من مجالس وطنية لقطاعات نقابية فاعلة مثل التعليم الثانوي والأساسي والصحة والبريد الخ…
مأزق المنظومة الشعبوية المتعاظم
مثلّت الحصيلة الصفرية لسنوات حكم “قيس سعيد” وعلى الأخصّ بعد انقلاب 25 جويلية 2021 براهين ملموسة على زيف جميع المضامين الأساسية للخطاب الشعبوي القائم على ترويج الوعود الزائفة بهدف التضليل والتستّر على حقيقة الاستمرار الفظيع في استنساخ الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية القديمة بما يناقض بصفة جوهرية مزاعم الدكتاتور القطع مع الماضي وسيّئاته حتّى أضحت الهرولة نحو الوراء هي خط السير الوحيد الذي يجد ترجمته الملموسة مع اشتداد الأزمة الشاملة التي تعصف ببلادنا وتنزل بأثقالها تقريبا على مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية وفي طليعتها الطبقة العاملة وصغار ومتوسطي الفلاحين وعموم المهمشين والمقصيين اجتماعيا.
فالكلّ تقريبا يدفع ثمن التوحش الاقتصادي النيوليبرالي، والكلّ وإن بتكاليف مختلفة وبطرق متباينة يتحمّل أعباء سطوة الانفلات الدكتاتوري القائم على تجريف الفضاء العام لكتم الأصوات الناقدة وخنق الأنفاس ضمانا للهدوء و”السلم الاجتماعية” التي كشف مؤخرا الحراك السياسي والاجتماعي طابعها الهش وحتى الزائف مهما كانت فضاضة المعالجات الأمنية وعبثية الأحكام القضائية.
فالوقائع المرتبطة بفعاليات الصراع الطبقي ببلادنا ونذر اتجاهات تطوّره ترجّح فرضية توسع دوائر الاشتباك وتجذر الأساليب النضالية والمضامين في آن واحد بما يضمن تحقيق جملة أهداف ضرورية وأساسية (كسر حاجز الخوف، اكتساب عمق شعبي أوسع، حسن الربط بين سياقات النضال المختلفة…) لإنضاج ظروف المنازلة الحاسمة مع منظومة التنكيل والعبث التي تآكلت شعبيتها بشكل كبير وفقدت الكثير من حزامها السياسي المساند الذي أضحى ممثلا في مجموعتين من سقط متاع “اليسار” الانتهازي المعتاد على تدوير الزوايا والأكل من جميع الموائد.
فالمنظومة الشعبوية طوال السنوات الماضية خسرت تدريجيا روابطها مع الشعب وفشلت ليس فقط في خلق قاعدتها الطبقية الخاصة وإنما في مدّ الجسور وتمتينها مع التحالف الطبقي الرجعي الذي مثّل عبر كل العهود منذ 1956 الحاضنة الصلبة لمختلف الأنظمة المتعاقبة.
فالفراغ يكبر حول حكم “سعيد” والعزلة الداخلية والخارجية تشتدّ ضمن عالم تهزّه الصراعات ومحيط عربي وإقليمي شديد الاضطراب وحادّ التقلبات المحكومة في أغلب الأحيان بمصالح قوى امبريالية عظمى وحسابات دول إقليمية وازنة، الأمر الذي يجعل جميع خيارات محاولات تموقع السلطة الحالية محفوفا بمخاطر التصادم مع هذا التكتل أو ذاك.
يضيق الخناق حول منظومة التنكيل وتتزايد مصاعبها الاقتصادية والمالية ويجعلها أكثر من أيّ وقت مضى في مرمى سهام الغضب المتصاعد من كل حدب وصوب. فالمطالب الاجتماعية كثيرة وخيارات السلطة محدودة ومعدومة في حالات كثيرة ممّا يسهّل على الأخيرة الانغماس في توظيف مختلف الأجهزة الصلبة للحفاظ على مصالح الطغمة المتنفذة التي أنهكتها الحروب الخفيّة لمراكز النفوذ في سلطة مركزها الحكم الفردي لـ”ساكن قرطاج” ومحيطها رؤوس من العائلة والأصهار تحت مرافقة بعض رجالات الأجهزة الصلبة يتقدّمها كما لم يحصل جموح غير متناه لبعض جنرالات العسكر المولعين باستنساخ أسوإ ما يحصل في محيطنا العربي وعلى الأخصّ بكل من “الجزائر” و”مصر”.
صوت الشعب صوت الحقيقة
