بقلم فتحي المرايحي
مقدمة
يمثل النظام الجمهوري أحد أبرز الأشكال السياسية التي عرفتها الدولة الحديثة، غير أن ظهوره التاريخي لم يكن تعبيرا عن انتصار الطبقات الشعبية أو استجابة مباشرة لمطالب العمال والكادحين، بل جاء في سياق التحولات العميقة التي شهدتها أوروبا مع انهيار النظام الإقطاعي وصعود الطبقة البرجوازية. فقد احتاجت البرجوازية، بعد أن أصبحت القوة الاقتصادية الصاعدة، إلى دولة حديثة تكفل حرية المبادرة الاقتصادية، وتحمي الملكية الخاصة، وتزيل الامتيازات الوراثية التي كانت تعيق تطور الرأسمالية. ومن هنا نشأت الجمهورية الحديثة باعتبارها الإطار السياسي والقانوني للدولة البرجوازية.
إن الدولة ليست مؤسسة محايدة تعلو فوق المجتمع، وإنما هي انعكاس لميزان القوى بين الطبقات الاجتماعية. لذلك لا ينظر إلى الجمهورية باعتبارها نهاية الصراع الطبقي، وإنما باعتبارها شكلا تاريخيا من أشكال الدولة التي تعبر، في مرحلتها الليبرالية، عن مصالح الطبقة البرجوازية، رغم ما حققته من مكاسب مهمة مقارنة بالأنظمة الملكية والإقطاعية، وفي مقدمتها المساواة القانونية والمواطنة وإلغاء الامتيازات الوراثية.
ومع تطور الرأسمالية، خاضت الطبقة العاملة والحركات النقابية والشعبية نضالات طويلة من أجل توسيع الحقوق السياسية والاجتماعية، وانتزاع الحق في التنظيم النقابي، والاقتراع العام، والضمان الاجتماعي، والحق في العمل والتعليم والصحة. وبذلك لم تكن الحقوق الاجتماعية منحة من الجمهورية البرجوازية، بل كانت ثمرة نضال تاريخي فرضته الجماهير الشعبية.
وفي العقود الأخيرة، برزت الشعبوية باعتبارها أحد التحديات التي تواجه الأنظمة الجمهورية، إذ تقوم على اختزال الإرادة الشعبية في إرادة الزعيم، وإضعاف المؤسسات الوسيطة، وتهميش آليات الرقابة الدستورية، بما يفتح المجال لعودة الحكم الفردي داخل الشكل الجمهوري نفسه.
وتطرح التجربة التونسية، منذ إعلان الجمهورية سنة 1957 وصولا إلى المرحلة الشعبوية بعد 25 جويلية 2021، أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة، وحدود الجمهورية الليبرالية، والعلاقة بين الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، وإمكانية بناء جمهورية ديمقراطية اجتماعية تضع السلطة والثروة في خدمة الأغلبية الشعبية.
أولا: مفهوم النظام الجمهوري وخصائصه
يرجع أصل كلمة الجمهورية إلى التعبير اللاتيني Res Publica أي “الشأن العام”، بما يفيد أن الدولة ليست ملكا لشخص أو لسلالة حاكمة، وإنما هي شأن يخص مجموع المواطنين. وقد ارتبط هذا المفهوم تاريخيا بقيام الدولة الحديثة القائمة على المواطنة وسيادة القانون، في مقابل الأنظمة الملكية الوراثية.
ومن الناحية القانونية، يقوم النظام الجمهوري على جملة من المبادئ، من أبرزها سيادة الشعب، وعلوية الدستور، وخضوع الحكام والمحكومين للقانون، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي على الحكم، واستقلال القضاء، وضمان الحقوق والحريات، وحياد مؤسسات الدولة.
غير أنه من الضروري التمييز بين الشكل القانوني للدولة ومضمونها الطبقي. فالجمهورية، وإن أعلنت المساواة بين المواطنين أمام القانون، لم تلغ التفاوت في ملكية وسائل الإنتاج والثروة، بل وفرت الإطار القانوني والسياسي الذي يسمح للرأسمالية بالتطور. لذلك اعتبر كارل ماركس وفريدريك إنجلز أن الدولة الجمهورية الليبرالية تمثل، في جوهرها، دولة برجوازية، لأن مؤسساتها، رغم طابعها العام، تعمل في نهاية المطاف على حماية النظام الاقتصادي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
ومن هذا المنظور، فإن الثورة البرجوازية لم تكن ثورة للعمال والفلاحين، بل كانت ثورة للبرجوازية ضد الإقطاع. فقد أزالت الامتيازات الإقطاعية، وحررت السوق، ورسخت مبدأ المساواة القانونية، لكنها لم تنه الاستغلال الاقتصادي، بل أعادت إنتاجه في إطار علاقات الإنتاج الرأسمالية.
ومع ذلك، شكلت الجمهورية البرجوازية تقدما تاريخيا مقارنة بالنظام الملكي المطلق، لأنها فتحت المجال أمام نضالات الطبقة العاملة والقوى الديمقراطية من أجل توسيع الحقوق والحريات. فحق الاقتراع العام، والحق في الإضراب، والحقوق النقابية، والتشريعات الاجتماعية، لم تكن جزءا من المشروع البرجوازي الأصلي، وإنما جاءت نتيجة عقود طويلة من النضال الاجتماعي والسياسي.
ومن ثم، فإن الجمهورية لا تكتسب مضمونها الديمقراطي بمجرد اعتماد الانتخابات، بل بمدى قدرة المجتمع على فرض التوازن بين السلطة السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وضمان مشاركة المواطنين في صنع القرار، وعدم احتكار السلطة أو الثروة من قبل أقلية مهيمنة.
ثانيا : مآلات النظام الجمهوري التونسي من الحكم البورقيبي إلى الحكم الشعبوي
إن التجربة التونسية تؤكد أن الشكل الجمهوري للدولة لا يكفي وحده لضمان الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية، كما أن الشرعية الانتخابية أو الشعبية لا تغني عن وجود مؤسسات مستقلة وآليات رقابة دستورية. فالجمهورية التي تضعف فيها المؤسسات، ويغيب فيها القضاء الدستوري المستقل، تصبح أكثر عرضة للانتقال من حكم المؤسسات إلى حكم الأشخاص، ومن دولة القانون إلى دولة الإرادة الفردية.
وإذا كانت الجمهورية التونسية قد حافظت، منذ إعلانها سنة 1957، على شكلها الدستوري، فإن مضمونها عرف تحولات متباينة. ففي عهد الحبيب بورقيبة ارتبط بناء الدولة الوطنية بإرساء مؤسسات الإدارة الحديثة، وتعميم التعليم، وتحديث التشريعات، وفي مقدمتها مجلة الأحوال الشخصية، وتوسيع الخدمات العمومية، غير أن هذه المكاسب اقترنت بتركيز السلطة التنفيذية وهيمنة الحزب الواحد، وانتهت بإقرار الرئاسة مدى الحياة سنة 1975، بما مثل خروجاً عن أحد المبادئ الجوهرية للجمهورية، وهو التداول السلمي على السلطة. أما في عهد زين العابدين بن علي، فقد استمرت الجمهورية شكلاً، بينما تعمقت السلطوية مضموناً من خلال هيمنة السلطة التنفيذية، وتراجع استقلال القضاء، والتضييق على الحريات العامة، وترسيخ التحالف بين السلطة السياسية ورأس المال، بما أدى إلى اتساع الفوارق الاجتماعية وتفاقم البطالة والتهميش، ولا سيما في الجهات الداخلية.
وقد جاءت ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011 تعبيراً عن رفض هذه الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، رافعةً شعارات الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية. وسعت المرحلة الانتقالية إلى إعادة تأسيس النظام الجمهوري على أسس دستورية جديدة تُوّجت بدستور 2014، الذي كرس الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والهيئات الدستورية المستقلة، وضمان الحقوق والحريات. غير أن هذا المسار ظل منقوصاً بسبب عدم إرساء المحكمة الدستورية، واستمرار الأزمة الاقتصادية، وتعثر الإصلاحات الاجتماعية، وهو ما أضعف ثقة المواطنين في المؤسسات الديمقراطية.
ومنذ 25 جويلية 2021 دخلت تونس مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تركيز السلطة التنفيذية، وتراجع الدور الرقابي للبرلمان، وإعادة تنظيم السلطة القضائية، وإضعاف عدد من الهيئات المستقلة، والتوسع في إصدار المراسيم، إلى جانب تضييق المجال العام وتراجع دور الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والأجسام الوسيطة. وإذا كانت هذه التحولات قد قُدّمت باعتبارها تصحيحاً لمسار الانتقال الديمقراطي، فإنها، من زاوية النظر إلى الجمهورية في مفهومها البرجوازي، تمثل تراجعاً عن عدد من المبادئ التي يقوم عليها هذا النموذج، وفي مقدمتها الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية، وحرية التعبير، ووجود مؤسسات دستورية مستقلة تمارس الرقابة على السلطة التنفيذية. وبذلك، انتقل مركز الثقل السياسي من منطق المؤسسات والتوازن بينها إلى منطق تركيز السلطة، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول مستقبل الجمهورية الدستورية في تونس. انه بات من المؤكد أن هذه التحولات رغم ما تكتسيه من أهمية لا تمثل انتقالاً من الدولة البرجوازية إلى دولة شعبية، بقدر ما تعكس أزمة داخل الدولة البرجوازية نفسها، حيث أُعيد تركيز السلطة السياسية دون إحداث تحول جذري في البنية الاقتصادية أو في طبيعة علاقات الإنتاج. ولذلك بقيت المطالب الاجتماعية التي فجرت الثورة، مثل التشغيل والتنمية والعدالة الاجتماعية، دون استجابة جوهرية، في حين استمرت التفاوتات الاجتماعية والجهوية، وتواصلت معاناة العمال والكادحين والفئات الشعبية. ومن ثم، فإن ما عرفته تونس لا يمثل تجاوزاً للجمهورية البرجوازية، وإنما انحرافاً عن آلياتها الدستورية، مع الإبقاء على الأسس الاقتصادية والاجتماعية ذاتها.
وفي هذا السياق، لا تبدو التجربة التونسية استثناءً عن مسار عرفته دول عديدة خلال العقود الأخيرة، حيث أفضت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات التمثيلية إلى صعود خطابات شعبوية قدمت نفسها باعتبارها التعبير الحصري عن إرادة الشعب. وقد كشفت هذه التجارب أن الشعبوية، رغم اختلاف سياقاتها الوطنية، كثيراً ما تستثمر في أزمة الجمهورية الليبرالية أو البرجوازية لتبرير إعادة تركيز السلطة التنفيذية وإضعاف الضوابط الدستورية والأجسام الوسيطة، من دون أن تُحدث تحولاً جوهرياً في البنية الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم، فإن فهم مآلات النظام الجمهوري في تونس يقتضي التوقف عند العلاقة بين الجمهورية البرجوازية والشعبوية، باعتبارها إحدى القضايا المركزية في الفكر السياسي المعاصر
(يتبع)
صوت الشعب صوت الحقيقة
