بقلم حمادي المثلوثي
تستقبل القاهرة الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة تكتسي أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي والعلاقات الثنائية. فهي تأتي في لحظة دولية تتسارع فيها التحولات في موازين القوى، وتتراجع فيها تدريجيا قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بتوجيه النظام العالمي، في مقابل صعود الصين وتنامي حضورها الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي. كما تأتي الزيارة في ظرف إقليمي ودولي شديد الاضطراب، تتداخل فيه الصراعات الجيوسياسية مع الصراع على الطاقة وطرق التجارة ومواقع النفوذ. وتكتسب الزيارة أهميتها بالنسبة إلى مصر تحديدا من موقعها الجغرافي والسياسي والاقتصادي، ومن حاجتها إلى تنويع علاقاتها الخارجية في ظل أعباء اقتصادية ومالية متزايدة.
فكيف نفهم هذا التطور المتسارع في العلاقات المصرية–الصينية؟ وهل نحن أمام تحول فعلي في الخيارات المصرية، أم أمام مجرد تنويع للشركاء مع بقاء منطق التبعية قائما؟
من الاعتراف الدبلوماسي إلى الشراكة الاستراتيجية
تعود العلاقات الدبلوماسية المصرية–الصينية إلى سنة 1956، وكانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. ومنذ ذلك التاريخ تطورت العلاقات تدريجيا من التعاون السياسي إلى شراكة استراتيجية شملت التجارة والصناعة والطاقة والنقل والاتصالات والتكنولوجيا والبنية التحتية، وخلال السنوات الأخيرة تسارعت وتيرة هذا التعاون، فقد أصبح التصنيع ونقل التكنولوجيا والاستثمار والطاقة والنقل واللوجستيك من أبرز مجالات الشراكة، فيما تسعى القاهرة إلى جذب مزيد من الشركات الصينية لإقامة مشاريع إنتاجية داخل مصر، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 20.8 مليار دولار سنة 2025، مع استمرار اختلال في الميزان التجاري لمصلحة الصين. وهذا التطور لا يمكن اختزاله في مجرد نمو المبادلات التجارية. فهو يعكس، في جانب منه، سعي مصر إلى تنويع شركائها ومصادر الاستثمار والتمويل، لكنه يعكس في الوقت نفسه تنامي المصالح الاستراتيجية للصين في مصر والمنطقة.
قناة السويس: الاقتصاد في قلب الجغرافيا السياسية
لا يمكن فهم الاهتمام الصيني بمصر بعيدا عن قناة السويس. فقناة السويس تمثل إحدى أهم العقد التجارية والاستراتيجية في العالم، وموقع مصر يجعلها نقطة التقاء أساسية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وبين طرق التجارة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.
لذلك، فإن الاستثمارات الصينية في المناطق الصناعية والموانئ والنقل والطاقة واللوجستيك لا توفر للصين أسواقا جديدة فحسب، بل تتيح لها تثبيت حضورها بالقرب من واحدة من أهم العقد التجارية والاستراتيجية في العالم. وتندرج المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما تستقطبه من صناعات واستثمارات صينية، ضمن هذا البعد الاستراتيجي الأوسع، وهنا تتجاوز العلاقات مجرد المبادلات التجارية لتصبح جزءا من الصراع العالمي على طرق التجارة ومراكز الإنتاج وسلاسل التوريد ومواقع النفوذ. ولذلك فإن الحضور الصيني في مصر ينبغي أن يُقرأ ضمن التحول الأوسع الذي تعرفه بنية الاقتصاد العالمي، وفي إطار توسع رأس المال الصيني خارج حدوده.
الصين: قوة إمبريالية بانتشار ناعم
لا يصح التعامل مع الصين باعتبارها مجرد قوة اقتصادية صاعدة تبحث عن الأسواق. فالصين اليوم قوة إمبريالية كبرى راكمت رأس مال هائلا وقدرات صناعية وتكنولوجية ومالية متقدمة، وتسعى إلى توسيع مجالات نفوذها وتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية على الصعيد العالمي.
وتتمثل خصوصية التوسّع الصّيني بدرجة كبيرة في أدواته. فالصين تعتمد على ما يمكن تسميته «الانتشار الناعم»، وفي مقدمته تصدير رأس المال عبر الاستثمار المباشر، إلى جانب القروض والتمويل، وإنجاز مشاريع البنية التحتية، وإقامة المناطق الصناعية، والاستثمار في الموانئ والطاقة والاتصالات، ونقل الشركات وسلاسل الإنتاج إلى الخارج، وتوسيع المبادلات التجارية والتعاون التكنولوجي. فالصين لا تكتفي بتصدير السلع إلى الأسواق الخارجية، وإنما تعمل على تدويل رأس المال الصيني وربط الاقتصادات المحلية بشبكات الإنتاج والتجارة والتمويل التي تتوسع من خلالها مصالحها. ومبادرة «الحزام والطريق» تمثل أحد أبرز الأطر التي يتجسد من خلالها هذا التوجه ومن هنا، فإن الحضور الصيني في مصر وإفريقيا والعالم العربي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تعاونا اقتصاديا محايدا أو مساعدة بلا مقابل، بل باعتباره أيضا توسيعا لمجال نفوذ رأس المال الصيني. غير أن الاعتراف بالطابع الإمبريالي للصين لا يعني وضعها آليا في الخانة نفسها مع الإمبريالية الأمريكية أو الأوروبية؛ فالإمبريالية ليست نموذجا واحدا جامدا، وقد تختلف أدواتها وأشكالها باختلاف القوى والظروف التاريخية .
والنتيجة السياسيّة الأساسيّة هنا هي أن مقاومة الهيمنة الأمريكية لا تقتضي منح الصين صكّا على بياض، كما أن نقد الإمبريالية الصينية لا يعني الدفاع عن الهيمنة الغربية. فالمعيار الذي ينبغي اعتماده هو مصلحة الشعوب وسيادتها على مواردها وثرواتها وقدرتها على التحكم في خياراتها الاقتصادية والتنموية.
مصر في قلب التنافس الصيني–الأمريكي
تتحرك مصر بين مراكز قوة متعددة: الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا وغيرها، في محاولة لتوسيع هامش المناورة وتنويع مصادر التمويل والاستثمار والتعاون. وهذا التوجه لا ينفصل عن التحولات الجارية في النظام الدولي. فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك نفوذا سياسيّا وعسكريّا واقتصاديّا كبيرا في مصر والمنطقة، بينما تعمل الصين على توسيع حضورها في الصناعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا والموانئ. وقد تزامن تنامي العلاقات الاقتصادية مع تطور التعاون الاستراتيجي والعسكري والتكنولوجي بين القاهرة وبكين. ومن هذه الزّاوية يمكن القول إنّ مصر أصبحت، بحكم موقعها وقناة السويس وحجمها الإقليمي، إحدى النقاط المهمة في التنافس بين القوى الكبرى. وهذا يفسر جانبا من الاهتمام الصيني المتزايد بها، كما يفسر حساسية الولايات المتحدة من هذا التّقارب.
لكن السّؤال الأساسي يبقى: هل يؤدي تنويع الشركاء إلى الخروج من التّبعيّة؟
ليس بالضرورة، فإذا ظلّت مصر تعتمد على المديونية واستيراد التكنولوجيا، وتصدير المواد والمنتجات ذات القيمة المضافة المنخفضة، فإن انتقال جزء من علاقاتها الاقتصادية من واشنطن إلى بيكين أو أوروبا لا يعني بالضرورة تغيير طبعة العلاقة.
فالتّبعية ليست مجرد علاقة سياسية، وإنّما هي بنية اقتصادية تجعل القرار الوطني مرتبطا بالخارج، وبالتالي تُبقي الاقتصاد في موقع تابع داخل التقسيم العالمي غير المتكافئ للعمل.
لذلك فتنويع العلاقات يمكن أن يكون خطوة مفيدة إذا أُستخدم لتوسيع هامش الاستقلال، لكنّه يمكن أيضا يتحوّل إلى مجّرد إعادة توزيع لمصادر التّبعيّة.
فالمطلوب إذن ليس استبدال مركز هيمنة بمركز آخر، وإنّما بناء اقتصاد قادر على استثمار موارده، وتطوير إنتاجه، وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء في القطاعات الاستراتيجية والتحكّم في قراراته وتوجّهاته الاقتصادية.
تعدّد الأقطاب فرصة لا تنفي الصراع
يمثّل الانتقال من عالم أحادي القطبية إلى عالم أكثر تعدّدا في مراكز القوّة فرصة للبلدان التّابعة لتوسيع هامش حركتها. فتعدّد القوى يتيح إمكانية التفاوض وتنويع العلاقات، وكسر بعض أشكال الاحتكار الاقتصادي والسّياسي.
لكن تعدّد الأقطاب لا يلغي التبعيّة تلقائيا، بل يحوّل العلاقات الدولية إلى علاقات متكافئة بمجرّد تراجع الهيمنة الأمريكية. فكلّ قوّة كبرى تتحرّك وفق مصالحها، وكلّ رأس مال يبحث عن مجالات جديدة للتراكم والتوسع.
لذلك لا ينبغي أن يكون السّؤال: واشنطن أم بيكين؟ بل كيف يمكن لمصر أن تستفيد من التناقضات بين القوى الكبرى لتوسيع استقلالها، بدل أن تتحوّل إلى ساحة لتنافسها؟
إنّ المعيار الحقيقي لأي علاقة دولية يجب أن يكون مصلحة الشعب وسيادته على ثرواته وموارده، ومدى قدرته على تحديد خياراته الاقتصادية ورؤيته التنموية بعيدا عن الإملاءات الخارجيّة.
ومن هذه الزاوية فإنّ زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة ليست مجرّد مناسبة دبلوماسية للاحتفال بمرور سبعين سنة من العلاقات ، بل هي تعبير عن تحولات أعمق في ميزان القوى العالمي. غير أن الاستفادة من هذه التحولات لا تتحقّق بتغيير عنوان التّبعيّة، وإنّما بتغيير شروطها نفسها.
فالمسألة ليست أن تختار مصر بين واشنطن وبيكين وإنّما أن تبني من القوّة الاقتصادية والسّياسية والاجتماعية ما يجعلها قادرة على ألاّ تكون مضطرة للاختيار بين مراكز الهيمنة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
