بقلم منذر خلفاوي
الإمبريالية الأمريكية وأزمة الديون
تعيش أغلب اقتصاديات الدول الإمبريالية والبلدان التابعة أزمات اقتصادية حادة رغم نمو ثروة الشركات الاحتكارية والرأسماليين بشكل غير مسبوق. وتعتبر الديون المتراكمة للحكومات الرأسمالية مشكلا وعبئا بالنسبة للشعوب وللأجيال القادمة بصفة خاصة وفي نفس الوقت تمثل حلا يناسب أحزاب اليمين الحاكمة ممثلة الطبقات الرأسمالية التي تثقل كاهل الميزانيات بالاقتراض ذي الفوائد العالية بالنظر لضعف نسب النمو وركود المبادلات التجارية فهي لا تفكر ولا تقدر على اتخاذ التدابير والإجراءات الكفيلة بالاستغناء عن التداين بحكم طبيعتها المتعطشة للربح ومراكمة رأس المال.
تعاني ميزانية الحكومة الفيدرالية الأمريكية من تراكم الديون التي وصلت إلى 1.9 تريليون دولار سنة 2026 (ما يقارب 77 ضعف ميزانية بلادنا مثلا) وهو ما يمثل 5.8 بالمائة من الناتج الداخلي الخام ليصل إلى عتبة الـ 40 تريليون دولارا بصفة إجمالية. وقد أثارت المسألة ردود أفعال متشائمة بخصوص مستقبل الاقتصاد الأمريكي في السنوات القليلة المقبلة لتصل ديون أمريكا سنة 2030 الخمسون تريليون دولار. وتتراوح تكهنات المتابعين للشأن المالي بين من يتوقع انهيار الاقتصاد الأمريكي كما أعلن عن ذلك رجل الأعمال “إيلون ماسك” وبين من يرى أن الأزمة بالإمكان تجاوزها إذا توفرت شروطا معينة كصندوق النقد الدولي… الخ.
هل يمكن أن تنهار أمريكا بسبب الديون
رغم ارتفاع الديون كل سنة لتتجاوز 123.9 بالمائة من الناتج الداخلي سنة 2025 ورغم وصول خدمة الدين وحدها إلى الـ 4 بالمائة من الناتج المحلي متجاوزا ميزانية الإنفاق العسكري فإن احتمال الانهيار حسب عديد الخبراء والمؤسسات يبقى مستبعدا بالنظر لضخامة الاقتصاد الأمريكي. فالقطاع الخاص والشركات الأمريكية قوية كما أن لأمريكا امتيازا هاما يتمثل في كون الدولار عملة احتياطية تتم به أغلب المبادلات التجارية والمالية العالمية وهو ما يسمح لها بتمويل جزء كبير من عجزها الخارجي.
في أغلب الحالات تجد البورجوازية أوقات الأزمات حلولا مؤقتة مثلما تم أثناء أزمة الرهن العقاري سنة 2008 حين تدخل البنك المركزي الأمريكي لإنقاذ الاقتصاد بضخ الأموال المتأتية من مداخيل دافعي الضرائب لدعم البنوك وشركات التأمين والمؤسسات المالية الكبرى. وخلال جائحة كورونا تمكنت البورجوازية من اتخاذ إجراءات استثنائية لدعم الأسواق والشركات ومنع الانهيار الشامل لذلك يمكن القول إن الحكومات الرأسمالية الليبرالية منها أو الشعبوية والفاشية تعمل في كل مرة على تحميل فاتورة الأزمات عبر التداين والإجراءات الاقتصادية والاجتماعية الموجعة وتجاوز انهيار الاقتصاد إلى الطبقات غير المتسببة فيها من عمال وفلاحين وموظفين وشباب ونساء دون المس طبعا بمصالح كبار المليارديرات. كما لدى ممثلي الامبريالية الأمريكية في مختلف الحكومات حلولا قصووية ووحشية لتجاوز الأزمة يمكن مقارنتها نسبيا بالتراكم البدائي الذي وفر ثروات هائلة وقوى إنتاج ضخمة لانطلاق المنظومة الرأسمالية على حساب الشعوب الأصلية (كما قال ماركس: رأس المال جاء يرشح الدم والطين) وهو ما بدأ بتطبيقه “دونالد ترامب” الذي دشن ولايته الثانية بالحروب العدوانية والقوة الغاشمة في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وبالتدخل السافر للاستيلاء على خيرات الشعوب من الطاقات والمعادن النادرة… الخ. إلى جانب فرض الرسوم الجمركية الواسعة على واردات البلدان المنافسة كالصين وروسيا وحتى البلدان الحليفة في الاتحاد الأوروبي وغيرها.
إن التنبؤ بانهيار الاقتصاد الأمريكي من طرف كبار المستثمرين خاصة يأتي في ظل احتداد المنافسة بين القوى الامبريالية، وخطر تعويض المبادلات المالية والتجارية بعملات بديلة محلية مثل اليوان والروبل عوض الدولار مثلما يحصل في منظمة شنغهاي أو بين بلدان البريكس. لذلك يطرحون حلول عديدة من بينها التركيز والاعتماد أكثر على الروبوتات والذكاء الاصطناعي الذي يساعد على زيادة الإنتاج بتكلفة أقل الشيء الذي يؤدي إلى انخفاض الأسعار وزيادة القدرة التنافسية كما يوفر للحكومات والبنوك الوقت للتدخل باكتشاف مؤشرات الأزمة بصفة مبكرة ولكن تبقى مثل هذه الحلول قابلة لإعادة إنتاج الأزمات من جديد بالنظر لمشكل تعويض اليد العاملة بالروبوتات الذي سيؤدي إلى زيادة البطالة وبالتالي نقص الاستهلاك ومن ثمة يحصل الركود الاقتصادي والأزمة.
لا حل لأزمات الرأسمالية بالإجراءات والآليات الإصلاحية
ترفض الحكومات الرأسمالية تطبيق الحلول الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الناجعة التي تمس من مصالح الأقلية المافيوزية والطفيلية رغم أنها إجراءات واقعية وعملية يمكن تطبيقها فهي ليست شعارات طوباوية وشعبوية، ويمكن ذكر البعض منها : سن ضريبة على الثروات الكبرى و مكافحة التهرب الضريبي (أبرز دليل على حجم الفساد ما كشفته فضائح رجل الأعمال “ابستين”) هذه النقاط البرنامجية تمكن من توفير موارد مالية ضخمة تعفي البلدان من التداين لذلك يطرح علينا وعلى القوى الثورية تكثيف الدعاية حول هذه البدائل الممكنة في أوساط الطبقات والفئات الشعبية المفقرة المتضررة والمهددة في مستقبلها لإنضاج الظروف الذاتية لكنس منظومة مصاصي الدماء وانتزاع ملكية وسائل الإنتاج من الطبقات المهيمنة وإحلال النظام الاشتراكي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
