الرئيسية / صوت العالم / هل تلتحق إيران بـ”حلف مكة”: صفقات الأنظمة وإعادة رسم النفوذ الإقليمي
هل تلتحق إيران بـ”حلف مكة”: صفقات الأنظمة وإعادة رسم النفوذ الإقليمي

هل تلتحق إيران بـ”حلف مكة”: صفقات الأنظمة وإعادة رسم النفوذ الإقليمي

بقلم  سها ميعادي 

تتسارع الأحداث السياسية اليوم لتعيد رسم خارطة النفوذ والسيطرة في منطقة الشرق الأوسط وفق منطق واضح، يدور في جوهره حول تأمين مصالح القوى الرأسمالية الدولية وحماية طرق التجارة والاقتصاد النيوليبرالي المعولم. في هذا السياق، جاء الإعلان عن توقيع اتفاق مكة للدفاع المشتركبين ثلاث قوى إقليمية وازنة هي المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان الإسلامية. ويمثل هذا الحلف الثلاثي، الناشئ في ظروف بالغة التعقيد، محاولة لبناء جدار ردع عسكري موحد قادر على حماية الأمن القومي لأعضائه من التهديدات المتصاعدة وإعادة توازن القوى الإقليمي. وتتجاوز أهداف هذا الحلف المعلنة التعاون الدفاعي التقليدي لتصل إلى حماية مصادر الطاقة، وتأمين الممرات البحرية الحيوية، وخلق كتلة عسكرية وسياسية قادرة على التفاوض بندّية مع الأقطاب الدولية.

وفي وقت يصوّر فيه الإعلام الرسمي السائد هذا الاتفاق باعتباره مجرد طوق أمني أحكمت حلقاته لعزل إيران جغرافيا وسياسيا من محاورها الثلاثة، تبرز قراءات تحليليّة أعمق تفكك هذا المشهد المركّب لتكشف الجوانب غير المعلنة: هل تلتحق طهران، المحكومة بحسابات مصالح الدولة الحذرة، بهذا الحلف؟ أم أننا أمام ترتيبات أمنية جديدة هدفها إدماج الأنظمة الإقليمية في منظومة مشتركة تضمن الاستقرار الفوقي وحماية توازنات القوى على حساب تطلعات الشعوب المضطهدة؟

قوّة طهران الإقليمية: الصمود في وجه الضغوط الخارجية

إنّ القراءة الموضوعية للواقع السياسي تفرض الإقرار بأنّ الصمود الإيراني المستمر في وجه الضغوط والعقوبات الأمريكية والغربية، يمثل حجر زاوية في منع الهيمنة الكاملة والمطلقة للمشروع الأطلسي على المنطقة. هذا الصمود، رغم كلفته الاقتصادية والاجتماعية الباهظة التي يتحمّله الشعب الإيراني جراء الحصار الإمبريالي، نجح عبر استراتيجية النفس الطويل في بناء شبكة نفوذ عابرة للحدود تمتد من الخليج إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، ممّا جعل طهران رقما صعبا في معادلة الملاحة وأمن الطاقة العالمي. هذا الثقل العسكري والسياسي يفرض نفسه اليوم كأمر واقع لا يمكن تجاوزه، بل إنّ تأسيس حلف مكةنفسه ليس سوى اعتراف ضمني بعجز العواصم الثلاث (الرياض، أنقرة، وإسلام آباد) عن مواجهة أو احتواء الدور الإيراني بشكل منفرد. غير أنّ هذا التقدير لوزن طهران في مواجهة المشاريع الخارجية، لا يمنعنا من قراءته بشكل نقدي. فالموقف الإيراني، رغم طابعه المناهض للهيمنة الصهيوأمريكية، يظلّ محكوما ببنية نظام سياسي محافظ يرى في أوراق القوة الإقليمية أدوات لتحسين شروط تفاوضه مع المجتمع الدولي وحجز مقعد له على طاولة الكبار، لا لتصفية أركان النظام الرأسمالي العالمي أو تحقيق التحرر الشامل للشعوب.

السياسة الإيرانية: التوازن بين الشعارات والمصالح الحقيقية

عند تتبع مسار السياسة الخارجية الإيرانية، نجد أنفسنا أمام توازن دقيق بين الخطاب الإعلامي العقائدي الحماسي والممارسة السياسية الواقعية والبراغماتية التي تمليها مصالح الدولة. إن الحديث الدبلوماسي المتكرر، خاصة من الجانب الباكستاني، عن إمكانية فتح قنوات تقارب مع إيران أو إشراكها في ترتيبات حلف مكةلتبديد مخاوفها، يعكس طبيعة الحوارات والمناورات الدائرة في كواليس السياسة الإقليمية. وطهران، من جانبها، لا تنظر إلى هذا الحلف ككتلة واحدة، بل تتعامل مع كل دولة فيه بناءً على مصالحها. فالنظام الباكستاني يمثل بالنّسبة إليها جارا مباشرا محكوما بعقيدة عسكرية وظيفية تقتات من المساعدات، وتركيا تمثل شريكا اقتصاديا ومنافسا سياسيا عقلانيا، بينما تمثل الرياض الغريم التقليدي الذي فرضت التوازنات الأخيرة سلوك مسار تصالحي حذر ومؤقت معه. لذلك يمكن القول إنّ تعاطي إيران المحتمل مع حلف مكةمن الصّعب أن يتخذ شكل انضمام رسمي يقيّد حركتها ويحرمها من أوراق ضغطها، بل سيمرّ عبر تفاهمات خلفية ومقايضات جزئية. وتكمن الخشية هنا في أن تنحو واقعية النظام الإيراني، خاصة في أعقاب حرب، نحو التضحية ببعض الملفات الساخنة في المنطقة، في مقابل انتزاع اعتراف إقليمي ودولي بحصتها من النفوذ، وتأمين استقرار نموذجها الاقتصادي والسياسي، والقبول بها كشريك في حراسة الممرات البحرية ومنشآت الطاقة، وهو ما يعني في النهاية الانخراط في ترتيبات الاستقرار الفوقي وحماية توازنات القوى القائمة برعاية دولية.

أهداف حلف مكة“: حماية الاستقرار الداخلي وتصدير الأزمات

من جانب آخر، فإنّ ولادة هذا الحلف ذي الرمزية العالية جغرافيّا ودينيّا في محاصرة النّفوذ الإيراني لا ينبغي أن يحجب عنّا الوظيفة الحقيقية والطبقية له كشبكة أمان للأنظمة الحاكمة التي تواجه أزمات داخلية وأوضاع اقتصادية خانقة. فعواصم هذا الحلف الثلاثي تعاني من ضغوط داخلية حادة جراء ارتهانها للخيارات النيوليبرالية وإملاءات المؤسسات المالية المانحة. فالنظام الباكستاني يواجه صعوبات اقتصادية جمّة وديونا خارجية متفاقمة، ويبحث عبر هذا الاتفاق عن دور عسكري وسياسي يضمن استقرار النخبة العسكرية الحاكمة. والنظام التركي، المثقل بأزمات التضخم الحاد، يحاول فتح آفاق جديدة عبر تحالفات تضمن تدفق الاستثمارات والرساميل الخليجية لإنعاش أسواقه المأزومة. أمّا السعودية، فإنها تحرص على حماية مشاريعها الاقتصادية الكبرى وتأمينها من خلال بناء مظلة ردع عسكرية إقليمية تقيها تداعيات الصراعات المسلحة في المنطقة.

إنّ حلف مكةفي جوهره يمثل غطاءً أمنيا متبادلا بين أنظمة تبحث عن تأمين بقائها حيث تُستعمل الآلة العسكرية والدفاع المشترك كأداة استباقية لتأمين الجبهات الداخلية وحماية مصالح الطبقات السائدة أولا، وكمنعطف لمنع أيّ اضطرابات اجتماعية أو ثورية قد تهدد المصالح الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية متعددة الجنسيات في المنطقة ثانيا.

حقيقة الخلافات وحتميّة الخيار الشّعبي المقاوم

لعلّه من نافلة القول إنّ التحولات السياسية الراهنة تُعرّي زيف الشعارات والاستقطابات الطائفية التي طالما استُعملت لتغذية النزاعات وتقسيم شعوب المنطقة. فالخلاف المزعوم بين السنة والشيعةيسقط تماما أمام المصالح المباشرة للأنظمة ولغة الأرقام والتجارة وأسواق النفط، مما يثبت أنّ الانقسامات المذهبية ليست سوى أداة تضليلية لتوجيه الأنظار بعيدا عن الصراعات الحقيقية حول الثروة، والسيادة الوطنية، والتحرر الوطني. وفي خضم هذا المشهد، يظلّ محور المقاومةخيارا استراتيجيا وميدانيا لا غنى عنه لمواجهة المشاريع التصفوية والصهيونية في المنطقة. وإنّ ما يشهده هذا المحور أحيانا من تراجعات تكتيكية أو اضطرار للمناورة الدبلوماسية تحت وطأة الحصار، يجب ألاّ يدفع بقوى المقاومة والممانعة إلى الانزلاق نحو التموقع أو التقاطع مع القوى الرجعية والعمالية المعادية لمحور المقاومة.

إنّ التناقض الأساسي والجوهري يظل مع الاحتلال الصهيوني والهيمنة الإمبريالية الخارجية، والبديل الحقيقي لا يصاغ بالارتهان لأوهام الاستقرارالتي يروّج لها حلف مكةأو غيره من المشاريع والاتفاقيات الفوقية. إنّ الرهان الحقيقي والفاعل معقود اليوم على عاتق شعوب المنطقة، من خطوط المواجهة الأمامية وفي تجذير الإسناد الشعبي والطبقي لمحور المقاومة وحمايته من الحسابات السياسية الضيقة للأنظمة. فالجماهير الشعبية المنظمة هي وحدها الصخرة التي ستتحطم عليها أوهام بناء شرق أوسط جديدقائم على التبعية والتطبيع، وهي القادرة بسواعد أبنائها من العمال والفلاحين والجماهير على بناء نظام إقليمي جديد تنهض فيه سلطة الشعوب الحرة وسيادتها الوطنية الكاملة.

إلى الأعلى
×