بقلم كمال عمروسية
تتالت المبادرات منذ سنوات طويلة، وقد ولدت جلها ميتة. وبعد سنوات من الانغلاق والانسداد السياسي وتعدد المحاولات مع تنوع الخرائط من أجل فك طلاسم الأزمة المعقدة والمركبة. وتتجه أنظار الليبيين والمجتمع الدولي هذه الأيام نحو مائدة الحوار المصغرة التي أقيمت في العاصمة الليبية طرابلس تحت اسم لجنة 4+4. ففي الثلاثين من شهر أوت من سنة 2026 عاشت البلاد الليبية على وقع حدث مهم واستثنائي تمثل في توقيع اتفاق نهائي تحت رعاية أممية من أجل إنهاء أكثر الملفات تعقيدا التي منعت وحرمت الشعب الليبي ومكوناته من إجراء الانتخابات. بالعودة إلى الوقائع الليبية الحديثة نتبين أن البلاد اعتادت على التوقيعات التي لا ترى النور ولهذا حريّ بنا أن نطرح سؤالا جوهريا مفاده هل يمثل هذا الاتفاق إنجازا وكسبا حقيقيا يعبد السبيل إلى مكاتب وصناديق الاقتراع أم انه فصل جديد من سلسلة التوافقات الغير منجزة؟
سياق تشكيل لجنة 4+4
من البديهي بعد فشل كل اللجان السابقة ومع الضرورة الملحة نتيجة الجمود التام الذي آلت إليه الأوضاع أن يتم تشكيل هذه اللجنة المتكونة من ثمانية أعضاء: أربعة عن الحكومة الوطنية برئاسة الدبيبة وممثلة للقوى الفاعلة في الغرب الليبي، أما الأربعة الآخرين فيمثلون الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد التي تدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم من الجيش الوطني. إن الهدف من هذه التركيبة هو محاولة ضمان توازن بين قطبي الصراع الرئيسيين والفعليين، كما أن التشكيل كان نتيجة ضغوطات شعبية متزايدة، علاوة على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي ما انفكت تعصف بالمشهد الليبي ناهيك أن البلاد شهدت الأيام الفارطة احتجاجات واسعة في العاصمة ومدن أخرى على خلفية الانقطاع المتكرر للكهرباء مع تواتر الشح في الوقود. إن الأوضاع المتحركة والغليان المجتمعي لم يترك خيارات كثيرة أمام طرفي الصراع الأساسيين ودفعهما إلى الإدراك التام أن الأوضاع لن تستمر على ما هي عليه وبذلك لم تجد الأطراف المتناثرة من حل سوى العودة إلى طاولة الحوار والمفاوضات بل كان ذلك خيارهم الأساسي والإجباري حتى يتم منع الانهيار الكامل والشامل.
جوهر الاتفاق : تفكيك ‘ألغام” الانتخابات
لعل النتائج التي بلغتها لجنة 4+4 تتميز عن مآلات اللجان السابقة خاصة لجنة6+6 إذ أنها استطاعت من خلال الاتفاق الأخير الولوج إلى مفاصل دقيقة في الوقت القريب كانت من المحرمات والممنوعات السياسية، كما حاول هذا الاتفاق أن يقدم إسهامات براغماتية لأكثر النقاط الخلافية. لقد توصل الاتفاق إلى رسم ملامح خارطة طريق محدودة وذلك من خلال إقرار جدول زمني صارم حازم على امتداد 24 شهرا كحد أقصى من أجل إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن وذلك في ظل حكومة ليبية موحدة تفرض حكمها وسيطرتها وسيادتها على كامل التراب الليبي. هذا وتجدر الإشارة إلى أنه تم الاتفاق أيضا على إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا الانتخابات مع تسمية رئيس جديد ونائب له مع ستة أعضاء وذلك كي يتم منحها الثقة وتكون جديرة بإدراك العملية الانتقالية وضامنة للحيادية وعلى نفس المسافة من كل المتنافسين والخصوم.
من أهم النقاط التي كانت تمثل عائقا أمام الأطراف الليبية المتفاوضة هي مسألة مزدوجي الجنسية، إذ تم التوافق صلب اللجنة بالسماح لهؤلاء بالترشح للانتخابات الرئاسية، لكن مع شرط التعهد بالتنازل عن الجنسية الأجنبية وذلك عند فوزه ويكون ذلك قبل أدائه اليمين الدستورية، هكذا يمكّن هذا الحل من إرضاء عديد الأطراف التي كانت تعتبر المنع استهدافا لأشخاص بعينهم. كما توصلت اللجنة إلى حسم مسألة ترشح العسكريين من عدمه، إذ تم السماح لهم بذلك إضافة منحهم الحق في التصويت. وفي خصوص الانتخابات الرئاسية أيضا تضمن الاتفاق تعديلا لآلية الجسم، إذ صار في وسع من تحصل على 51% من عدد أصوات الناخبين إعلانه رئيسا للبلاد دون اللجوء إلى دور قادم.
مع المسحة التفاؤلية والأجواء الإيجابية التي اتسمت بها لحظة توقيع الاتفاق، فإن الطريق نحو تكريسه لا تزال معرضة للعقبات والتحديات التي يمكن أن تنسفه في أي لحظة.
إن غياب المجلس الأعلى للدولة وكذلك المجلس الرئاسي عن فعاليات التوقيع وهموم مجريات لجنة 4+4 يعد في حد ذاته نقطة ضعف بارزة وتجعل الاتفاق موسوما بالوهن، فالغياب يثير من ناحية تساؤلات قانونية ومن ناحية أخرى تساؤلات سياسية ونقاط استفهام تُطرح حول مدى شرعية ما آلت إليه المفاوضات والتوافقات وتساؤلات إضافية عن مدى قابليتها التحول إلى قوانين دستورية ملزمة لمكونات المجتمع الليبي. أما في خصوص ماهية الاتفاق الذي يؤكد على أهمية إجراء الانتخابات في ظل حكومة سياسية موحدة فيبعث على التساؤل عن كيفية دمج الحكومتين الحاليتين خاصة في انتشار مناخ انعدام الثقة ومن سيكون رئيسا لهذه الحكومة؟ وهل من اليسير أن تتناول الأطراف عن امتيازاتها ونفوذها الحالي؟ هذه الأسئلة وغيرها تُركت دون إجابات قطعية فمسودة الاتفاق النهائي لا تجيب على ذلك وهو ما يرجح أن تشكيل حكومة موحدة ليس أمرا يسيرا وقد يكون ذلك من أهم مداخل انهيار مشروع الاتفاق.
ليس خافيا أن السيطرة الأمنية المتقاسمة مع تعدد الميلشيات والتشكيلات المسلحة يضع الجانب الليبي أمام رهان وتحدي لوجيستي مخاطره عديدة ومتنوعة، فكيف سيتم تأمين صناديق الاقتراع؟ والاتفاق لا يحدد آلية واضحة لتكون هناك ميزانية موحدة فكيف سيتم ضبط الإنفاق الحكومي؟ ولطالما هناك تعدد لمراكز القرار المالي لا يمكن للانتخابات أن تجرى في أجواء طبيعية ومناخ ديمقراطي وهو ما يجعل كل مخرجات الاتفاق محل تهديد حقيقي بالنسف والهدم.
في نهاية المطاف لن نجانب الصواب إذا اعتبرنا أن اتفاقات لجنة 4+4 تمثل وثيقة سياسية متقدمة، ذلك أنها من الزاوية النظرية استطاعت أن تفك طلاسم نقاط خلافية ظلت لسنوات تمثل حاجزا أمام إجراء الانتخابات في البلاد الليبية ولقد أثبت الفريقان المتفاوضان مرونة ملحوظة، إلا أنه بالعودة إلى التجربة الليبية لا يمكن أن يكون المعيار المحدد هو جودة النصوص المحبّرة والممضى عليها، بقدر ما يظل العامل الرئيسي هو الإرادة الحقيقية من أجل التنفيذ وفرض المشروع على الواقع وتجاوز الهنات التي تلف به.
صوت الشعب صوت الحقيقة
