الرئيسية / صوت العالم / “الانتخابات” الصهيونية: الوهم والحقيقة حول “ديمقراطية” الاحتلال
“الانتخابات” الصهيونية:  الوهم والحقيقة حول “ديمقراطية” الاحتلال

“الانتخابات” الصهيونية: الوهم والحقيقة حول “ديمقراطية” الاحتلال

بقلم علي الجلولي

يستعد كيان الاحتلال لتنظيم انتخاباته البرلمانية يوم 27 أكتوبر المقبل، وهي الانتخابات اللاحقة لحرب الإبادة التي خاضها ونظمها ضد الشعب الفلسطيني منذ أكتوبر 2023 والتي لازالت مستمرة رغم إمضاء اتفاق لإيقاف العدوان في جانفي 2025. ولئن لايزال بعض المتابعين محكومين بوهم أن كيان الاحتلال محكوم بآليات التداول الديمقراطي التنافسي على الشاكلة الغربية، فإن جزء مهما من الرأي العام العالمي قطع مع هذا الوهم بعد أن تيقن من طبيعة هذا الكيان بمناسبة الحرب الأخيرة.

الكيان النازي معادي للديمقراطية

لقد عمل كيان الاحتلال منذ انبعاثه على أرض فلسطين المحتلة على بث فكرة أنه واحة الديمقراطية في غابة الاستبداد الشرقي والتخلف العربي. لأجل ذلك اعتمد آلية الانتخاب ضمن نظام برلماني يلعب في فيه الكنيست دور قلب النظام السياسي. واتجه هذا النظام في عقوده الأولى إلى اعتماد النموذج الأمريكي، أي نظام الحزبين الكبيرين: حزب الليكود وهو الممثل التقليدي لليمين المتطرف، وحزب العمل، وهو الذي ينسب إلى “اليسار” وهو سليل نقابة الهسترودوت وعصابات الهاغاناه. لقد استحوذ حزب العمل (أي اليسار) على الأغلبية البرلمانية والحكومية وقاد دولة الاحتلال في عقودها الأولى مع بن غوريون ثم غولدا مائير وصولا إلى الجيل الثاني أي جيل إسحاق رابين وشمعون بيريز، ولم يصل الليكود سليل عصابات الأرغون إلى رئاسة الحكومة إلا سنة 1977 مع مناحيم بيغن ثم في الثمانينات مع شامير والتسعينات مع شارون واليوم مع الناتن ياهو. ما تؤكده التجربة الحسية أنه لا فرق بين العصابتين الحاكمتين. فلقد مورست أبشع الجرائم وأقسى الحروب مع “حكومات اليسار” (حرب 1948 وحرب 1967…)، وأن “اتفاقيات السلام” أمضيت مع حكومات أقصى اليمين (اتفاقية كامب ديفيد مع بيغن..). هذا يعني أن الفريقين يحملان نفس العقيدة الصهيونية الاستعمارية، ومع استعمال توصيفات يسار ويمين إلا لتسويق فكرة أن كيان الاحتلال هو كيان “ديمقراطي” يحتكم لإرادة الناخبين، بل هو الكيان الوحيد في المنطقة الذي ينظم الاستحقاقات الديمقراطية من انتخابات وانتخابات مبكرة وسحب ثقة ومحاكمة المسؤولين، وهو الكيان الذي يتباهى أنصاره بكونه أصدر حكما ضد رئيس الكيان “غوتسيف” على خلفية قضية تحرش وتم اقتياده من مكتبه إلى زنزانته. يتمّ ذلك بينما الأنظمة العربية جميعها محكومة بملوك وأمراء ورؤساء مدى الحياة تنسب لهم كل الصفات الإلهية. أما البرلمانات فهي إما غائبة أو منصبة عبر انتخابات صورية وفاسدة.

إن ما يروّجه كيان الاحتلال وأنصاره هو مغالطات كبرى، فالاحتلال هو نقيض كلي للديمقراطية التي لا معنى لها إلا كاحترام لإرادة وحرية الشعب. إن الاحتلال الصهيوني بنى كيانه على جماجم أهل الأرض الذي أطردهم واغتصب أرضهم وشردهم، لذلك فهو لا يمكن أن يكون بأي وجه من الوجوه كيانا ديمقراطيا مهما حاول المغالطة. إن الأنظمة الاستعمارية حاولت تسويق أنها جاءت لغرس الديمقراطية ونشرها في المجتمعات المتخلفة لكن رياءها سقط أمام الحقائق المادية مثلما سقطت دعاوي نظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا والذي استمر لعقود ينظم انتخاباته العامة دون سكان البلاد الأصليين والذين استعادوا حقوقهم الفعلية حين استعادوا بلادهم.

ديمقراطية المحتل هي ديمقراطية الذئاب الدموية

كيان استعماري استيطاني يتنافس سياسيوه ومرشحو مختلف قائماته على درجة الدموية والفاشية مثلما يتنافس اليوم المجرمون الناتن ياهو زعيم حزب الليكود وبن غفير رئيس حزب القوة اليهودية و سموتريتش رئيس حزب الديني القومي (الصهيونية الدينية) وهم فاشست لا يختلفون في شيء عن “المعارضة” التي يتصدرها تحالف “لبيد” و”بينيت” اللذين بعثا حزبا مشتركا باسم “معا”، وتجمع “مواطنون” الناتج عن اندماج حزبي العمل وميريتس، وغيرها مثل “إسرائيل بيتنا” بزعامة ليبرمان و”الأمل الجديد” بقيادة وزير الخارجية “جدعون ساعر”، كلها أحزاب تتنافس من أجل التربع على سدة القرار مكرسة العقائد الصهيونية الأكثر صلفا وعدوانية. فبعض معارضي الناتن ياهو يعارضونه لأنه لم يقتل كل الغزيين ولم يهجّر كل المقدسيين وسكان الضفة الغربية وأنه لم يحتل جنوب لبنان، بل كل لبنان. إن كيان الاحتلال مبني على عقيدة تأسيس الدولة. ومهما كان الفائز في انتخابات أكتوبر فلن يكون أقل دموية، بل سيطبق السياسة الصهيونية العليا التي تصوغها دوائر القرار ممثلة في المطبخ العسكري والأمني مدعوما بكبريات الدول والمؤسسات الامبريالية وباللوبي الصهيوني الفاعل والمؤثر في الدول الغربية.

إن العديد من الدراسات تتجه نحو اعتبار الفاعلين السياسيين الصهاينة هم مجرد صور متحركة ودمى في يد أصحاب القرار الفعليين داخل كيان الاحتلال وخارجه وعلى رأسهم الدوائر الاقتصادية والمالية والأجهزة ذات اليد العليا وأساسا الجيش والمخابرات. لذلك يشكك حتى مثقفون وأكاديميون صهاينة في طبيعة “الديمقراطية الإسرائيلية” التي لا تختلف جوهريا عن “الديمقراطية العربية” المحكومة من قبل دوائر خفية داخل قصور الحكم وحولها. وفي كل الحالات فان الاحتلال والديمقراطية نقيضان مطلقان. أما وجود القائمات العربية في انتخابات الكنيست وهي عموما ثلاث قائمات كبرى هي القائمة العربية الموحدة الممثلة للتيار الإسلامي في الداخل، والجبهة الديمقراطية العربية للتغيير وهي تحالف لحزب “راكاح” والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي وهو ممثل للتيار القومي، فجميعها أقلية برلمانية غير مؤثرة، وهي عموما يقع توظيفها لبيان ديمقراطية الكيان القابل بمشاركة فلسطينيي الداخل في الحياة السياسية ومؤسساتها.

الشعب الفلسطيني والخيار الديمقراطي الآن وهنا

في المقابل من كيان الاحتلال يعاني الشعب الفلسطيني من حرب الإبادة والتجويع والحصار القاتل والتهجير الجماعي من قبل جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين في القدس والضفة الغربية، يعاني هذا الشعب المحتل من “الديمقراطية الإسرائيلية” وليدة وسليلة “الديمقراطية الغربية”، الديمقراطية المغشوشة والتي تستعمل لإيهام العالم ومغالطة الشعوب. وبالتوازي مع ما يجري في كيان الاحتلال، فإن الساحة الفلسطينية تعيش بدورها حيوية سياسية على خلفية دعوات متعددة لرأب تصدع البيت الفلسطيني الذي ظل انقسامه ورقة من ورقات العدو. وفي الوقت الذي تتعزز قناعة القوى الفلسطينية المقاومة والمناضلة بأهمية التوافق على الأدنى الوطني بما فيها إعادة بناء مؤسسات الشعب الفلسطيني من سلطة ومنظمة وتحرير ومختلف الفعاليات الشعبية والمواطنية لتعزيز مقومات الصمود، تصر القيادة المتنفذة في رام الله على تعطيل هذه المساعي مدعومة في ذلك من الاحتلال ومن الرجعية العربية المتكالبة اليوم على التطبيع وآخرها نظام لبنان، والامبريالية وعلى رأسها إدارة المجرم ترامب التي تتدخل في تفاصيل التفاصيل لتأبيد تشتت القوى في وضع يحتاج الشعب الفلسطيني أكثر ما يحتاج إلى تعزيز وحدته كمقوم أساسي للصمود والاستمرار في وجه آلة الدمار والإبادة. إن إعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية تشاركية ائتلافية هو خطوة واستحقاق ديمقراطي وطني لا يجب الاستخفاف به أو تعطيله من قبل أي قوة. إن وحدة عموم الشعب الفلسطيني وقواه وفعالياته المقاومة والمناضلة في وجه سلطة محمود عباس كأداة في يد الاحتلال، هي أحد أهم شروط تقدم شعب فلسطين في تضميد بعض من جراحه في هذا الظرف الصعب والدقيق الذي تمر به القضية والمنطقة. إن مبادرة الجبهة الشعبية (مبادرة النقاط الثمانية) قادرة أن تكون إطارا تجميعيا وطنيا مرنا وواقعيا للتقدم خطوة في الاتجاه الصحيح.

إلى الأعلى
×