الرئيسية / صوت الوطن / ليس الفقر وحده وراء الفشل المدرسي
ليس الفقر وحده وراء الفشل المدرسي

ليس الفقر وحده وراء الفشل المدرسي

بقلم  د محمد بوقرين

يُمثّل الفقر والظروف الاجتماعية الصعبة العامل الأساسي والمحرك الأكبر لظاهرة الانقطاع المدرسي في تونس. فبحسب التقارير والبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية التونسية، فإن نحو 90% من التلاميذ المنقطعين عن الدراسة سنوياً ينحدرون من عائلات فقيرة ومحدودة الدخل (وفق ما أفاد به وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي، في تصريح إعلامي على هامش توقيع اتفاقية لتبادل المعطيات بين وزارتي التربية والشؤون الاجتماعية سنة 2019).

تُمثّل هذه الإحصائية الصادمة (أن 90% من التلاميذ المنقطعين ينحدرون من عائلات فقيرة) الإدانة الأكبر لواقع النظام التعليمي الحالي، وهي تجسيد حي وملموس للنظريات النقدية السوسيولوجية مثل ما كتبه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو حول الـتأبيد الطبقيواستخدام التعليم كآلة لـ إعادة إنتاج التفاوت الطبقي. فالملاحظ أن المدرسة في خطابها الرسمي تدعي أنها توفر نفس الامتحان ونفس الحظوظ للجميع. لكن في الواقع، التلميذ الذي يرتعش برداً وجوعاً، والذي لا يملك ثمن كتاب أو معطف والمنحدر من عائلة عاجزة عن دفع ثمن سلعةالدروس الخصوصية، يواجه نظاماً تقييمياً صُمم سيكولوجياً ومعرفياً ليلائم الفئات الأكثر ثراءً وثقافة. لذلك يبدو الانقطاع في هذا السياق ليس فشلاً ذهنياللتلميذ، بل هو إقصاء اجتماعي واقتصادي ممنهج.

ومن الجلي أن التعليم في تونس لم يعد يؤدى دور المصعد الاجتماعيالذي يرفع ابن الفلاح والعامل ليصبح طبيباً أو مهندساًبل صار ينظر إليه كـ عبء ماليومصاريف استهلاك، وليس كاستثمار استراتيجي في الإنسان البشري لذلك تحوَل قطاع التعليم إلى خدمات ذات طابع سلعى والسلعة تباع لمن يملك المال أما من لا يملك (مثل تلميذنا الجائع) يواجه الفشل المدرسي والانقطاع المبكر.

ومن المؤشرات الدالة على تدهور التعليم بتونس في ظل الاختيارات الليبرالية المتوحشة غياب التجهيزات في المدارس العمومية، والاكتظاظ والضغط النفسي الذي يعاني منه المدرس والمتعلم والاضطرار غالبا للدروس الخصوصية وتآكل القدرة الشرائية للإطار التربوى إذ أصبح راتب المعلم المترسم عاجزاً عن تغطية المصاريف اليومية أما المعلمين والأساتذة النوابفحدث ولا حرج فهم يتقاضون أجوراً زهيدة ومتقطعة، وتفتقر للتغطية الاجتماعية….

ولئن يغدو التعليم في هذا الواقع المرير حيث تتوسع دائرة المقهورين لتشمل الكثير من المدرسين والمتعلمين – معركة وعي وسياسة فإن هذا الموقف السياسي لا ينبغي أن يحجب عنا المشكلات الخفية والتحديات غير الظاهرة التي تؤثر سلباً على جودة العملية التعليمية وتحصيل التلاميذ ، إذ توجد أمراض صامتة تخص التلاميذ مثل عدم قدرة المتعلم على الفهم والنقد وبناء الموقف وإحداث التغيير المفاهيمى وتطبيق ما تعلمه في الحياة العملية وغياب دافعية التعلم والانتباهكما توجد أمراض صامتة تخص المدرسين كتقديس المدرس للمعرفة المدرسية وعدم قدرته على التكييف الديداكتيكى ووضع المحتويات المعرفية في منطقة النمو الوشيك للمتعلم وعجزه عن استثمار أخطاء التلاميذ والتعامل مع تصوراتهم الخاطئة واكتشاف العوائق والصعوبات التي تحول دون اكتساب المعرفة وتحقيق دافعية التعلمولا ننسى الأمراض الصامتة التي تخص البرامج الرسمية والكتب المدرسية حيث تهيمن المعرفة المتهرمة وهو ما يعني فقدانها لصلاحيتها الديداكتيكية وقدرتها على بناء فكر نقدي لدى متعلم القرن الحادي والعشرين مما يجعل منها أداة لإعادة إنتاج القهر الفكري.

وهكذا تتحالف السياسة الليبرالية مع التغييب المتعمد للديداكتيك النقدي والتحرري من أجل تدمير التعليم.

فإذا كانت السياسة المفرزة للفقر المادي تحدد من يدخل المدرسة ومن يملك الإمكانيات، فإن غياب الديداكتيك هو الذي يكرس الأمراض الصامتة للمعرفة المدرسية ويحول دون تحديد من يفهم ومن يُحرم من الفهم داخل الفصل.

إلى الأعلى
×