الرئيسية / صوت العالم / قمة “البريكس” في نيودلهي: صراع المراكز الإمبريالية وصعود الجنوب
قمة “البريكس” في نيودلهي: صراع المراكز الإمبريالية وصعود الجنوب

قمة “البريكس” في نيودلهي: صراع المراكز الإمبريالية وصعود الجنوب

بقلم حمادي المثلوثي

لم تكن قمة “البريكس” التي انعقدت في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026 مجرد اجتماع دوري لدول صاعدة، بل جاءت في ظرفية دولية من أهم سماتها:

  • تصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
  • تراجع قدرة المراكز الغربية على احتكار القرار الاقتصادي والسياسي العالمي.

وتكتسب القمة أهمية إضافية من زاوية كونها أول قمة للمجموعة بعد اكتمال توسعها إلى 11 عضواً، بما يجعل “البريكس” إطاراً أوسع بكثير من المجموعة الأصلية التي ضمت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا. وتشمل العضوية الحالية، وفق المعطيات الرسمية للمجموعة، مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات وإندونيسيا إلى جانب الأعضاء الخمسة الأصليين.

لكن السؤال الأساسي لا يتعلق بعدد الدول بقدر ما يتعلق بما تعنيه هذه التوسعة: هل نحن أمام تشكل قطب عالمي جديد في مواجهة الهيمنة الأمريكية والغربية؟ أم أمام تجمع لقوى رأسمالية مختلفة المصالح، تلتقي حول توسيع هامش حركتها داخل نظام عالمي يشهد إعادة توزيع لمراكز القوة؟

إعادة توزيع القوة في النظام المالي العالمي

كان الجانب الاقتصادي والمالي حاضرا بقوة في قمة نيودلهي، خصوصا مسألة توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، وتطوير آليات دفع عابرة للحدود، وتعزيز التعاون المالي بين الدول الأعضاء. كما جرى الدفع باتجاه زيادة تمثيل الاقتصادات الصاعدة داخل مؤسسات الحوكمة المالية الدولية.

لكن هذا لا يعني أن “البريكس” بصدد إنشاء عملة موحدة تنافس الدولار في المدى القريب. فالمسار الذي يحظى باهتمام أكبر هو تقليص الاعتماد على الدولار في بعض المبادلات، وتطوير بدائل للدفع والتسوية المالية.

وهنا تكمن أهمية المسألة: فالنظام المالي الدولي لم يعد يتحرك في اتجاه مركز واحد بالدرجة نفسها التي عرفها خلال العقود الماضية. لكن الانتقال إلى تعدد مراكز القوة لا يعني بالضرورة نهاية النظام الرأسمالي العالمي أو نهاية الهيمنة الاقتصادية؛ بل يعني انتقال المنافسة من هيمنة مركز واحد إلى تنافس بين مراكز رأسمالية متعددة.

“البريكس” ليست جبهة موحدة

تضم المجموعة اليوم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، إلى جانب مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات وإندونيسيا. وهذا الاتساع يمنحها وزنا اقتصاديا وديموغرافيا وجيوسياسيا كبيرا، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن طبيعة التناقضات داخلها.

فنحن أمام دول ذات أنظمة سياسية واقتصادية مختلفة، ومصالح استراتيجية ليست متطابقة. فالصين والهند، العملاقان الديموغرافيان، من أكبر القوى داخل المجموعة، تجمعهما مصالح اقتصادية واسعة، لكن بينهما أيضا تنافس جيوسياسي وحدودي وتجاري مستمر، رغم التحسن النسبي في العلاقات خلال الفترة الأخيرة، حيث بلغت التجارة الثنائية مستوى قياسيا في 2025، مع استمرار اختلال كبير لمصلحة الصين.

كما تكشف تركيبة الشرق الأوسط داخل المجموعة عن تناقضات أخرى؛ إذ توجد إيران إلى جانب السعودية والإمارات، وهي دول ترتبط بعلاقات ومصالح متباينة مع الولايات المتحدة والقوى الغربية. ومع ذلك استطاعت القمة إصدار إعلان مشترك بشأن التوترات في الشرق الأوسط، وهو ما يوضح قدرة المجموعة على إنتاج حد أدنى من التوافق رغم الخلافات بين أعضائها.

أمّا روسيا فتسعى، في ظل العقوبات الغربية والصراع مع الغرب، إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع آسيا والشرق الأوسط. في المقابل، تحافظ الهند والبرازيل ودول أخرى داخل المجموعة على علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا.

لذلك فإن “البريكس” ليست تحالفا سياسيا أو عسكريا موحدا، بل فضاء تتقاطع داخله مصالح دول تسعى بدرجات مختلفة إلى توسيع هامش حركتها داخل النظام الدولي. وهذا ما يجعل فهمها أكثر تعقيدا ولا يمكن تبسيطها واختزالها في صورة “معسكر مقابل الغرب”.

لذلك، يجب التأكيد أنه لا ينبغي الخلط بين إضعاف الهيمنة الأحادية الأمريكية وبين قيام جبهة تحررية موحدة. فالتعددية القطبية تعني أيضا انتقال النظام الرأسمالي العالمي إلى مرحلة تتعدد فيها مراكزه وقواه المتنافسة.

الصين: قوة صاعدة داخل النظام الرأسمالي العالمي

تحتل الصين موقعا مركزيا في تطورات “البريكس”. فقد دفعت خلال القمة باتجاه توسيع التعاون في التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد، كما طرحت إنشاء منطقة تعاون مفتوحة للذكاء الاصطناعي وشراكة للمناطق الاقتصادية الخاصة.

وهنا تبرز مسألة أساسية: فالصين لا تتحرك خارج النظام الرأسمالي العالمي، وإنما أصبحت واحدة من أهم مراكزه الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية. وهو ما يجب النظر إليه صعودا لقوة رأسمالية كبرى تسعى إلى توسيع مجال نفوذها الاقتصادي والسياسي، وليس بديلا تحرريا جاهزا للمراكز الغربية.

وهذا لا ينفي أن توسع العلاقات مع الصين أو غيرها قد يوفر لبعض دول الجنوب هامشا أكبر للمناورة أمام الضغوط الغربية. لكنه يعني أن طبيعة هذه العلاقات وشروطها ومردودها الاجتماعي تظل مسائل أساسية لا يمكن تجاوزها بمجرد تغيير اسم الشريك الدولي.

ماذا يعني ذلك لشعوب الجنوب؟

تكشف “البريكس” عن حقيقة مهمة تقول بأن دول الجنوب لم تعد تقبل بالضرورة استمرار احتكار القوى الغربية لصناعة القرار الاقتصادي والسياسي العالمي. لذلك تطرح المجموعة إصلاح مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتدفع باتجاه تمثيل أوسع للاقتصادات الصاعدة.

لكن السؤال الاجتماعي يظل قائما: من المستفيد من إعادة توزيع القوة الاقتصادية العالمية؟

إن صعود دول جديدة إلى موقع أقوى داخل النظام الدولي لا يعني آليا تحسن أوضاع الطبقات الشعبية في تلك الدول أو في البلدان المرتبطة بها. كما أن انتقال الاستثمارات والتجارة من مركز غربي إلى مركز آخر لا يكفي وحده لإنهاء علاقات التبعية إذا بقيت طبيعة المبادلات وشروط التمويل والاستثمار قائمة على اختلالات عميقة.

ومن هنا، فإن أهمية “البريكس” بالنسبة لشعوب الجنوب لا تختزل في مجرد انتقال النفوذ من واشنطن إلى بكين أو موسكو أو غيرهما، وإنما في ما يمكن أن تتيحه التحولات الدولية من هوامش أوسع للدول النامية لإعادة التفاوض حول شروط علاقاتها الاقتصادية والسياسية.

تونس بين تنويع الشراكات واستقلال القرار الاقتصادي

بالنسبة إلى تونس، لا ينبغي أن يتحول صعود “البريكس” إلى مجرد دعوة لاستبدال تبعية بأخرى فالمسألة الأساسية هي طبيعة العلاقة وشروطها: هل تفتح العلاقات الجديدة مجالا لتنويع الاقتصاد والأسواق ونقل التكنولوجيا وتمويل التنمية على أساس المصالح المتبادلة؟ أم تتحول إلى امتيازات جديدة لرأس المال الأجنبي وإلى شكل آخر من أشكال التبعية؟

ومن هذه الزاوية، يمكن لتعدد مراكز القوة أن يوسع هامش الحركة أمام تونس، وأن يفتح إمكانات لتنويع علاقاتها التجارية والاقتصادية وعدم الارتهان لمركز واحد. لكن الاستفادة من هذا الوضع تتوقف على طبيعة الخيارات الاقتصادية الداخلية، وعلى قدرة البلاد على حماية مصالحها الوطنية والاجتماعية عند التفاوض مع مختلف الشركاء، سواء كانوا غربيين أو صينيين أو روسا أو غيرهم.

فالمعيار ليس هو هوية الشريك، وإنما طبيعة العلاقة: من يملك القرار؟ من يتحكم في الاستثمار؟ ما الذي تنتجه هذه العلاقات من قيمة مضافة؟ ومن يستفيد منها ومن يتحمل كلفتها؟

بالمحصلة

لقد أكدت قمة نيودلهي أن العالم يتغير، وأن احتكار المراكز الغربية للقرار الدولي لم يعد كما كان. كما أكدت أيضا أن هذا التحول لا يعني تلقائيا نهاية الهيمنة أو الاستغلال.

فـ”البريكس” ليست بديلا جاهزا للنظام العالمي القائم، ولا كتلة متجانسة ذات مشروع سياسي واقتصادي واحد، وإنما هي إحدى التعبيرات عن أزمة النظام الرأسمالي العالمي وعن انتقاله نحو مرحلة تتعدد فيها مراكز القوة والتنافس.

وهنا تكمن أهمية قراءة التحولات الجارية بعيدا عن الأوهام فلا يكفي أن يتراجع مركز مهيمن حتى تنتهي علاقات الهيمنة، ولا يكفي أن يصعد مركز جديد حتى يصبح بالضرورة قوة تحررية.

إن العالم الذي يتشكل أمامنا هو عالم رأسمالي امبريالي تتعدد مراكزه، لكنه لا يزال محكوما بدرجة كبيرة بعلاقات القوة والمنافسة والهيمنة الرأسمالية الامبريالية. فالسؤال ليس فقط من سيكسب موقعا أقوى داخل النظام الرأسمالي الامبريالي بهذه المواصفات الجديدة، بل أيضا ما الذي ستعنيه هذه التحولات بالنسبة للدول والشعوب التي ظلت تاريخيا في موقع الطرف الأضعف في هذا النظام.

إلى الأعلى
×