بقلم علي البعزاوي
شهد قطاع التعليم الخاص نموّا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة ليتحول من قطاع صغير إلى ملاذ يتسع باطراد لكل من غادروا أو تجنبوا اختياريا الذهاب إلى المدرسة العمومية وذلك لأسباب مختلفة منها الانقطاع ومنها البحث عن مستقبل أفضل.
حتى أواخر ثمانينات القرن الماضي كانت المدرسة العمومية هي المستقطب الوحيد للتونسيين حيث رصدت الدولة نسبا هامة من الميزانيات العامة للوزارات المعنية بالتعليم. لكن بعد انقلاب 7 نوفمبر بدأ التخلي تدريجيا عن ” الدولة الراعية” والسير نحو نظام نيوليبرالي لعب دورا في سلعنة التعليم وإخضاعه لقانون ومنطق السوق. وقد صدر سنة 1992 قانون يسمح للمستثمرين الخواص بإنشاء مؤسسات تربوية وتعليمية خاصة ما فتئت تستقطب أعدادا كبيرة من المتمدرسين في مختلف مراحل التعليم، من الحضانة إلى الماجستير.
واقع القطاع التربوي الخاص ومستوى تطوره
لقد ارتفع عدد المدارس الابتدائية الخاصة من 636 مدرسة سنة 2021-2022 إلى 708 خلال السنة الدراسية 2025-2026، أي بزيادة نسبتها 11.3 %. أمّا مؤسسات الإعدادي والثانوي الخاصة فقد ارتفع عددها بنسبة 23.5 %، من 483 إلى 598 مؤسسة، خلال الفترة نفسها. هذا النموّ لا يتوزع بالتساوي بين الجهات حيث يتركز التعليم الخاص أساسا في العاصمة وفي المناطق الساحلية. أمّا بالنسبة للتفاوت فيعود إلى الجغرافيا وإلى الإمكانيات الاقتصادية للأسر. وهو ما يطرح تساؤلا حول تكافئ الفرص.
ويستقبل التعليم الخاص نحو 10 % من إجمالي التلاميذ أي ما يعادل 234 ألف و300 تلميذة وتلميذ من أصل أكثر من مليونين ونصف تلميذة وتلميذ مرسمين بالقطاعين. وشهد الإطار التدريسي نموا خلال الفترة نفسها خاصة في الإعدادي والثانوي حيث ارتفع العدد من 13.997 سنة 2022 إلى 18.025 سنة 2026 أي زيادة بنسبة 28 %.
وفي المرحلة الابتدائية الخاصة كان النمو أكثر اعتدالا حيث ارتفع عدد المدرسين من 10.634 إلى 11.402 خلال الفترة نفسها (زيادة بنسبة 7 %).
أما في التعليم العالي فيبلغ عدد المؤسسات الجامعية الخاصة 66 مؤسسة. هذا العدد تضاعف خلال 15 عاما فقط. وهناك مؤسسات جديدة طور الإنشاء بسبب الإقبال المكثف عليها. ويتجاوز عدد الطلبة المسجلين 35 ألفا مقابل 300 ألف طالب في القطاع العمومي يتوزعون على 190 مؤسسة.
في علاقة بالأقسام وفي حين يواجه المدرسون في الإعدادي والثانوي العمومي أقساما تضم في المتوسط 29,1 تلميذا وترتفع هذه الكثافة أكثر في المدن الكبرى، فإن متوسط عدد التلاميذ في الفصل في التعليم الخاص لا يتجاوز 21 تلميذا.
هذا الفارق يتسع أكثر عند احتساب عدد التلاميذ مقابل كل مدرس حيث يؤطر المدرس الواحد في المتوسط 14,7 تلميذا في الإعدادي والثانوي العمومي مقابل 7 تلاميذ فقط لكل مدرس في التعليم الخاص. وهذا يقودنا إلى التمايز الذي بدأنا نلمسه بين قطاعي التعليم العمومي والخاص والذي يطرح بدوره مثلما أكدنا أعلاه مسالة تكافئ الفرص بين التلاميذ.
القطاع التربوي والتعليمي الخاص يستفيد من أزمة التعليم العمومي
أولا، لا بدّ من التأكيد أن قطاعات التعليم العمومي تعيش أزمة حقيقية يلمسها الجميع وتتمثل في اهتراء البنية التحتية التي تسببت في عديد الحوادث منها القاتلة، وفي نقص المدرسين خاصة في مفتتح كل سنة دراسية وفي غياب المرافق الضرورية من قاعات مراجعة ومكتبات وبيوت تمريض (infirmerie) ووسائل ترفيه ومرافق رياضية إلى جانب الاكتظاظ الذي يعتبر إحدى المعضلات الأساسية للتعليم العمومي (نسبة 15 إلى 20 تلميذة وتلميذ في التعليم الخاص مقابل 25 إلى 35 تلميذة وتلميذ في القسم الواحد في التعليم العمومي).
هناك أيضا غياب للماء الصالح للشرب (نسبة المدارس المرتبطة بشبكة الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه ضعيفة: 27 % في القصرين و39 % في سيدي بوزيد و49 % في سليانة…)/
وفي حين ينفق الخواص الكثير من الأموال لإعداد مؤسسات رائدة توفر الشروط الضرورية لتعليم راق وعصري وإطار تدريسي متميز فإن ميزانيات وزارات التربية والتعليم العمومي بمختلف فروعه ما فتئت تتراجع رغم الارتفاع على مستوى الأرقام (ارتفاع من 7000 مليون دينار إلى 8700 مليون دينار بين 2022 و2026). هذا لا يعني أن التعليم يحظى بأولوية لأن حصة التربية من إجمالي ميزانية الدولة تراجعت من 14 % سنة 2022 إلى 13 % سنة 2026. وتراجعت حصة التعليم من الناتج المحلي الإجمالي من 5.5 % إلى 4.6 % قبل أن تستقر في هذا المستوى في السنوات الأخيرة.
إن الأزمة الحقيقية ليست في حجم الميزانية فقط بل في كيفية توزيعها ذلك أن الأجور تستحوذ على النصيب الأكبر من الميزانية حيث تراوحت حصتها بين 84 % سنة 2024 و88 % سنة 2022، لتبلغ نحو 87 % سنة 2026. وبهذا تحولت الوزارة إلى جهاز لدفع الرواتب وتسيير العمل اليومي مقابل انحصار الاستثمار. وبهذا تصبح أشغال إصلاح البنية التحتية المتهالكة أمرا صعبا وتجد الدولة نفسها عاجزة عن بناء مؤسسات جديدة لاستيعاب الضغط السكاني أو لتزويد المدارس الريفية بالماء الصالح للشرب وإنشاء الوحدات الصحية اللائقة والربط بالأنترنيت…
لهذه الأسباب وغيرها كثير ينتعش التعليم الخاص وتستقطب مؤسساته أعدادا متزايدة من التلاميذ والطلبة بحثا عن مستقبل أفضل وضمانا للشغل القار مقابل أجر لائق. وهذا ما توفره المؤسسات التعليمية الخاصة (الجامعات) التي ترتبط بعقود شراكة مع المؤسسات الاقتصادية في مختلف أنحاء العالم.
إن التشبث الأخلاقي بالتعليم العمومي وبالمدرسة العمومية الذي يعشش في عقول التونسيات والتونسيين لم يعد كافيا بالنظر للظروف الصعبة بل الأزمة التي تعيشها المؤسسة التعليمية العمومية على كل المستويات. فهل سينتصر التعليم الخاص على التعليم العمومي؟
المستقبل / الغلبة لمن؟
التونسيات والتونسيون أمام واقع جديد اليوم. هناك تعليم للأغنياء ومتوسطي الدخل ما فتئ يتقدم ويتطور ويكسب المساحات على حساب التعليم العمومي الغارق في أزماته. وهناك المدرسة العمومية بتاريخها ونجاحاتها ورصيدها السابق فهي التي أنجبت كبار موظفي الدولة والأطباء والمهندسين والأساتذة والمحامين والقضاة والفنانين والمثقفين والمبدعين وعمال الاختصاص في مختلف المؤسسات… لكنها تعيش اليوم على وقع أزمة قد تطيح بها. المدرسة العمومية هي ملجأ الفقراء وأبناء الطبقات الكادحة وضعاف الحال وهم أغلبية الشباب التونسي الحالم بغد أفضل. إن الظروف المزرية التي يعيشها أبناء الشعب تضطرهم للتمسك بالمدرسة العمومية والبقاء صلبها وبذل الجهود الممكنة للنجاح والحصول على الشهادات العلمية في مختلف الاختصاصات ثم البحث عن الشغل الملائم. هؤلاء الشباب يرفضون ظروف الدراسة الصعبة ويناضلون من أجل فرض التحسينات الضرورية ويحلمون في نفس الوقت بتفوق المدرسة العمومية على حساب التعليم الخاص. وهذا ما نقرأه ونلمسه في لوائح الاتحاد العام لطلبة تونس وشعارات حركة فيفري المجيدة “جامعة شعبية“، ” تعليم ديمقراطي“، “ثقافة وطنية“… إلى جانب النضالات المنظمة من أجل تحسين ظروف الدراسة.
المدرسة العمومية مستهدفة من طرف البورجوازية الكمبرادورية ودولة الاستعمار الجديد التي تخطط لفرض التعليم الخاص وتحميل نفقاته لأبناء الشعب وفي هذا الإطار تعمل جاهدة على دهورة ظروف الدراسة والتضييق على أجور المدرسين في إطار سياسات التقشف المملاة من الدوائر والمؤسسات الاستعمارية النهابة.
القضية سياسية بالأساس وتتعلق بخيارات دولة الاستعمار الجديد اللاوطنية واللاشعبية المنحازة لمصالح كبار الرأسماليين والتي انخرطت في سياسات نيوليبرالية متوحشة. فكل شيء بما في ذلك قطاع التعليم والتربية سلعة خاضعة للبيع وتحقيق الأرباح ويجب أن يعمل وفق تراتيب من شأنها سلعنته وإفراغه تباعا من مضامينه الإنسانية وإخضاعه رويدا رويدا لمشيئة ومصالح رأس المال.
إن الخيارات التربوية البديلة الوطنية والديمقراطية والشعبية التي تعطي أولوية مطلقة للمضامين الإنسانية التقدمية والعلمية وتكرس التعليم الديمقراطي والمجاني والعقل النقدي وتتعامل مع الإنسان باعتباره أثمن رأس مال لا ينجزها المجلس الأعلى للتربية الذي لا صلاحيات تقريرية له، ولا وزارات التربية والتعليم الحالية الفاقدة لأي سلطة بل هي ثمرة نجاح الأغلبية الشعبية في إسقاط الاستبداد وإرساء الجمهورية الديمقراطية الشعبية القادرة على مراجعة كل الخيارات البالية وإرساء منظومة تعليمية وتربوية جديدة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
