الرئيسية / صوت الوطن / الإنسان أثمن رأس مال
الإنسان أثمن رأس مال

الإنسان أثمن رأس مال

يؤكّد الاقتصاد السّياسي المعاصر أن الإنسان هو أساس الثّروة. فلا تنمية بدون إنسانٍ جهدًا وفكرًا وعلمًا، ولا تنمية دون قدرات بشريّة. ورغم هذه الحقيقة، فإن استغلال الإنسان يبقى الحلقة الرّئيسية، بل الشّرط الأساسي لتكديس الرّبح والثروات.

ويختلف الاستغلال من دولة إلى أخرى، فالدول الرأسمالية الكبرى (الامبريالية) توفّر لليد العاملة ظروفا أفضل وأجورا أرفع باعتبار ما تجنيه هذه الدول من عائدات الهيمنة ومن عائدات صادراتها الصّناعية التي تفرضها على المستعمرات وأشباه المستعمرات والمستعمرات الجديدة. ويختلف الوضع بالنسبة للدول المتخلفة والفاقدة للسّيادة في سياساتها واختياراتها الاقتصادية والاجتماعية …الخ، إذ أن الأجراء مطالبون بمردوديّةٍ أكبر، باعتبارهم مطالبين بتحقيق الرّبح لربّ عمل مزدوج: الرّبح للوكيل أو السمسار أو الكمبرادور المحلّي والرّبح لربّ العمل الأصلي وهو الدوائر المالية الاستعمارية الكبرى.

في هذه الخانة يمكن تصنيف سياسات الحكومة التونسية؛ فهي مجرّد وسيط يتقاضى عمولات من هذه الدوائر مقابل تحصيل الموارد وحراسة الثروة الوطنية التي تتحوّل بمقتضى العمالة إلى ثروات لفائدة هذه الدوائر. ومن هذا المنطلق تعمل الحكومة، بل كل الحكومات المتعاقبة، على الضغط على التكاليف وخاصة الأجور بمفهومها الواسع، (الأجر الأدنى، المنح، التغطية الاجتماعية، صندوق الدعم، التعليم، الصحة، النقل، السكن، بعض الامتيازات… وهذا طبعا يعتبر وفق رأي الخبراء هو من مكوّنات الأجر بالنّظر لكون الأجراء يساهمون بشكل مباشر في تمويل الصناديق وخزينة الدولة عبر دفع الأداءات والضرائب)، وهذا طبعا وفق وصفة محدّدة مسبقا من الدوائر المالية (صندوق النهب الدولي والبنك العالمي وغيرهما) وكلّ الحكومات التي لا تلتزم بهذه الوصفات مآلها السقوط ولهذه الدوائر آلياتها الاستخباراتية والاقتصادية لإسقاط كل من يخرج عن مخطّطها وعن توجيهات سياساتها الاستعمارية.

في هذا الإطار ما انفكّت الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة المشيشي، تصمّ آذاننا بالحديث المغالط عن ارتفاع كتلة أجور موظّفي الدولة وبأنها “الأرفع في العالم”… الخ، ولكن في الحقيقة فإن هذه الكتلة ليست كذلك باعتبار وأن الميزانية والميزانيات المتعاقبة هي الأضعف مقارنة حتى بالدول المشابهة لاقتصادنا ولمقدراتنا.

فالفرق شاسع بين الدّولة الاجتماعية الرّاعية والتي تبقى المشغّل والضامن للتوازنات الاجتماعية والمحتكر للقطاعات الاستراتيجية، وبين الدولة الليبرالية التي تتملّص من دورها الاجتماعي وتتحوّل إلى مجرّد مؤسّسة تتمعّش من الضرائب والعمولات، وهذا هو “مربط الفرس”؛ فالشعب التونسي لمّا ثار هو في الحقيقة قد ثار على نظام ليبرالي عميل تحكّمت في سياساته الدوائر المالية الاستعمارية، ولكن من سطوا على الحكم بعد الثورة لم يغيّروا هذه السياسات بل حافظوا عليها وعمّقوا ليبراليتها وعمالتها، ممّا شجّع على الفساد والتّهريب والنهب.

ومن هنا، فإن النضال من أجل سيادة البلاد يعتبر أكثر من أيّ وقت مضى، المفتاح لتحقيق العدالة الاجتماعية في ظلّ دولة مستقلّة في قراراتها وراعية للتوازنات الاجتماعية وضامنة لمجانية الخدمات الاجتماعية (التعليم والصحة والنقل والسّكن…) وبهذا الشّكل فقط يمكن المحافظة على كرامة الأجراء بصورة خاصة، وعلى كرامة الشعب بصورة عامة، وبهذا الشكل فقط يتوقّف الحديث عن التخفيض في أجور الشغيلة وإلغاء صندوق الدعم، وبهذا الشكل فقط نحافظ على المقدرة الشرائية للسّواد الأعظم من الشعب.

هي ذي السّياسة الوطنية والشعبية التي تثمّن الإنسان وتقدّر دوره في بناء الاقتصاد والمجتمع والحضارة. فالإنسان كان ولا يزال وسيظلّ أثمن رأس مال.

عيّاشي بالسّايحيّة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×