الرئيسية / صوت النقابة / أيّ مؤتمر يحتاجه الاتحاد في الظرف الراهن؟
أيّ مؤتمر يحتاجه الاتحاد في الظرف الراهن؟

أيّ مؤتمر يحتاجه الاتحاد في الظرف الراهن؟

بقلم جيلاني الهمامي 

ينعقد مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل (بصرف النظر عما إذا كان مؤتمرا عاديا أو استثنائيا) بعد أقل من شهر من الآن (أيام 25 و26 و27 مارس الجاري). ومن شبه المؤكد أنّ الإعداد له يجد، تحت ضغط عامل الزمن، صعوبات. وللتذكير فإنّ التعجيل بعقد المؤتمر قبل أوانه القانوني (الثلاثي الأول من سنة 2027) فرض نفسه كحل ضروري للخروج من الأزمة التي تردّى فيها الاتحاد. وقد استغرق الجدل داخل هياكل المنظمة حول سبل معالجة هذه الأزمة أكثر من سنة. وجرى هذا الجدل على عدة أطوار، مرة حول ضرورة انعقاد المجلس الوطني، وأخرى حول مخرجاته وثالثة حول “المؤتمر الاستثنائي” و”تحصينه” وأخرى حول موعده وأخيرا حول استقالة الأمين العام وارتداداتها الخ…

سلسلة من الصراعات على خلفية الأزمة الداخلية تواصلت فيما كانت السلطة تتابع وتراقب وفي نفس الوقت تمضي في تنفيذ خطتها في تقليم أظافر الاتحاد قبل الدخول في هجومها “الكاسح” ابتداء من إلغاء الرخص والتفرغات النقابية وصولا إلى إلغاء العمل بالخصم المباشر على الأجور لاقتطاع معاليم الانخراطات مرورا بإلغاء المفاوضات الاجتماعية وإعلان “زيادات” من جانب واحد ضمن أحكام قانون المالية (دون تطبيقها رغم مضيّ 3 أشهر).

في مثل هذه الأجواء لم يكن من اليسير الاتفاق أخيرا على موعد المؤتمر إلا في أواخر شهر ديسمبر الماضي. مع الإشارة أنه رغم ذلك مازالت إلى الآن نوايا تأجيله تدغدغ البعض الذي يعود هذه الأيام لطرح مسألة التأجيل من جديد بتعلة صعوبة ضبط الانخراطات فيما تبقّى من الوقت وبالتالي صعوبة احتساب النيابات وتوزيعها. وغنيّ عن القول أنها محاولة لا أمل في نجاحها، فالمؤتمر سينعقد في أجله أيام 25 و26 و27 مارس الجاري. هذا ما تؤكده كل المعطيات المتداولة.

فكرة عن الاستعدادات

بحسب ما يتداوله الإعلام النقابي الرّسمي وغير الرّسمي بما في ذلك الشّائعات يَبدُو أنّ كلّ الاهتمامات مُنْصَبّة الآن على الجوانب الانتخابية أساسا. فبعد الإعلان للعُموم عنْ قرار تغيير مكان انعقاد المؤتمر من ضاحية قمرت بالعاصمة إلى مدينة المنستير لأسباب مالية بحتة لم يرشح شيء عن بقية التحضيرات للمؤتمر، حتّى الهيئة الإدارية “الخاطفة” التي انعقدت هذا الأسْبُوع (الخميس 5 مارس الجاري) اتّخذتْ جُملة مِنَ القرارات، على عَجَل ودون نقاش، أهمّها نسبة الكسر لتحديد النيابات وشعار المؤتمر (ثابتون على المبادئ منتصرون للحقوق والحريات) وبرنامج المؤتمر (الافتتاح وبقية الفقرات).

أمّا اللّوائح (العامّة والمهنية والداخلية) فقد تأثّرتْ عند صياغتها بتقطّع أعمال اللجان نتيجة الصراعات التي جرت طوال المدة الفائتة قبل حسم تاريخ انعقاد المؤتمر. ومازالت لائحة الصّراع العربي الصهيوني مؤجّلة لموْعد قادم لانْعقاد الهيئة الإدارية الوطنية أيّاما قليلة قَبْلَ حلول تاريخ المؤتمر.

وفي غياب الاطّلاع على محتوى مشاريع اللوائح المذكورة يَصْعُب بطبيعة الحال الحكم لها أو عليها. لكن لا بأس من التّذكير بما يأمله الكثير من النقابيين من هذا المؤتمر وما ينتظرونه من مضامين جدية ومتطورة وقرارات جريئة تدشن مرحلة جديدة في تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل وتعطيه انطلاقة حقيقية تقطع مع التجربة البغيضة تحت سيطرة النهج البيروقراطي الانتهازي والتي أودت به إلى أزمة كادت أنْ تنتهي به إلى التفكك والاندثار.

رسائل المؤتمر

اتّحاد الشغل هو بلا شكّ منظمة نقابية عمالية ولكنه، فوق كل ذلك، قوة اجتماعية ومُكوّن من أبرز مكوّنات المجتمع المدني يستقطب اهتمام وتعاطف كل الفئات الشعبية والنخبة المثقفة وعموم المهتمين بالشأن العام. فمثلما يتطلّع النقابيون

وعموم الشغالين إلى هذا المؤتمر يتابع الكثير من السياسيين ونشطاء الحراك الاجتماعي والثقافي والشبابي والنسائي ما يجري في الاتحاد وما يمكن أن يَنْتُجَ عن هذا المؤتمر.
أُولَى الرّسائل تَعْنِي عُموم النقابيين بما مَفادُه أنّ منظمتهم قد وضعت فعلا ساقا في طريق التجاوز والخروج من الأزمة (الديمقراطية الداخلية والتي لا يمثل الفصل 20 غير عنوانا من عناوينها) ومن وراء ذلك دعوة للوحدة والنشاط وثاني الرسائل موجهة إلى عموم الشغالين بما يعني أنّ اتحادهم عاد ليلعب دوره في الدفاع عن حقوقهم وحماية مكاسبهم (موقف جدي من المفاوضات الاجتماعية والزيادات في الأجور …) ومن وراء ذلك حثهم على الانخراط بكثافة وبالتالي إفشال مشروع “تفليس” الاتحاد وثالث الرسائل تَعْني السّلطة بما يُفْهَمُ منه أنّ فترة الأيدي المرتعشة قد ولّت وانتهت وأنّ كل الحسابات قد سقطت في الماء ولا خيار لها غير العودة إلى الجادة والتعامل مع الاتحاد بما تقتضيه التّشريعات وتقاليد العلاقات بين الأطراف الاجتماعية. وآخر الرسائل موجّهة إلى المجتمع السياسي والمدني وعموم الشعب التونسي أنّ قوس فترة الفراغ التي مرّ بها الاتحاد قد أغلق وأنّ المؤتمر قد فتح قوسا جديدا في الاتجاه المعاكس.

هذا هو المؤمّل من هذا المؤتمر فإلى أيّ مدى سيكون في مستوى هذه الآمال؟ مرة أخرى وفي انتظار الاطّلاع على مضمون مشاريع اللوائح، لا يمكن بعد الجزم بشيء رغم أنّ قراءة متأنية وموضوعية لبعض المؤشرات المتوفرة تجعل الجواب عن هذا السؤال أقرب إلى التشاؤم منه إلى التفاؤل.

إنّ الأجواء السائدة الآن قبل أقلّ من شَهْر عن موعد المؤتمر لا تختلفُ في سماتها العامّة عمّا كان يَسُودُ قبلَ كلّ مؤتمر منْ مؤتمرات الاتّحاد. وأهمّ هذه السّمات الانغماس شِبْهَ الكلّي في “السّوق الانتخابي”. وبالنّظر إلى الظّروف الخاصة التي تَحُفُّ بهذا المؤتمر (ظروف الأزمة) يبدو أنّ “سوق” هذه المرّة ستكون أعوص من كل “الأسواق” السّابقة ذلك أنّ عدد التّرشّحات ستكون بالعشرات في قائمات متنافسة كثيرة. قدْ يكون ذلك علامة على ديناميكية جديدة في الحياة الداخلية للمنظمة النقابية بمناسبة المؤتمر وحماس متجدّد لتحمّل المَسؤولية في صُلْبه وهو ما لا يعكس بالمرة الحقيقة كلها. إنّ هذا التهافت إنما يعكس انتشار “الأطماع” في الموقع النقابي ومن وراء ذلك اللهث وراء المنافع والامتيازات التي يدرّها الموقع القيادي في المنظمة.

لا ينبغي أن ننسى أنّ هذا المؤتمر ينعقد في ظرف تخيّم عليه الأزمة التي يشهدها الاتحاد والتي هي في عمقها أزمة الخط البيروقراطي الذي استنفذ طاقته وكشف عن قصور واضح في مواصلة تسيير المنظمة. وإذا كان مأمولا من هذا المؤتمر أن يمنح فرصة للنقابيين لانتشال الاتحاد من هذا الخط وثقافته ومن آثاره وأخلاقه فمن غير المستبعد – إذا لم يكن من شبه المؤكد – أنّ طائفة واسعة ممّن تربوا على هذه الثقافة والأخلاق النقابية البيروقراطية سيعملون على أن يستمر خطهم (الخط البيروقراطي) على رأس الاتحاد مجسما في أبرز رموز القيادة السابقة وخاصة أولئك الذين حاولوا، حتى الأمس القريب ومازالوا يحاولون، التمترس في مواقعهم حتى سنة 2027.

خلاصة التحديات

إنّ تحديات المؤتمر كبيرة ومسؤولية النقابيين التقدميين والديمقراطيين في رفع هذه التحديات أكبر. في مقدمة ذلك العمل قصارى جهدهم من أجل إعادة الاعتبار للأرضية النقابية التي بلورتها أحداث 26 جانفي 87. فالمطلوب اليوم إعادة طرح مسألة الاستقلالية في سياقها الجديد أي الاستقلالية عن الشعبوية الحاكمة وباتجاه لا فقط منع ربط الاتحاد بعجلة السلطة وإنما أكثر من ذلك في اتجاه إفشال مخطط محو الاتحاد من الوجود. ومطلوب الضغط ما أمكن من أجل تنقية قوانين المنظمة من كل مظاهر البقرطة والمركزة المشطة وفي مقدمة ذلك فرض إلغاء تنقيح الفصل 20 ونظام التمثيلية. ومطلوب أيضا وضع خطة النضال اللازمة لمواجهة الخيارات النيوليبرالية المتوحشة المتبعة من قبل سلطة الشعبوية والتي تتقدم بخطى حثيثة باتجاه تفكيك كل عوامل المقاومة والصمود في صفوف الحركة النقابية. في هذا الإطار يجدر التذكير بأنّ الهيئة الإدارية كانت أوصت بعرض موضوع الإضراب العام على أنظار المؤتمر. فحتى لا تتكرر مهزلة التلاعب بقرار الإضراب كما جرى في المدة الفائتة سيكون على نواب المؤتمر الحرص كل الحرص من أجل استصدار قرار جديد محدد وملزم للدفاع عن مطالب الشغالين.

جملة هذه التوجهات تتجسم على المدى المباشر في خطة لرفع التحديات في ثلاثة محاور أساسية، خوض معركة فرض الحق النقابي وخاصة حق النقابات في التفاوض في الزيادة في الأجور وكل الحقوق المادية والمهنية والمعنوية للعمال بما في ذلك العودة لقرار الإضراب العام من ناحية وخوض المعركة من أجل فرض استرجاع مكسب الاتحاد في الخصم المباشر من جهة ثانية وخوض المعركة داخل البيت النقابي من أجل أن يستعيد الاتحاد موقعه في الحياة العامة والانتصار للحريات والديمقراطية والقضايا العادلة في تونس وفي العالم من ناحية ثالثة.

إلى الأعلى
×