بقلم وليد بالضيافي
سنة 2022 أطلقت شركة أوبن إيه آي (OpenAI) تطبيق شات جي بي تي (ChatGPT)، وهو أول تطبيق موجّه للعموم يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، كما يُعدّ من أوائل التطبيقات القادرة على توليد الخوارزميات. وقد مثّلت هذه التكنولوجيا تحوّلًا جذريًا، إذ نشأت في أعقابها العديد من الشركات المتخصصة في هذا المجال. وتوالت بعد ذلك الإعلانات والتكهنات والتنبؤات، بين تسويق واسع لهذه التكنولوجيا وتوقعات بنهاية بعض المهن. من بين أكثر المهن المعرّضة لمنافسة الذكاء الاصطناعي هي مهنة تطوير البرمجيات.
انتشار واسع و تحول جذري في ممارسة مهنة تطوير البرمجيات
سنة 2025 قامت مجموعة DORA التابعة لشركة غوغل (Google) باستطلاع رأي أكثر من 5000 مطور برمجيات، وأكد أكثر من 90% منهم أنهم يستعملون الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي. هذا الرقم يعكس حجم التحول الذي يعيشه قطاع تطوير البرمجيات منذ ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI).
ولفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى خصائص الذكاء الاصطناعي التوليدي وكيفية ممارسة مهنة تطوير البرمجيات. لن نخوض في تفاصيلها الدقيقة، لكن قبل إدماج الذكاء الاصطناعي في مراحل تطوير البرمجيات كانت المشاريع تُقسّم إلى مهام (مثل إصلاح الأعطال أو تطوير الخصائص)، ثم توزَّع هذه المهام على فريق العمل وفق جدول محدد. وكان كل مبرمج، بحسب المهمة الموكلة إليه، يقرأ الخوارزمية لفهم بنية المشروع، ثم يحدّثها عبر إدخال تعديلات أو تطوير أجزاء منها. بعد ذلك تُراجع هذه التحديثات ويقع قبولها أو رفضها أو طلب تعديلها، ثم يقوم المطوّر بتوثيق التغييرات حتى يتمكن الآخرون من فهمها قبل الانتقال إلى المهمة التالية.
الذكاء الاصطناعي التوليدي يعتمد على نماذج اللغة الكبرى (Large Language Models) لتوليد اللغة الطبيعية مثل الكلام، وكذلك اللغات المعيارية مثل لغات البرمجة. وللإنصاف، فإن أداء هذه النماذج يشهد تحسنًا متواصلاً، إضافة إلى سرعة كبيرة في التوليد والكتابة. وقد ساهمت هذه الخصائص في انتشارها السريع بين المطورين، حتى أصبح الاستغناء عنها شبه مستحيل. فبدل البحث عن المكتبات البرمجية (libraries) أو تصحيح أخطاء الخوارزميات (debugging) أو كتابة التوثيق، أصبح بإمكان المطوّر مساءلة تطبيق ذكاء اصطناعي ببضع جمل بلغة طبيعية (كالإنجليزية أو العربية)، وفي غضون ثوانٍ يتمّ توليد الخوارزمية مع توثيقها. ومع ذلك، ورغم التحسن المستمر، لا تزال الخوارزميات المولدة تعاني بعض النقائص، مثل استخدام مكتبات قديمة أو احتواء بعض الأخطاء، خصوصًا في ما يتعلق بأمن المعطيات. لذلك تبقى بحاجة إلى رقابة المطور البشري الذي يصحّح الأخطاء ويكيّف الخوارزمية مع متطلبات المشروع. هاته الخاصيات جعلت من مهمة المطور (développeur) تتحول من منتِج للخوارزميات إلى مسهّل لعملية إدماج الخوارزميات المولّدة، حيث يركز على الهندسة العامة للمشروع، وتقسيم العمل إلى مراحل، ومساءلة الذكاء الاصطناعي، ومراجعة ما يولده وتصحيحه.
وإن أكدت العديد من الدراسات رفعَ إنتاجية المطورين خاصة الناشئين نتيجة استعمال الذكاء الاصطناعي، فإن بعضها يبدو أكثر تحفظاً. لكن الثابت أن مهنة التطوير تغيّرت وأصبح المطور مطالباً بسرعة التنفيذ ومجاراة عدد أكبر من مهام التطوير (Development Tasks)، خصوصاً مع تحسّن نماذج اللغة، وهو ما يفسر تبنّيها من قِبَل عدد أكبر من المطورين والشركات. هذا الترفيع الفعلي أو المرتقب في الإنتاجية يترتب عليه ارتفاع في خلق الثروة، وهو ما يطرح تساؤلاً حول كيفية توزيعها.
تحول يعمّق الاغتراب
خلصت دراسة أجراها باحثون من جامعة ولاية أوريغون إلى مفارقة لافتة: فبينما يحمل الذكاء الاصطناعي التوليدي وعودًا بتخفيف عبء العمل ورفع الإنتاجية، فإنه في الواقع يولّد أعباء جديدة مثل التدقيق المعمق في النتائج، ومراجعة المحتوى الرديء، وتصحيح الأخطاء. كما يرفع توقعات أرباب العمل نحو إنتاج أعلى في فترات زمنية أقصر. فضلاً عن ذلك، يحوّل الذكاء الاصطناعي طبيعة العمل من الإبداع والإنشاء إلى الإشراف والتدقيق، وهو عمل مجهد معرفي وأصعب في القياس، ما يضع المطورين في دوامة مستمرة من العمل المتسارع، قد تنتهي بزيادة التوتر والإصابة بالاحتراق الوظيفي (Burnout) بدل الراحة الموعودة. وفي السياق نفسه، يصف مطوّر يعمل في شركة هندية الأعراض ذاتها، مضيفاً العبء الذهني الناتج عن ضرورة متابعة المستجدات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي. لفهم هذه الظاهرة يمكن العودة إلى مفهوم الاغتراب عند كارل ماركس. فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل بالفعل تحولًا تكنولوجيًا جذريًا يمكن أن يحرّر الإنسان (أو مطور البرمجيات في هذا السياق) من العديد من المهام المملة والروتينية. لكن في منظومة رأسمالية كالتي نعيشها فإن الفائض الناتج عن استعمال هذه التكنولوجيا يعود لأرباب العمل. في هذا الإطار يمكن الحديث عن الاغتراب. يقول ماركس “العامل يضع حياته في المنتوج وهو لا يمتلكه”. لم تكن الخوارزمية المُنتَجة ملكاً للمطور قبل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، بل هي ملك لرب العمل. لكن بعد إدماجه في سلسلة الإنتاج تعمّقت هذه الظاهرة؛ فبالرغم من أن الخوارزمية نابعة من فكرة المطور الذي يحوّلها إلى مساءلة ليُوَلِّد الذكاء الاصطناعي الخوارزمية، فإن كل هذه السلسلة أصبحت ملكاً لرب العمل لأن أداة العمل (أداة التوليد أيضاً) على ملكه. كما أسهمت أنماط الإنتاج في مجال تطوير البرمجيات في تفتيت عملية الإنتاج، ويُعمِّق الذكاء الاصطناعي هذا التجزؤ وحوّل المطور إلى مشرف على مقترحات الذكاء الاصطناعي، يُصلح ويتثبت ويُساءل. وهو ما يُعمِّق الإحساس بالفراغ والملل عند العديد من المطورين بالرغم من رفع الإنتاجية، مما يزيد من التوتر والضغط كعوامل ترفع من خطر الإصابة بالاحتراق الوظيفي. يتحدث كارل ماركس أيضاً عن علاقة الإنسان بالعمل، حيث يعتبر أن الإنسان يجعل من نشاطه الحيوي (العمل) موضوعاً لإرادته ووعيه. لكن العمل المغترب يقلب هذه العلاقة، حيث يصبح العمل مجرد وسيلة للبقاء؛ يعمل الإنسان ليأكل ويعيش لا ليتحقق. في علاقة بعملية تطوير البرمجيات، عمّق إدماج الذكاء الاصطناعي حالة الاغتراب هذه، حيث استولى على نسبة من العمل الفكري والإبداعي للمطور. فبينما كان المطور يفكر في الحل لإشكاليته ويُطوِّرها عبر التفكير الخوارزمي وكتابته لابتداع حل، يتطفل الذكاء الاصطناعي على هذه العملية ليحصرها في مجرد التفكير في حل ثم مساءلته. يقول ماركس أيضاً “إن النتيجة المباشرة لاغتراب الإنسان عن منتوج عمله، وعن نشاطه الحيوي، وعن كيانه النوعي، هي اغتراب الإنسان عن الإنسان”. قبل دخول الذكاء الاصطناعي إلى معادلة تطوير البرمجيات، كان هذا المجال يعتمد بدرجة كبيرة على التعاون والمساعدة المتبادلة. حيث يبدأ المطور يوم عمله بشرح ما أنجزه والعوائق التي واجهته، ليقوم الفريق أو أحد أفراده بمساعدته. وعلى نطاق أوسع، يتميز هذا المجال بثقافة المصادر المفتوحة. فمثلًا طُوّر موقع Stack Overflow ليتيح للمطورين الإجابة عن أسئلة مطورين آخرين واجهوا أعطالًا أو صعوبات تقنية. كما يمكن ذكر منصة GitHub حيث ينشر العديد من المطورين خوارزميات ومكتبات برمجية يمكن استعمالها مجانًا. لكن مع انتشار الذكاء الاصطناعي تمرّ العلاقة بين المطورين أكثر فأكثر عبر أدوات توحّد الممارسة وتقلل من التفاعل بينهم (لماذا أسأل زميلاً والإمكانية متاحة لمساءلة ذكاء اصطناعي للحصول على الإجابة في بضع ثوانٍ) وهو ما يتسبب في اضمحلال مجتمعات الممارسة (Communautés de pratiques). لقد أضحت الخيارات الفردية والأساليب الشخصية والنقاشات التقنية في تلاشي واضمحلال.
طوّر ماركس فكرة الاغتراب خلال القرن التاسع عشر، أي خلال فترة مكننة العمل اليدوي، وتحدث أساساً عن اغتراب العمل اليدوي أي الجسد. لكن ما نعيشه اليوم هو “مكننة” للعمل “الفكري” كما يسمّيه المفكر الماركسي فريدريك لوردون، أي اغتراب “العقل”.
العمل المجاني والسرقة الموصوفة
قد يتساءل البعض، كيف تمكنا من تطوير أداة قادرة على منافسة “الفكر” الإنساني؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب أولًا فهم طريقة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي. تعتمد هذه الأنظمة أساسًا على نماذج محاكاة يتم “تدريبها” باستخدام كميات هائلة من البيانات الموسومة. وفي حالة الذكاء الاصطناعي التوليدي للغة، تقوم هذه النماذج أساسًا على مبدأ التنبؤ بالكلمة التالية (Prediction of the next token). ولتدريب هذه النماذج اعتمدت الشركات على محتوى الإنترنت: نصوص، كتب، خوارزميات، وشروحات إصلاح الأعطال التي نشرها مطوروها على الشبكة. وبهذه الطريقة جرى الاستحواذ على جزء ضخم من الإنتاج البشري دون مقابل، لتستغله الشركات لاحقًا في أنشطة ربحية.
غير أن هذا الاستغلال المجاني للعمل لا يقف عند هذا الحد. فبهدف تحسين منتجاتها، تقوم الشركات بتحويل ما يعرف بالتجربة البشرية/تجربة المستعمل (أي بيانات استخدام المطورين للذكاء الاصطناعي وكيفية تفاعلهم معه) إلى معطيات تعيد ضخها في النظام من أجل تحسين أدائه. وتصف الباحثة شوشانا زوبوف هذه العملية في كتابها “عصر رأسمالية المراقبة” بمفهوم الاستخراج السلوكي، حيث تقول “تستولي رأسمالية المراقبة من جانب واحد على التجربة الإنسانية باعتبارها مادة خام مجانية، لتحولها إلى بيانات سلوكية”.
تهديد لتشغيلية المطورين؟
لا يزال الذكاء الاصطناعي التوليدي تكنولوجيا حديثة، لذا فإننا في مرحلة تحول تكنولوجي (Phase de Transition Technologique). ولا يزال معدل تبنّيه ضعيفاً رغم ارتفاع إعلانات المشاريع المتعلقة به، فلا يزال من المبكر جداً تقييم أثره الحقيقي. لكن بعض المؤشرات بدأت تظهر، خاصة في ما يتعلق بتشغيلية المطورين الشباب. حسب دراسة نشرها مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد سنة 2025 حول المهن الأكثر عرضة للذكاء الاصطناعي، إنّ أكثر فئة مهدَّدة هي الشباب بين 20 و25 عاماً وحديثو التخرج، حيث تقلّصت فرص العمل بنسبة 20% مقارنة بسنة 2022.
من ناحية أخرى شرعت بعض شركات تطوير البرمجيات والحوسبة السحابية (Cloud Computing) في تسريح العمال متعلّلةً بالتحول التكنولوجي. فقد أعلنت شركة مايكروسوفت في جويلية 2025 عن طرد 6000 عامل، وكانت قبلها قد أعلنت عن تسريح أكثر من 9000 عامل يعملون أساساً في تطوير الألعاب الإلكترونية. كما أعلنت شركة أمازون عزمها طرد أكثر من 16000 عامل. شركات الخدمات الرقمية بدورها أعلنت عن نيتها تسريح عدد من العمال؛ فأعلنت شركة أكسنتشر (Accenture) في سبتمبر الماضي عن طرد أكثر من 12000 عامل، تلتها شركة كاب جيميني (Capgemini) الفرنسية التي أعلنت عن نيتها التخلي عن 2400 عامل في فرنسا. عللت كل الشركات هذه الإجراءات بتحوّل طلبات عملائهما التي ارتكزت أساساً على الذكاء الاصطناعي.
ختامًا، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا تكنولوجيًا مهمًا أدّى إلى رفع إنتاجية بعض المهن، ومنها تطوير البرمجيات. غير أنه في إطار نظام إنتاج رأسمالي تُوزَّع فيه الثروة بشكل غير عادل، قد يؤدي هذا التطور إلى تعميق إحساس المنتج بالاغتراب، رغم الوعود بالراحة الناتجة عن ارتفاع المردودية. كما أن هذا التحول أدخل فئات اجتماعية جديدة، كانت إلى حد ما على هامش الصراع الطبقي، إلى قلب هذه التحولات.
صوت الشعب صوت الحقيقة
