بقلم حبيب الزموري
ينعقد مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل أيام 25 و26 و27 مارس 2026 بمدينة المنستير في ظرفية نقابية وسياسية واجتماعية واقتصادية وقيمية بلغت أقصى درجات التأزم والتعفن، ومن الطبيعي أن تتكثف هذه الأزمة داخل هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه المنظمة الأكثر تمثيلية للأجراء في تونس الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من منخرطي الاتحاد ومن كوادره أيضا وهم يشكلون أيضا ما يصطلح على تسميته بالطبقة الوسطى التونسية أي البورجوازية الصغرى ومن الطبيعي أن يحملوا معهم إلى هياكل الاتحاد مختلف خصائص هذه الطبقة المتأرجحة في مواقفها وفي ممارساتها السياسية والنقابية والتي يمكن أن تنحدر وقت الأزمات والمنعرجات التاريخية الكبرى إلى الانتهازية والعنصرية وأقصى درجات الفردانية… ولكن من غير الطبيعي أن يسعى عديد النقابيين والمتابعين للشأن العام وخاصة النقابي منه إلى محاولة إيقاف عجلة التاريخ والحكم على الاتحاد بالجمود في لحظة أزمته بتعلات شكلانية واهية لم تنجح في إخفاء سعي هؤلاء إلى تحصين المواقع التي يحتلونها بالعمل على تغيير الظروف الموضوعية والذاتية التي ينعقد فيها المؤتمر بما يخدم مصالحهم ولو أدى ذلك إلى مزيد إغراق المنظمة في أزمتها وتآكل هياكلها وسمعتها. ورغم انطلاق أشغال المؤتمر فإن مساعي هؤلاء لإرباك أشغاله والتلويح بالطعن في شرعيته لم تتوقف حتى داخل أروقة المؤتمر لتتقاطع محاولتهم تلك بنفس المحاولات التي مارستها مجموعات من خارج المؤتمر، ليطغى مرة أخرى صراع التموقع على صراع المضامين والبرامج رغم الخطوات الإيجابية التي اتخذها نواب المؤتمر منذ اليوم الأول بإلغاء الفصل عـــــــ20ــــــدد وتحديد عدد الدورات في الهياكل النقابية الوسطى ونصف الخطوة المتخذة في علاقة بالتصويت النسبي في انتظار تجذير تنقيح القانون الأساسي والنظام الداخلي أكثر في المجلس الوطني الذي سينعقد إثر المؤتمر.
لقد كنا وما زلنا على قناعة تامة أن تقديم المؤتمر العام عن موعده يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح لوضع حدّ للنّزيف الذي تعاني منه المنظمة منذ أكثر من أربع سنوات ولكن هذه الخطوة تبقى منقوصة ما لم تكن مرفوقة بمضامين وبرامج تكون نابعة من تشخيص وتقييم موضوعيين للأزمة التي تردى فيها الاتحاد لإنتاج الوصفات العلاجية الملائمة التي تعيد الاعتبار لقيم النضالية والاستقلالية والديمقراطية داخل المنظمة بالإضافة إلى تطوير طرق التسيير والتصرف بما يضمن أفضل أساليب الحوكمة والشفافية بين الهياكل ومع القواعد العمالية والمناضلين. ولكن رغم نجاح المدافعين عن عقد المؤتمر الاستثنائي في ترجيح كفتهم فإننا نلاحظ غياب وحدة الوعي بعمق الأزمة في صفوفهم، بين من يعتبرها أزمة تهدد مصير الاتحاد وكيانه وبين من يعتبرها “نزلة برد خفيفة” سيتعافى منها الاتحاد كما تعافى من قبل مثلما صرح الأمين العام المتخلي نور الدين الطبوبي في كلمته لافتتاح المؤتمر. ورغم الطابع الدعائي لهذه الكلمة الافتتاحية فإنها تعكس بكل وضوح غياب وحدة الوعي بخطورة الأزمة وبالتالي تباين مقترحات العلاج وإن كان الحرس القديم في المنظمة، من ترشح منهم ومن لم يترشح، يتفقون على المحافظة على “سلامة الشقف” بكل ما تعكسه هذه العبارة الدارجة في الساحة، التي تحوّلت إلى شعار ثابت في الخطاب النقابي، من نزعة محافظة وتكريس للهيكلة التقليدية الموغلة في المركزة التي ترعرعت فيها مختلف الممارسات البيروقراطية والانتهازية.
إن التركيز شبه الكلي على تشكيل القائمات وعلى البحث عن التوافقات الانتخابية على حساب المضامين ورسم الخطط النضالية الكفيلة بإصلاح المنظمة إصلاحا جذريا ومواجهة مختلف التهديدات والمخاطر المحدقة بها من الداخل والخارج ينذر بإعادة إنتاج الأزمة بل بتفاقمها ما لم يتدارك المكتب التنفيذي المنتخب وسلطات القرار داخل المنظمة نقائص هذا المؤتمر وضيق الوقت المخصص لمناقشة اللوائح وصياغتها ومناقشتها نظرا لاستحالة تواصل الوضع داخل المنظمة ولا سيما في مكتبها التنفيذي السابق على ما هو عليه مما حتّم الذهاب إلى هذا المؤتمر بالسرعة القصوى لإحداث الرجّة المنشودة أملا في أن يستعيد العقل النقابي القيادي رشده.
إن مهاما جسيمة تنتظر المكتب التنفيذي الجديد لا تقل جسامة عن المهام التي واجهتها المنظمة إبان الكفاح ضد الاستعمار أو إبان تغول السلطة البورقيبية سنتي 1978 و1985، وعلى رأس هذه المهام:
- المضي قدما في تنقيح النظام الداخلي في اتجاه تكريس الممارسة الديمقراطية وتوسيع دائرة اتخاذ القرار داخل المنظمة وإلغاء الامتيازات الانتخابية التي يتمتع بها أعضاء المكتب التنفيذي ودعم آليات الرقابة المالية والقانونية ومنحها الصلاحيات المناسبة للتصدي لكافة أنواع التجاوزات المالية أو القانونية.
- إعادة الاعتبار للحياة النقابية التنظيمية داخل الأطر باحترام دورية الاجتماعات وعقد الاجتماعات العامة الدورية لإعادة التحام المنظمة بقاعدتها الاجتماعية والشعبية وإحياء المناسبات النقابية والوطنية والقومية والأممية بأشراف المكتب لتنفيذي الوطني والمكاتب الجهوية والمحلية.
- رسم الخطط النضالية المناسبة لمواجهة تغوّل السلطة وعدوانها السّافر على ما راكمته الطبقة العاملة التونسية طيلة أجيال من مكاسب وحقوق في مقدمتها الحق النقابي، بل إن هذه السلطة الشعبوية تحاول بكل ما أوتيت من قدرات سياسية ودعائية إلى تفكيك هذه المنظمة واحتلال دورها في تمثيل العمال والكادحين وشرائح واسعة من البورجوازية الصغرى. إن هذه المهمة بالذات لا تحتمل مزيدا من المهادنة أو إعادة إنتاج لسياسة التسخين والتبريد التي لطالما برعت فيها القيادة البيروقراطية.
- وضع سياسة إعلامية ودعائية ترصد لها الإمكانيات المالية والبشرية والتقنية الضرورية للتصدي للميليشيات الدعائية الشعبوية والرجعية المأجورة تكون قادرة على إعادة مد جسور التواصل بين المنظمة وحاضنتها العمالية والشعبية وفك الحصار الإعلامي الذي ضربته السلطة على الاتحاد وعلى غيره من المنظمات والأحزاب، بل على كل صوت يغرّد خارج جحافل الشعبوية.
هذه المهام ذات الأولوية التي لا ينبغي أن تحجب عدة مهام أخرى، قيادة موحدة في وعيها بمهام المرحلة وفي ممارستها النقابية وقادرة على بثّ هذه الوحدة بالعمل اليومي الدؤوب في مختلف هياكل الاتحاد، عسى أن تخرج المنظمة من هذا النفق الذي تردت فيه وتكون قادرة على الاضطلاع بمهامها النقابية والوطنية. فرغم كل محاولات ترذيل هذا المؤتمر ورغم الحصار الإعلامي المفروض عليه فإن كافة غرف صنع القرار السياسي والاقتصادي في تونس بصدد تعديل توجهاتها على مخرجات هذا المؤتمر، أما بالنسبة للنقابيات والنقابيين في مختلف هياكلهم فإما استغلال هذه اللحظة لانتشال المنظمة من المستنقع الذي تردت فيه واستعادة روحها النضالية المستقلة الديمقراطية وإما الموت السريري والتلاشي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
