بقلم : منور السعيدي
تشهد الساحة القضائية في تونس هذه الأيام حالة من الغضب المتصاعد في صفوف المحامين، غضبٌ لا يمكن اختزاله في مطالب مهنية على أهميتها، بل يعكس أزمة أعمق تضرب صميم العلاقة بين السلطة والمجتمع، بين القانون والعدالة، وبين الخطاب الشعبوي والواقع المعيش. إن ما يجري اليوم ليس مجرد “احتقان قطاعي“، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات تُغذّي الوهم الجماهيري وتُضعف مؤسسات الوساطة، في سبيل تكريس حكم يرتكز على استثارة العواطف بدل معالجة التناقضات والمشاكل الحقيقية
لا يمكن قراءة هذا الغليان بمعزل عن الصراع الطبقي الذي يتخفّى خلف شعارات براقة. فالشعبوية، التي ترفع لواء “الشعب” بشكل تجريدي، تعمل فعلياً على تفكيك كل الأطر المنظمة التي تمكّن الفئات الكادحة من الدفاع عن مصالحها، بما في ذلك الهيئات المهنية المستقلة كهيئة المحامين. وعندما يتم شيطنة هذه الأجسام واتهامها بالعمالة أو التآمر، فإن الهدف الحقيقي هو إضعاف أي صوت قادر على مساءلة السلطة وكشف تناقضاتها.
وتزداد خطورة هذا المشهد مع تواصل ملاحقة عدد من المحامين والنشطاء، حيث نجد أسماء مثل العياشي الهمامي وأحمد نجيب الشابي ورضا بالحاج وغيرهم، ممن يواجهون الاعتقال أو المتابعات القضائية في سياق سياسي متوتر. إن استهداف هذه الشخصيات لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لإخضاع الحقل القانوني وتطويعه، وتحويله من فضاء للدفاع عن الحقوق إلى أداة لإضفاء الشرعية على خيارات السلطة.
وفي هذا السياق المشحون، تكتسي دعوة الهيئة الوطنية للمحامين بتونس إلى عقد جلسة عامة استثنائية لتدارس أوضاع الحريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تنظيم اجتماعات جهوية، دلالة خاصة تتجاوز الإطار المهني الضيق. فهذه الدعوة ليست مجرد آلية تنظيمية داخلية، بل تعبير عن إدراك جماعي بخطورة المرحلة وضرورة بلورة موقف موحّد قادر على الدفاع عن استقلالية المهنة وعن الحريات العامة في آن واحد.
وليس هذا الدور الطليعي جديداً على المحامين في تونس، إذ لعبت المحاماة تاريخياً دوراً محورياً في مقاومة الاستبداد والانحياز لقضايا الحرية والعدالة. فقد برزت أسماء مثل راضية النصراوي التي شكّلت رمزاً للصمود في وجه القمع، وشكري بلعيد الذي دفع حياته ثمناً لمواقفه، وغيرهما من المحامين الذين انخرطوا في معارك الدفاع عن المساجين السياسيين وكشف الانتهاكات. هذا الإرث النضالي لا يمكن فصله عن الحراك الحالي، بل يشكّل امتداده الطبيعي في مواجهة كل أشكال الردة عن مكتسبات الحرية.
المحامون اليوم في تونس يقفون في خط تماس مباشر مع هذا المشروع. فهم، بحكم موقعهم، يدافعون عن الحقوق والحريات، ويواجهون محاولات تطويع القضاء وتهميش استقلاليته. لكن بدلاً من فتح حوار جدي حول إصلاح المنظومة القضائية وضمان عدالتها الاجتماعية، يتم اللجوء إلى خطاب شعبوي سطحي يختزل الأزمة في “نخب فاسدة” مقابل “شعب نقي“، متجاهلاً أن الفساد ذاته هو نتاج منظومة اقتصادية غير تابعة لا يمكن تفكيكها عبر الشعارات بل عبر سياسات جذرية تمسّ علاقات الإنتاج والتوزيع.
إن الغضب الذي يعتمل في صفوف المحامين، والمترجم اليوم في الدعوة إلى الاجتماع العام والتحركات الجهوية، هو في جوهره رفض لتحويل العدالة إلى أداة في يد السلطة التنفيذية، ورفض لتبسيط الصراعات الاجتماعية في ثنائيات زائفة. وهو أيضاً تعبير عن وعي متزايد بخطورة المسار الذي يُقصي كل أشكال التنظيم المستقل لصالح حكم فردي يستند إلى التفويض العاطفي لا إلى الشرعية المؤسساتية.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في توسيع هذا الغضب وربطه بنضالات بقية الفئات الشعبية: العمال، العاطلين عن العمل، صغار الفلاحين، وكل من يدفع ثمن السياسات الاقتصادية اللاعدالة. فالمعركة ليست معركة المحامين وحدهم، بل هي معركة من أجل إعادة بناء فضاء سياسي ديمقراطي حقيقي، قائم على المشاركة والتنظيم، لا على التجييش والانفعال.
إن الشعبوية، مهما ادّعت تمثيلها “الإرادة الشعبية“، تظل أداة لإعادة إنتاج نفس البنى التي تُفقِر الشعب وتُقصيه. ومواجهة هذه الشعبوية لا تكون بالدفاع عن امتيازات، بل ببناء مشروع تحرري يضع العدالة الاجتماعية في قلبه، ويعيد الاعتبار لدور التنظيمات المهنية والنقابية كركائز لأي تحول ديمقراطي حقيقي. في هذا السياق، يصبح غضب المحامين، ليس فقط مشروعاً، بل ضرورياً، للمساهمة في كسر دائرة الوهم الشعبوي وفتح أفق جديد للصراع الاجتماعي في تونس.
صوت الشعب صوت الحقيقة
