الرئيسية / عربي / الإمارات بين إعادة التموضع النفطي والتحالف الصهيو-أمريكي
الإمارات بين إعادة التموضع النفطي والتحالف الصهيو-أمريكي

الإمارات بين إعادة التموضع النفطي والتحالف الصهيو-أمريكي

بقلم كوثر الباجي

تشهد منطقة الخليج اليوم واحدة من أكثر اللحظات توترًا منذ عقود، في ظل تصاعد الصراع حول الطاقة والممرات البحرية، واحتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد مؤشرات إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. ففي الوقت الذي صعّدت فيه إدارة دونالد ترامب من ضغوطها الاقتصادية والعسكرية على إيران، عبر تشديد الحصار على صادراتها النفطية وموانئها البحرية، ردّت طهران بالتلويح بإغلاق مضيق هرمز ، أحد أهم الشرايين الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية. وقد أدى هذا التصعيد إلى تعطل حركة عدد من السفن التجارية، وارتفاع أسعار النفط، وتنامي المخاوف من انفجار إقليمي واسع قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة.

وفي قلب هذه التحولات، برزت الإمارات كفاعل أساسي يسعى إلى إعادة تموضعه سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. فمن جهة، تصاعدت الخلافات بينها وبين السعودية داخل أوبك وحول مستقبل التوازنات الخليجية، ومن جهة أخرى تعزز تحالفها مع الكيان الصهيوني ضمن إطار ما يسمى بالتعاون الأمني والتكنولوجي، خاصة مع الحديث عن تنسيق دفاعي ومنظومات مرتبطة بالقبة الحديدية.

غير أن هذه التحولات لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد خلافات ظرفية أو خيارات سيادية معزولة، بل باعتبارها جزءًا من إعادة هيكلة أوسع للمنطقة تحت قيادة المحور الصهيو-أمريكي، حيث تتحول الطاقة والممرات البحرية والتحالفات العسكرية إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة. ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل تسعى الإمارات فعلًا إلى الاستقلال عن الهيمنة الخليجية التقليدية، أم أنها تنتقل فقط من دائرة تبعية إلى أخرى أكثر التصاقًا بالمشروع الأمريكي والصهيوني؟

أولا: إعادة التموضع الإماراتي: بين أزمة أوبك وضغوط الحرب والطاقة

لا يمكن فهم التحركات الإماراتية الأخيرة داخل سوق النفط دون ربطها بالسياق الدولي المتفجر. فالحرب الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، ومحاولات التحكم في تدفقات الطاقة العالمية، دفعت دول الخليج إلى إعادة حساباتها السياسية والاقتصادية.

في هذا الإطار، برزت الإمارات كطرف يسعى إلى توسيع هامش حركته داخل السوق النفطية، خاصة مع تصاعد الخلافات حول حصص الإنتاج داخل أوبك. فقد عبّرت أبوظبي في أكثر من مناسبة عن رفضها للقيود المفروضة عليها، معتبرة أنها لا تعكس طاقتها الإنتاجية الحقيقية ولا حجم استثماراتها الضخمة في القطاع النفطي.

في الواقع عكست هاته الخلافات تحولات أعمق داخل الخليج نفسه. فالإمارات لم تعد تتصرف باعتبارها جزءًا من كتلة خليجية منسجمة تقودها السعودية، بل كقوة إقليمية لها طموحات مستقلة وتسعى إلى بناء نفوذ خاص بها داخل النظام العالمي.

وقد تزامن هذا التحول مع تصعيد أمريكي خطير ضد إيران، خاصة عبر محاولات خنق صادراتها النفطية وفرض حصار فعلي على موانئها. وردًا على ذلك، لوّحت إيران بإغلاق مضيق هرمز، ما أدخل الأسواق العالمية في حالة ارتباك وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط واحتجاز أو تعطيل مرور العديد من السفن التجارية.

في ظل هذه الأزمة، بدت الإمارات مستعدة للعب دور يتجاوز مجرد “الدولة المنتجة للنفط”، لتتحول إلى أداة داخل الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى إعادة التحكم في السوق العالمية للطاقة. فزيادة الإنتاج أو كسر سقف أوبك يخدمان، رغبة واشنطن في تخفيض الأسعار والضغط على خصومها الدوليين.

غير أن هذا التموضع لا يرتبط فقط بالخارج، بل أيضًا بالحاجات الداخلية للنظام الإماراتي نفسه. فالنموذج الاقتصادي القائم على الريع، والمشاريع العملاقة، والإنفاق العسكري، ونمط الاستهلاك الباذخ، يحتاج باستمرار إلى تدفق مالي ضخم. وهنا يظهر التناقض الأساسي: فالدولة التي تقدم نفسها كاقتصاد متنوع  تجد نفسها في لحظة الأزمة أكثر ارتهانًا للنفط وأكثر استعدادًا لتوظيفه سياسيًا.

ثانيا: من مجلس التعاون إلى المحور الصهيو-أمريكي: التحالفات الجديدة للإمارات

إذا كانت الإمارات تبتعد تدريجيًا عن منطق الانضباط داخل الخليج، فإنها في المقابل تقترب أكثر فأكثر من المحور الصهيو-أمريكي. فالتقارب المتسارع مع الكيان لم يكن مجرد تطبيع دبلوماسي، بل انتقالًا استراتيجيًا نحو تحالف أمني واقتصادي وعسكري متكامل.

وقد ظهر ذلك بوضوح مع الحديث عن تعاون دفاعي متزايد، وإرسال منظومات مرتبطة بالقبة الحديدية في إطار التنسيق الأمني بين الطرفين. وهنا يتحول الكيان الصهيوني من كيان معزول نسبيًا داخل المنطقة إلى شريك مباشر في إدارة أمن الخليج والطاقة والممرات البحرية.

هذا التحالف لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الأمريكية الأشمل في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تسعى منذ سنوات إلى بناء محور إقليمي جديد يضم الكيان الصهيوني وبعض الأنظمة الخليجية، بهدف محاصرة إيران وضمان السيطرة على طرق التجارة والطاقة.

ومن هذا المنظور، يصبح التموضع الإماراتي داخل هذه الشبكة جزءًا من إعادة رسم التنظيمات الإقليمية. فبدل أن يكون مجلس التعاون الخليجي إطارًا للتنسيق العربي، يتحول تدريجيًا إلى فضاء هش تتراجع داخله الروابط لصالح تحالفات جديدة تقودها واشنطن وتل أبيب.

كما أن هذا التحول يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي باتت تلعبه الإمارات. فهي لم تعد تتحرك فقط وفق حسابات “المصلحة الوطنية”، بل باعتبارها شريكًا في مشروع إقليمي أوسع يقوم على حماية المصالح الغربية وإعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا.

ومن زاوية أخرى فإن هذا التموضع يخدم بالأساس مصالح النخب الحاكمة المرتبطة بالرأسمال العالمي، بينما تدفع شعوب المنطقة ثمن الحروب والتطبيع والعسكرة. فالثروة النفطية لا تُستخدم لبناء تنمية مستقلة أو تحقيق العدالة الاجتماعية، بل لتكريس التحالف مع القوى الإمبريالية وتمويل مشاريع الهيمنة.

ثالثا: أزمة الطاقة وعسكرة الخليج: نحو مزيد من الفوضى والتبعية

رغم كل هذه التحركات، يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع الإمارات، ومعها بقية الأنظمة الخليجية، حل أزمة الطاقة العالمية أو فرض الاستقرار في المنطقة؟

الواقع أن ما يجري اليوم يؤكد العكس تمامًا. فبدل أن يؤدي الانخراط في المحور الأمريكي-الصهيوني إلى الاستقرار، نجد أن المنطقة تدخل مرحلة أكثر خطورة، حيث تتحول الطاقة إلى سلاح، والممرات البحرية إلى ساحات صراع مفتوحة.

فالتصعيد حول مضيق هرمز، واحتجاز السفن، وارتفاع أسعار النفط، كلها مؤشرات على أن النظام العالمي يعيش أزمة بنيوية عميقة. فالصراع لم يعد فقط حول من يبيع النفط، بل حول من يسيطر على طرق نقله وعلى موازين القوة التي تحكم السوق العالمية.

وفي هذا السياق، تبدو السياسات الإماراتية جزءًا من إعادة إنتاج الأزمة لا حلًا لها. فزيادة الإنتاج أو تجاوز التفاهمات داخل أوبك قد يحقق مكاسب ظرفية لبعض القوى ، لكنه يعمق التناقضات داخل السوق النفطية ويزيد من هشاشة المنطقة.

كما أن عسكرة الخليج والتطبيع مع الكيان الصهيوني يفتحان الباب أمام مزيد من التدخلات الأجنبية، ويجعلان المنطقة أكثر ارتباطًا بالاستراتيجيات الأمريكية. وهنا تتحول الثروة النفطية من أداة يمكن أن تساهم في التحرر والتنمية إلى وسيلة لإعادة إنتاج التبعية والصراعات.

فإن ما يحدث اليوم يكشف أزمة النظام الريعي الخليجي نفسه. فهذا النظام، رغم ما يملكه من ثروات هائلة، يبقى عاجزًا عن بناء استقلال حقيقي، لأنه قائم في جوهره على التحالف مع الرأسمال العالمي والحماية الأجنبية. ولذلك، كلما اشتدت الأزمات الدولية، كلما ازدادت تبعيته وارتهانه للتحالفات العسكرية والاقتصادية الخارجية.

في الختام، إن إعادة التموضع الإماراتي داخل سوق الطاقة والتحالفات الإقليمية ليست مجرد مناورة ظرفية، بل تعبير عن تحولات عميقة يعيشها الخليج والمنطقة العربية بأسرها. فهي تكشف انتقال بعض الأنظمة الخليجية من منطق “التنسيق العربي” إلى منطق الاندماج المباشر داخل المحور الصهيو-أمريكي، حيث تصبح الطاقة والأمن والممرات البحرية أدوات ضمن مشروع الهيمنة الغربية.

غير أن هذه السياسات، رغم ما تمنحه من نفوذ مؤقت للنخب الحاكمة، لا تحل أزمة الطاقة ولا تحقق استقرارًا حقيقيًا، بل تفتح الباب أمام مزيد من الحروب والتبعية والتفكك الإقليمي. ولذلك فإن التناقض الأساسي لا يكمن فقط في الصراع بين دول الخليج وإيران، بل في طبيعة النظام العالمي نفسه، الذي يحول النفط من ثروة للشعوب إلى أداة للصراع والابتزاز والهيمنة.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل تستطيع شعوب المنطقة استعادة السيطرة على ثرواتها وقرارها السياسي، أم أن الخليج سيظل ساحة مفتوحة لصراعات القوى الكبرى وتحالفات النخب التابعة؟

إلى الأعلى
×