الرئيسية / صوت العالم / صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الأول)
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الأول)

صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الأول)

بقلم جيلاني الهمامي

تحتل ليبيا موقعا جغرافيا استراتيجيا على الضفاف الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. فهي تتوسط الضفة الجنوبية ما بين تونس ومصر وتمتد سواحلها على مسافة أكثر من 1700 كلم وتمثل واحدة من أهم البوابات على قلب الصحراء الإفريقية الكبرى.

هذا الموقع أضفى عليها أهمية سياسية استراتيجية في المنطقة ازداد أهمية بالنظر لما تزخر به من خيرات وما باتت تمثله من سوق ومعبر لتنقل البضائع والأموال والبشر. وتعاظمت هذه الأهمية في التاريخ المعاصر وفي العقود الأخيرة وخاصة إثر سقوط نظام القذافي واندلاع الحرب الأهلية في البلاد حتى باتت محط أنظار كل القوى الاقتصادية والعسكرية القديمة والصاعدة في العالم.

فإبان اندلاع الثورة في ليبيا سنة 2011 اتجهت أنظار القوى العظمى للتدخل في ليبيا من ذلك تدخل حلف شمال الأطلسي للمساعدة على الإطاحة بمعمر القذافي، وابتداء من سنة 2014 وانقسام البلاد إلى شرق (بن غازي) وغرب (طرابلس) تكثف التدخل الدولي في ليبيا التي تحوّلت إلى مسرح تنافس بين القوى العظمى.

في هذا الإطار ظهرت أطماع روسيا وتركيا والصين ضمن الأطماع الاستعمارية حيث سعى كل منهم إلى اقتطاع منطقة نفوذ تخضع لسيطرته من خلال كسب أحد الأطراف الليبية المتنازعة. ففي حين سعت روسيا إلى تثبيت سيطرتها على الموانئ النفطية في الشرق الليبي ومواقع أخرى في الجنوب ركزت تركيا اهتماماتها على ترسيم حدودها البحرية مع الساحل الشرقي الليبي وكسب مصالح اقتصادية. ولئن جاء التدخل الصيني متأخرا شيئا ما فإنه بالاعتماد على ما يسمى باستراتيجية “الحياد النشيط” سرعان ما تسارع نسقه.  وعادت إيطاليا في السنوات الأخيرة إلى مضمار الصراع من أجل استرجاع جزء من سيطرتها على مستعمرتها القديمة ليبيا.

لقد أصبحت ليبيا من أكثر مناطق العالم مسرحا للتنافس بين القوى العظمى، التجارية والسياسية والعسكرية، وتحولت إلى مجال من مجالات تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة والمستقبلية. ويتخذ هذا التنافس أبعادا متعددة ومتنوعة يشمل أساسا البعد العسكري من خلال التواجد العسكري لبعض المتدخلين وما يقدمونه من دعم تسليحي ولوجستي للأطراف المسلحة المتصارعة في الساحة الليبية. كما يشمل البعد من خلال دعم هذا الطرف أو ذاك من أطراف النزاع الليبي في المفاوضات حول مشاريع التسوية واستراتيجيا رسم صورة المستقبل السياسي في البلد. ويشمل من جهة ثالثة البعد الاقتصادي وخاصة مجال الطاقة والمشاريع الكبرى والاستعدادات للاستحواذ على جزء من برامج إعادة الإعمار. ولا يخلو التنافس أيضا من الأبعاد الثقافية والتكنولوجية والتكنولوجيا الرقمية خاصة وما يتصل بالحرب الإلكترونية والجوانب الاستخباراتية.

وتتميز أنشطة كل قوة من القوى المتسابقة بالتركيز على بعد من الأبعاد المذكورة ضمن مقاربات مختلفة لكيفية ضمان السيطرة والتحكم في هذه المنطقة الهامّة من حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا.

ليبيا مجال لإعادة الانتشار الروسي بعد الخروج من سوريا

للتذكير فقدت روسيا سنة 2011 نفوذا كانت تتمتع به في ليبيا وورثته عن العلاقات الليبية السوفياتية السابقة. وهي تسعى اليوم للعودة إلى هناك أولا بدافع تاريخي ومن منطلق “الحق المكتسب” ولكن أيضا بدوافع أخرى استراتيجية، سياسية وعسكرية، واقتصادية تتجاوز حدود ليبيا وتتسع لكامل منطقة شمال إفريقيا والقارة السمراء.

إن المقاربة الرّوسية في تواجدها في ليبيا لا ترتبط فحسب بالأزمة الليبية وإنما تنطلق من منطلقات جيواستراتيجية تتركز حول مسعاها إلى التسلل إلى منطقة تخضع تقليديا إلى الخصم الغربي، أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، منطقة شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. وعلاوة على كونها واحدة من أهم ضفاف المتوسط فإن روسيا ترى في ليبيا نقطة عبور نحو إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي المتاخم للحدود الجنوبية الليبية حيث تعمل موسكو من مدة على توسيع نطاق حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري من خلال شركة فاغنر. وهي تسعى إلى مزيد توطين هذا الحضور في اتجاه استغلال حركة الهجرة الكثيفة، المنظمة وغير المنظمة، كواحدة من أدوات صراع موازية للأدوات التقليدية مع أوروبا خاصة.

وإلى جانب ذلك يمثل العامل الاقتصادي دافعاً مركزياً في مساعي روسيا للتدخل في ليبيا وخاصة السيطرة على جزء من مخزون الطاقة الذي تمتلكه فذلك يمكن أن يشكل عنصر ضغط دولي لا فقط في مجال الأمن الطّاقي وإنما أيضا كعنصر ضغط استراتيجي موجه بشكل رئيسي ضد أوروبا.

أما على الصعيد العسكري والأمني فإن روسيا ترى في حضورها العسكري في ليبيا، بالنظر للظروف التي مرت وتمر بها بعد سنة 2011، فرصة لكسر عزلتها ويتيح لها إمكانية لعب دور في أي تسوية سياسية في النزاع الليبي وبالتالي يؤمّن لها استراتيجيا البقاء في الصورة في كل التطورات اللاحقة وكلاعب دائم الحضور في الملف الليبي. ومن وراء ذلك توظيف هذا الدور في معادلات سياسية إقليمية ودولية أخرى.

وقد أصبحت ليبيا فعلا على إثر  سقوط نظام الأسد في سوريا هي البديل الاستراتيجي لتعويض الخسارة التي تكبّدتها روسيا جراء ذلك. وبحسب العديد من التقارير استقبلت القواعد العسكرية في شرق ليبيا الواقعة تحت سيطرة خليفة حفتر معدات عسكرية روسية متطورة كانت متمركزة في سوريا. وتعتمد اليوم روسيا في ليبيا على حضورها العسكري القوي ولكن تحشد أيضا كل الوسائل والأدوات الأخرى السياسية والديبلوماسية والثقافية والتكنولوجية والاقتصادية من أجل أن تحظى بموقع خاص وتستفيد من أسبقية على بقية القوى الأجنبية في ظل المزاحمة الشديدة التي تشهدها من قبل البعض وخاصة تركيا والصين وإيطاليا.

ويمكن القول إن روسيا قد نجحت في توظيف مختلف هذه الأدوات ونتيجة لذلك نفذت إلى أهم المواقع الاستراتيجية في الشرق كما في الغرب الليبي وقرب منابع النفط والمواني المتصلة بها وباتت تحظى بنفوذ كبير. وهي اليوم تستغل الانقسام الحاصل بين شرق ليبيا وغربها، بين دولة حفتر في بنغازي ودولة الدبيبة في طرابلس وتتمادى في اللعب عليه لتمتين نفوذها واستدامة وجودها هناك.

غير أن الصراعات الجارية في عالم اليوم بين مختلف القوى العظمى، القديمة منها والصاعدة، مازالت لم تستقر بعد على ميزان قوى محدد وقد يلزم الأمر اللجوء في الأخير إلى الحل الذي ما بعده حل لحسم موازين القوى وفرض توزيع جديد للنفوذ في العالم.

إلى الأعلى
×