الرئيسية / صوت العالم / بوليفيا : هل تعصف الانتفاضة الشعبية بحكم الرئيس اليميني رودريغو باز؟
بوليفيا : هل تعصف الانتفاضة الشعبية بحكم الرئيس اليميني رودريغو باز؟

بوليفيا : هل تعصف الانتفاضة الشعبية بحكم الرئيس اليميني رودريغو باز؟

بقلم عادل ثابت

تعيش بوليفيا منذ بداية شهر ماي الجاري على وقع انتفاضة شعبية عارمة: إضرابات عمالية، قطع الطرقات الرئيسية المؤدية إلى العاصمة لاباز (La Paz)، مظاهرات، اعتصامات وغيرها من أشكال الاحتجاج. انطلقت الحركة الاحتجاجية بدعوة من المركزية العمالية البوليفية لتتوسع وينخرط فيها عمال المناجم والفلاحون والمدرّسون وتشهد مشاركة واسعة للسكان الأصليين والأحياء الشعبية والشباب. بدأت هذه الحركة احتجاجا على غلاء المعيشة والاعتداء على الفلاحين الصغار لتتحوّل منذ منتصف ماي إلى انتفاضة شعبية تطالب برحيل الرئيس رودريغو باز.

حكومة يمينية متطرفة وإجراءات لا شعبية

وصل رودريغو باز إلى الحكم إثر فوزه في الانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2025، وكان قد طرح نفسه طريقا ثالثا أمام مرشح أقصى اليمين ومرشح الحركة في سبيل الاشتراكية – الحركة التي ينتمي إليها الرئيس السابق إيفو موراليس – رافعا شعار “الرأسمالية لفائدة الجميع”. وقد استهوى ذلك الشعار وقتها شرائح شعبية واسعة تضررت كثيرا من غلاء المعيشة ومن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد بسبب تراجع صادرات الغاز. كما استفاد رودريغو باز أيضا من الانقسامات التي عصفت بالحركة من أجل الاشتراكية ومن عجزها عن تقديم حلول للأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها البلاد.

لكن سرعان ما تبيّن الوجه الحقيقي لرودريغو باز الذي أدار ظهره مباشرة بعد الانتخابات للشرائح الشعبية التي صوتت لفائدته ليعلن سياسة تقشفية تهدف إلى خفض المصاريف العمومية بنسبة 30% واعتماد سياسة اقتصادية نيوليبرالية متوحشة بامتياز تقوم على الخوصصة وعلى فتح البلاد أمام نهب الاحتكارات العالمية لثروات البلاد. وهو ما أدّى إلى تضاعف أسعار المحروقات (تمّ رفع الدعم عن المحروقات في ديسمبر 2025) وأسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية. لقد كان القادح المباشر في اندلاع الانتفاضة الجارية هو القانون 1720 الذي سنّ “إصلاحات زراعية” نيوليبرالية لفائدة صناعات الأغذية الزراعية (agro-industrie) يمكّنها من مصادرة أراضي الفلاحين الصغار. هذا القانون، الذي أشرف عليه وهندسه وزيران كانا على رأس مؤسسات في قطاع صناعات الأغذية الزراعية، جاء ليعمق معاناة السكان الأصليين والحيف المسلط عليهم وليفتح الباب واسعا أمام كبرى الاحتكارات لتضع يدها على الأراضي لإقامة مشاريع كبرى تحقق نسبا عالية من الأرباح، وهو ما واجهه المحتجون بشعار “بوليفيا ليست للبيع”. ومقابل سياسة التقشف التي زادت في تدهور الأوضاع المعيشية للعمال والفلاحين وعموم الفئات الشعبية، قام رودريغو باز بإلغاء الضريبة على الثروات الكبرى، مبينا بذلك بأنه “رئيس الأغنياء”.

رغم تراجع الحكومة عن القانون 1720 منذ الأيام الأولى للاحتجاجات، فإنها فشلت في احتواء الانفجار الاجتماعي الجاري الذي ما فتئ بتوسع ويتجذر، وهي اليوم تعوّل أكثر فأكثر على الخيارات القمعية التي خلفت 4 قتلى وعشرات الجرحى وأكثر من 120 موقوف، كما صدرت قرارات بإيقاف عديد النقابيين ومن بينهم السكريتير التنفيذي للمركزية العمالية البوليفية بتهم تتعلق بـ”التحريض على ارتكاب جرائم” وبـ”الإرهاب”، وصادق أيضا البرلمان الموالي للحكم يوم الثلاثاء الماضي على قرار يرفع القيود على إعلان حالة الطوارئ واستعمال الجيش من طرف الرئيس لقمع المتظاهرين.

اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية إلى جانب رودريغو باز

سواء تعلق الأمر بترامب في الولايات المتحدة أو بميلاي في الأرجنتين أو بكاست في الشيلي، فإنهم عبّروا جميعا عن دعمهم المفتوح للرئيس البوليفي رودريغو باز في وجه “دعاة الانقلاب” (اقرأ المنتفضين ضدّ سياسات التفقير والتهميش)، وهم بذلك يدافعون في الحقيقة عن نفس السياسات والخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي يتبعونها في بلدانهم وفي المنطقة.

على صعيد آخر، لا يخفى على أحد أن الوضع في بوليفيا والرهانات التي يطرحها تتجاوز البعد المحلي لتندرج في سياق الصراعات على مستوى المنطقة والعالم. فمنذ رجوعه للحكم، أعلن ترامب العودة إلى عقيدة مونرو التي تعتبر أمريكا اللاتينية حديقة خلفية للولايات المتحدة وتربط أمنها القومي بإحكام سيطرتها هناك. وهو ما يدفعه للسعي إلى تدارك ما عرفه نفوذ الولايات المتحدة من تراجع في المنطقة خلال العشريات الأخيرة مقابل تصاعد تأثير الغريم الصيني هناك خصوصا عبر مشروع طريق الحرير. وفي هذا الصدد، تمثل الثروات المنجمية التي تزخر بها بوليفيا مجال صراع استراتيجي، خصوصا بالنسبة لليثيوم (lithium) الذي يمثل المادة الأولية الأساسية في صناعة البطاريات، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الشركات الصينية قد حققت سبقا وهيمنة على حلقات استخراج وتكرير وتحويل الليثيوم في بوليفيا.

ختاما،

رغم القمع الشديد للاحتجاجات في بوليفيا لم تتوقف الانتفاضة، بل ما فتئت تتطوّر وتتوسّع لتشمل مختلف القطاعات والفئات الشعبية بما يعني أنّها كسرت حاجز الخوف وحققت وحدة واسعة داخل الشعب البوليفي ووعيا بقدرته على إنجاز تغيير حقيقي يمرّ ضرورة عبر رحيل الرئيس الحالي. إنّ تاريخ الشعب البوليفي حافل بالانتفاضات الشعبية والانتصارات التي ستكون بالتأكيد مصدر إلهام له خلال في معركته الجارية.

إلى الأعلى
×