الرئيسية / صوت العالم / كتاب : كارل ماركس في أمريكا
كتاب : كارل ماركس في أمريكا

كتاب : كارل ماركس في أمريكا

تأليف : أندرو هارتمان / تقديم : مرتضى العبيدي

أندرو هارتمان أستاذ التاريخ في جامعة ولاية إلينوي. وهو مؤلف كتاب حرب من أجل روح أمريكا: تاريخ حروب الثقافة، الصادر عن مطبعة جامعة شيكاغو، وكتاب التعليم والحرب الباردة: معركة المدرسة الأمريكية“. كما شارك في تحرير كتاب المتاهة الأمريكية: التاريخ الفكري لأوقات معقدة“.

الناشر: المنشورات الجامعية بشيكاغو

السنة: 2025، اللغة: الإنكليزية، 600 صفحة

عند التفكير في الماركسية كعقيدة سياسية أو اجتماعية اقتصادية أو فلسفية، لا تتبادر الولايات المتحدة إلى الذهن أولاً. إذ أن هناك فكرة سائدة مفادها أن كارل ماركس والولايات المتحدة لا يمكن أن يكونا مرتبطين بأي شكل من الأشكال، وأن كارل ماركس لا يستطيع أن يعلمنا أي شيء عن التاريخ الأميركي، والتاريخ الأميركي لا يستطيع أن يعلمنا أي شيء عن كارل ماركس. وكتاب أندرو هارتمان الجديد، وهو أستاذ التاريخ في جامعة إيلينوي بالولايات المتحدة، يتحدى هذا الانطباع، إذ يُفصّل القول في أثر أفكار كارل ماركس في الولايات المتحدة، من الحرب الأهلية وحتى يومنا هذا.

وكما يليق بدراسة مفكر ركزت فلسفته على تغيير العالم وليس فقط تفسيره، لا يقتصر عمل هارتمان على التأثيرات الفكرية فحسب، بل يتناول أيضاً علاقة الماركسية بالحركات السياسية والاجتماعية في أمريكا. كُتب الكتاب بأسلوب واضح وبسيط، موجهاً إلى جمهور واسع من القراء المثقفين عموماً، ويصف عدداً كبيراً من الأفراد والتيارات الفكرية بعضها مألوف، والبعض الآخر جديد موضوعة بعناية ضمن سياقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وقد بدأ المؤلف بالتذكير أن ماركس أمضى ما لا يقلّ عن عشر سنوات من حياته يكتب لصحيفة نيويورك تريبيون“. في خمسينيات القرن التاسع عشر، كان هذا هو مصدر دخله الرئيسي، إلى جانب المساعدات من فريدريك إنجلز. فكتب أكثر من خمسمائة مقال لصحيفة تريبيون، التي كانت آنذاك الصحيفة الأكثر قراءة على مستوى العالم، حيث بلغ عدد المشتركين فيها 200 ألف مشترك. كانت صحيفة تريبيون بمثابة الكتاب المقدس للحركة الجمهورية الناشئة والحزب الجمهوري. لقد قرأ جميع المناهضين للعبودية رؤية ماركس للسياسة الأوروبية.

أهم مراحل انتشار لأفكار الماركسية في الولايات المتحدة

يعتبر الكاتب أنه كانت هناك أربع فترات في التاريخ الأمريكي انتشرت فيها أفكار كارل ماركس بشكل جيّد، حيث قرأ العديد من الأمريكيين ماركس بشكل إيجابي.

1- كانت الفترة الأولى بمثابة العصر الذهبي الأول، مع ظهور الأحزاب الاشتراكية الجماهيرية والأحزاب العمالية الجذرية. وهي الفترة التي تغطي الأقسام الأولي من الكتاب والتي تمتد من 1860 الى حدود 1914.

كانت الماركسية في تلك الفترة حكرًا تقريبًا على المهاجرين الذين جلبوها إلى الولايات المتحدة من بلدانهم الأصلية الألمان في البداية، ثم اليهود من أوروبا الشرقية والذين نشروا الأفكار الماركسية في الحزب الاشتراكي الأمريكي. ولم يتبلور الفكر الماركسي الأصيل إلا في أوائل القرن العشرين بين أدباء أمريكا المتواجدين على الساحلين الشرقي والغربي، بمن فيهم جاك لندن (Jack London)، وماكس إيستمان (Max Eastman) ، وجون ريد، ( John Reed) صاحب كتاب عشرة أيام هزت العالمفيما بعد.

2- أما الفترة الثانية فهي التي تلت مباشرة ثورة أكتوبر العظمى التي أدت إلى توسيع نطاق أفكار ماركس بشكل كبير، في الولايات المتحدة كما في معظم أنحاء العالم خارج أوروبا، وفيها يستعرض هارتمان تصورات الشيوعيين الأمريكيين الأوائل، مثل لويس فراينا (Louis Fraina) وجوزيف كانون (Joseph Cannon) والتي امتدت الى ثلاثينيات القرن العشرين التي شهدت أسوأ أزمة عاشها النظام الرأسمالي: الكساد الأعظم حيث وصلت نسبة البطالة إلى 30% في بعض الأحيان خلال هذا العقد. وشهد هذا العقد ظهور ليس فقط الحزب الشيوعي الأمريكي، بل وأيضاً العديد من فروع الحركة الشيوعية. وبعد ذلك تبنى الناس المنظور الماركسي، على المستوى الوطني والدولي.

وكان الكساد الكبير والأزمة الناتجة عنه في المجتمع الرأسمالي بمثابة فرصة سانحة لأتباع ماركس لمزيد نشر أفكاره. ويتتبع هارتمان عن كثب التيارات الفكرية والثقافية اليسارية في ثلاثينيات القرن العشرين، مركزاً على مزيج سيدني هوك(Sidney Hook) بين الماركسية والبراغماتية، وتصورات الناقد الأدبي في. إف. كالفرتون(V.F. Calverton) عن الأيديولوجيا، وتفسيرات دبليو. إي. بي. دو بويز (W.E.B Dubois) الماركسية للعنصرية الأمريكية، والفنان هوغو جيليرت (Hugo Gellert)، الذي بشّرت أعماله بالروايات المصورة المعاصرة. وبينما كانت الماركسية أحد التيارات الفكرية المؤثرة، فقد شاركتها تيارات أخرى، منبثقة من التقدميين والشعبويين والمذاهب الاجتماعية الكاثوليكية هذا التأثير.

3- أما الطفرة الماركسية الثالثة فقد حدثت في ستينيات القرن العشرين. وكان ذلك بفضل حركة الحقوق المدنية وصعود الحركة اليسارية المعارضة لحرب فيتنام. إذ شهدت ستينيات القرن العشرين حركات جماهيرية راديكالية، يربطها المؤلف بالماركسية، وهو تفسير إشكالي لا يؤيّده الجميع. وانتشرت في تلك الفترة كتابات بول سويزي ( Paul Sweezy )، أهم اقتصادي ماركسي أمريكي، من خلال مجلته مونثلي ريفيو” (Monthley Review )، الذي كان شخصية مؤثرة للغاية على اليسار الأمريكي لنصف قرن. ومن المثير للدهشة أن هارتمان لم يتطرق إلى كتاب سويزي الأبرز، رأس المال الاحتكاريالصادر عام 1966، والذي حاول فيه تحديث أطروحة ماركس الاقتصادية لتناسب أمريكا في منتصف القرن العشرين.

والملاحظ أن الماركسية لم تظهر في الحركة الطلابية الراديكالية الأمريكية في تلك الفترة إلا لحظة انهيارها، رغم أن المجموعتين اللتين ناضلتا للسيطرة على ما تبقى من حركة طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي (SDS) في الفترة 1969-1970، وهما حركة الشباب الثورية، وجماعة ويذر أندرغراوند (Weather Underground) لاحقًا، والماويون من حزب العمل التقدمي، جميعهم كانوا يعلنون ماركسيتهم. لكن يبقى من الصعب ربط معظم نضال الأمريكيين من أصول أفريقية من أجل الحرية، والذي كان سمة حاسمة في ستينيات القرن العشرين، والذي هيمنت عليه المُثل المسيحية، ثم القومية السوداء لاحقاً، بمبادئ ماركس. أما جماعة الفهود السود، وهي الجماعة السياسية الوحيدة في تلك الحقبة التي تبنت الأفكار الماركسية بوعي، فلم يُولها الكتاب ما تستحق من عناية.

4- يعتبر البعض أن الطفرة الماركسية الرابعة هي التي تحدث الآن، أي منذ الأزمة المالية لعام 2008، وحركة احتلوا وول ستريت، وحملات بيرني ساندرز (Bernie Sanders)، والتي شهدت زيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يقرؤون كتابات ماركس، ويكتبون كتبًا عنه، ويشاركون في مجموعات القراءة الماركسية، ويقومون بتنزيل محاضرات ديفيد هارفي (David Harvey ) عن رأس المال.

إلا أن أندرو هارتمان يعتبر أن بداية هذه الفترة يعود الى أواخر القرن العشرين، حيث يلاحظ تزايد وتيرة الحركات الجماهيرية التي تستهدف عناصر محددة من الليبرالية الجديدة، بدءًا من معركة سياتل” (Seattle) عام 1999، مرورًا بمعارضة الحرب الأمريكية في العراق، وصولًا إلى حركة احتلوا وول ستريتوحركة حياة السود مهمةوموجة الإضرابات في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

يجادل المؤلف بأن معظم المشاركين كانوا مدفوعين بنزعة يسارية أخلاقية أمريكية تدين الشرور الاجتماعية والسياسية الفردية، لكنها لا تدرك ترابطها وتجذرها في نظام اجتماعي واقتصادي محدد. في المقابل، يُشيد المؤلف بـالماركسية الألفية” (Millenial Marxism)، ومجلة جاكوبين“Jacobin magazine))، أو منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، مشيرًا إلى هجماتهم عام 2016 على هيلاري كلينتون والليبرالية الجديدة.

كان الربع الأخير من القرن العشرين، بالنسبة لهارتمان، حقبةً متناقضةً تمثلت في هيمنة رأسمالية متجددة، تميزت بثلاثية نيوليبرالية مشؤومة“: الخصخصة، وإلغاء القيود، والعولمة المالية، بالتزامن مع تزايد نفوذ الأفكار الماركسية في الأوساط الأكاديمية الأمريكية. يقدم هارتمان تحليلاً للدراسات التاريخية، التي يصفها بأنها التخصص الأكاديمي الأكثر تأثراً بالماركسية (أكثر من الدراسات الأدبية، أو علم الاجتماع، أو الأنثروبولوجيا؟).

كما يلاحظ الى أن الأفكار الماركسية كانت أكثر تأثيراً في الفنون فبينما تُعدّ روايات المؤلف جاك لندن (Jack London )، وهوجو جيليرت (Hugo Gellert)، ومغني الراب ومخرج الأفلام من أوكلاند، بوتس رايلي (Boots Riley)، مؤثرة للغاية، إلا أن اثنين من الروائيين الماركسيين المعروفين، وهما هوارد فاست ( Howard Fast) ونورمان ميلر ( Norman Mailer)، غائبان عن نصه، الذي لا يحتوي في أحسن الأحوال إلا على إشارات عابرة إلى جون دوس باسوس ( John Dos Passos)، وجون شتاينبك ( John Steinbeck ) ، ولانغستون هيوز (Langston Hughes )، وريتشارد رايت ( Richard Wrigt)، وليليان هيلمان (Lilian Hellman )، وماري مكارثي ( Mary McCarthy ).

ويخلص الكاتب في نهاية توصيفه لهذه الفترة الأخيرة بأنه إذا كان من الصعب أن نعرف إلى أين سيتجه هذا الاهتمام، ولكن في كل العصور الأخرى التي قرأ فيها ماركس، ساهم اليسار بطريقة خاصة في تغيير التاريخ.

إلى الأعلى
×