بقلم محمد بلخيرية
لم تعد أزمة الصحة العمومية في تونس مجرد ملف من الملفات الثقيلة التي تتراكم على مكاتب المسؤولين، ولا مجرد أرقام صادمة تتكرر في التقارير والدراسات والندوات دون أن تجد طريقها إلى الحل. لقد أصبحت هذه الأزمة وجهاً يومياً من أوجه المعاناة التي يعيشها ملايين التونسيات والتونسيون خاصة في الجهات الداخلية والمناطق المهمشة التي مازالت تدفع ثمن عقود طويلة من التفاوت الجهوي والخيارات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة. فما شهدته معتمدية المكناسي من ولاية سيدي بوزيد خلال الأيام الأخيرة لا يمكن اعتباره حادثاً عرضياً أو واقعة استثنائية، بل هو تعبير مكثف وصادم عن حالة الانهيار التي بلغتها المنظومة الصحية العمومية في تونس وعن حجم اللامبالاة الرسمية تجاه حق المواطنين في العلاج والحياة.
استفاقت المكناسي على كارثة إنسانية، حادثة تسمم جماعي أصابت عدداً من المواطنين، انتهت بوفاة شخصين وإصابة آخرين في ظروف كشفت هشاشة المنظومة الصحية المحلية وعجزها الكامل عن التعامل مع الحالات الاستعجالية والخطيرة. بينما كان المصابون يصارعون الموت، كانت الحقيقة المرة تنكشف أمام الجميع: مستشفى محلي يفتقر إلى أبسط التجهيزات الضرورية، نقص حاد في الإطارات الطبية وشبه الطبية، غياب لطب الاختصاص، محدودية التحاليل الطبية، وعجز حتى عن توفير وسائل نقل صحية لائقة بالمرضى في مشهد لا يليق بدولة تدّعي احترام الحق في الصحة، وجد عدد من المصابين أنفسهم يُنقلون في ظروف بدائية على متن وسائل نقل غير مهيأة، “كميونة اسيزي” كانت الدقائق تمرّ وتحولت إلى عامل حاسم بين الحياة والموت.
هذه الصور القادمة من المكناسي صادمة للرأي العام. لم تكن صادمة فقط بسبب حجم المأساة الإنسانية، بل لأنها عرّت واقعاً تحاول السلطة منذ سنوات إخفاءه خلف الشعارات والخطابات. فبينما يتحدث المسؤولون عن الإنجازات والإصلاحات والمشاريع الكبرى، تكشف الوقائع أن آلاف المواطنين مازالوا عاجزين عن الوصول إلى خدمات صحية تحفظ كرامتهم وحقهم في الحياة. كيف يمكن الحديث عن دولة قوية وسيادة وطنية ومشاريع مستقبلية كبرى، بينما يعجز مستشفى محلي عن إنقاذ ضحايا تسمم جماعي؟ وكيف يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية فيما تتحول الإصابة بمرض أو التعرض لحادث إلى حكم بالموت بالنسبة لفقراء الجهات الداخلية؟
ما حدث في المكناسي ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الكوارث التي عاشتها المستشفيات العمومية التونسية خلال السنوات الأخيرة. فمنذ سنوات والمنظومة الصحية العمومية تنزف بصمت. مستشفيات متهالكة، أقسام مغلقة، أجهزة معطلة، نقص في الأدوية الأساسية، هجرة جماعية للأطباء والإطارات الطبية نحو الخارج أو نحو القطاع الخاص، وميزانيات غير قادرة على مواكبة الحاجيات المتزايدة للمواطنين. وفي المقابل، يتوسع القطاع الصحي الخاص بشكل متسارع، ليصبح العلاج الجيد امتيازاً طبقياً لا يقدر عليه إلا من يملك المال.
لقد كشفت الدراسات والتقارير المتخصصة حجم الكارثة. فقد تراجع نصيب الفرد من الإنفاق الصحي خلال السنوات الماضية بشكل لافت، كما شهدت ميزانية وزارة الصحة تراجعاً في فترات كانت فيها البلاد بأمسّ الحاجة إلى دعم القطاع الصحي. إن سياسات التقشف التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة ساهمت بشكل مباشر في إضعاف المنظومة الصحية العمومية وتعميق الفوارق بين الجهات. كما أظهرت الأرقام أن أغلب الاستثمارات الصحية الخاصة تتركز في المناطق الساحلية، في حين تبقى المناطق الداخلية محرومة من أبسط مقومات الرعاية الصحية المتخصصة.
أخطر ما تكشفه مأساة المكناسي هو أن الأزمة لم تعد مرتبطة بنقص الموارد فقط، بل أصبحت نتيجة مباشرة لخيارات سياسية واضحة. السلطات المتعاقبة اختارت عملياً التخلي التدريجي عن الصحة العمومية وتركها تواجه مصيرها، في الوقت الذي يتم فيه تشجيع القطاع الخاص بشكل مباشر أو غير مباشر. وأصبح المواطن التونسي اليوم أمام معادلة قاسية: إذا امتلك المال يمكنه الحصول على العلاج في المصحات الخاصة، أما إذا كان فقيراً أو ينتمي إلى جهة داخلية مهمشة فعليه أن ينتظر دوره في صفوف المستشفيات العمومية المتهالكة أو أن يواجه مصيره وحيداً.
تتحمل السلطة الحالية مسؤولية سياسية وأخلاقية كاملة عما آلت إليه الأوضاع. فمنذ سنوات وقيس سعيّد يمسك بمقاليد السلطة التنفيذية والتشريعية بشكل شبه مطلق، ويقدم نفسه باعتباره صاحب مشروع لإنقاذ الدولة وإصلاح مؤسساتها. لكن واقع الصحة العمومية يكشف صورة مغايرة تماماً. فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومات بالشعارات ولا بالخطب السياسية، بل يقيسها بقدرته على الحصول على دواء حين يمرض، وعلى سيارة إسعاف حين يتعرض للخطر، وعلى مستشفى قادر على إنقاذ حياته حين يصبح بين الحياة والموت.
لقد سمع التونسيون كثيراً عن المؤامرات والخونة والفساد واللوبيات، لكنهم لم يسمعوا عن خطة وطنية فعلية لإنقاذ المستشفيات العمومية أو لوقف نزيف الكفاءات الطبية أو لتقليص الفوارق الصحية بين الجهات. وفي كل مرة تقع فيها كارثة جديدة، يتكرر المشهد ذاته: تصريحات رسمية، ووعود بالتحقيق، وزيارات ميدانية متأخرة، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه حتى تقع مأساة أخرى.
إن الغضب الشعبي الذي انفجر في المكناسي لم يكن مجرد رد فعل على حادثة تسمم. لقد كان تعبيراً عن شعور عميق بالاحتقار والتهميش والإقصاء. فالأهالي الذين أغلقوا الطرقات ودعوا إلى الإضراب العام لا يطالبون بامتيازات استثنائية ولا بمشاريع خيالية، بل يطالبون بحقوق أساسية يفترض أن تكون مضمونة لكل مواطن: مستشفى مجهز، أطباء مختصون، أدوية متوفرة، سيارات إسعاف وإنعاش، ورعاية صحية تحفظ كرامة الإنسان.
إن المكناسي اليوم ليست مجرد مدينة غاضبة، هي رمز لمعاناة الجهات الداخلية كلها. إنها تختصر واقع سيدي بوزيد والقصرين وقفصة والكاف وسليانة وجندوبة وغيرها من المناطق التي دفعت لعقود طويلة ثمن السياسات المركزية غير العادلة. وهي تذكرنا بأن الثورة التي رفعت شعار الكرامة والعدالة الاجتماعية مازالت أهدافها الأساسية بعيدة المنال بالنسبة لآلاف المواطنين الذين يعيشون على هامش الدولة.
إن الحق في الصحة ليس منّة من أحد، وليس خدمة يمكن تعليقها بسبب الأزمات المالية أو الحسابات السياسية. إنه حق دستوري وإنساني أصيل، وأي سلطة تعجز عن ضمانه تفقد جزءاً أساسياً من شرعيتها الأخلاقية. لذلك فإن ما حدث في المكناسي يجب ألا يُختزل في تحقيق إداري أو زيارة مسؤول أو وعود جديدة. المطلوب اليوم مراجعة شاملة للسياسات الصحية العمومية، وزيادة الاستثمار في المستشفيات العمومية، وإنهاء التفاوت الجهوي الفاضح، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية، ووقف النزيف المستمر للكفاءات الطبية.
أما الاكتفاء بالخطابات والشعارات فلن يؤدي إلا إلى تكرار المأساة. فبعد المكناسي قد تأتي مدينة أخرى، وبعد ضحايا التسمم قد يأتي ضحايا نقص الأدوية أو غياب الإنعاش أو تأخر الإسعاف. وعندها سيكون السؤال نفسه مطروحاً بإلحاح أكبر: كم من التونسيين يجب أن يدفعوا حياتهم ثمناً قبل أن تدرك السلطة أن الصحة ليست ملفاً ثانوياً، بل هي معيار أساسي للكرامة الوطنية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
