بقلم حمادي المثلوثي
تحلّ ذكرى الخامس من جوان 1967 والشعب الفلسطيني يواجه واحدة من أخطر مراحل قضيته الوطنية، فيما تتواصل الحروب والأزمات والتدخلات الأجنبية في أكثر من قطر عربي. وفي مثل هذه المناسبة لا يتعلق الأمر باستعادة حدث من الماضي بقدر ما يتعلق بمحاولة فهم جذور الهزيمة العربية وأسباب استمرار تداعياتها إلى اليوم.
لقد مثّلت هزيمة جوان 1967 منعطفا تاريخيا في مسار المنطقة العربية. ففي غضون أيام قليلة تمكن الكيان الصهيوني، المدعوم من القوى الإمبريالية الغربية، من إلحاق هزيمة عسكرية بالجيوش العربية واحتلال مساحات واسعة من الأراضي العربية. لكن النكسة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل كشفت أزمة عميقة في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قامت عليها الدول العربية بعد الاستقلال.
فقد رفعت الأنظمة العربية آنذاك شعارات التحرر والوحدة والتنمية، لكنها عجزت عن استكمال مهام التحرر الوطني وبناء اقتصاد منتج ومستقل وتوسيع المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام. لذلك جاءت الحرب لتكشف التناقض بين الخطاب السياسي من جهة والواقع الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي من جهة أخرى.
ومن منظور تقدمي، لا يمكن فصل نكسة 1967 عن طبيعة الصراع الدائر في المنطقة. فالكيان الصهيوني لم يكن مجرد دولة في حالة نزاع حدودي مع جيرانها، بل شكل وما يزال قاعدة متقدمة للمصالح الإمبريالية في المنطقة، وأداة لضمان استمرار الهيمنة على الشعوب العربية وثرواتها ومقدراتها. وقد أكدت الأحداث اللاحقة أن المشروع الصهيوني لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يستهدف حق الشعوب العربية في التنمية والسيادة والوحدة والتقدم.
لقد ترتب عن النكسة تراجع المشروع القومي العربي وصعود مسارات سياسية مختلفة، كما فتحت الباب أمام موجة من الإحباط الشعبي استغلتها قوى الرجعية والتبعية لإعادة إنتاج أنماط الحكم تابعة مرتبطة بالمراكز الرأسمالية العالمية.
غير أن الشعوب العربية لم تستسلم للهزيمة. فقد شهدت السنوات اللاحقة صعود حركات المقاومة الفلسطينية وتطور النضالات الشعبية في العديد من البلدان العربية، بما أكد أن الهزيمة العسكرية لا تعني بالضرورة هزيمة الإرادة الشعبية أو نهاية الكفاح من أجل التحرر.
واليوم، وبعد ما يقارب ستة عقود على النكسة، ما تزال الأسئلة التي طرحتها قائمة. فالتبعية الاقتصادية تتعمق، والتجزئة العربية تتواصل، وتزداد المنطقة تعرضا للتدخلات الأجنبية، بينما يواصل الكيان الصهيوني سياسات الاحتلال والاستيطان والعدوان وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، مستفيداً من حالة الضعف والانقسام العربيين.
إن استحضار ذكرى الخامس من جوان لا يهدف إلى اجترار الماضي، بل إلى استخلاص الدروس الضرورية للمستقبل. وفي مقدمة هذه الدروس أن التحرر الوطني لا ينفصل عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن مواجهة الهيمنة الإمبريالية والصهيونية تقتضي الاعتماد على طاقات الشعوب وتنظيمها وتوسيع مشاركتها في صنع القرار السياسي والاقتصادي.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب قادرة على تجاوز الهزائم عندما تمتلك مشروعاً واضحاً للتحرر والتقدم. ولذلك فإن المهمة المطروحة اليوم أمام القوى الديمقراطية والتقدمية العربية تتمثل في مواصلة النضال من أجل السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والحقوق الديمقراطية، وربط ذلك بالدفاع عن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وإنساني في مواجهة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.
وفي ذكرى النكسة، تبقى فلسطين شاهداً على أن الصراع لم يُحسم، وأن إرادة الشعوب قادرة، مهما طال الزمن، على تحويل الهزيمة إلى درس، والدرس إلى قوة، والقوة إلى فعل تحرري يفتح آفاق المستقبل.
صوت الشعب صوت الحقيقة
